الثقافة كمادة قابلة للتكديس و الاحتكار ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الثقافة كمادة قابلة للتكديس و الاحتكار !

أسهام في نقد النظرية الليبرالية للاقتصاد

  نشر في 05 يناير 2021 .

السلام عليكم جميعا ، اتمنى ان ينال مقالي الاول اعجابكم و ملاحظتي للجميع قبل البدء في القراءة هي : "فكّر خارج الصندوق !".

لا بد أن اوضح في البداية كيف أنّ المفاهيم و النماذج الفلسفيّة للمادة الغير محسوسة قادرة على بناء وهدم منظومات اجتماعية بأكملها ، لذلك سوف اتناول النقد(المال) كمثال ، عندما نتحدث عن قيمة المال فاننا لا نقصد شيء اخر سوى القيمة التبادلية له و التي تتشكل من وقت العمل الضروري لتصنيع منتوج ما ، ووقت العمل هو زمن و الزمن يقاس بالساعة او الدقيقة او الخ ... ، لذلك نحن نتقاضى في وظائفنا مبالغ مالية مقابل الوقت الذي بذلناه في انجاز نشاط انتاجي معيين ، فمن المعلوم أن اي عامل او موظف "يقبض بالساعة" .

كلمة تبادلية في مصطلح "القيمة التبادلية" ، تعني ان قيمة النقد(المال) تنحصر في امكانية اسبداله بسلع ، فعملة (5 دولار) على سبيل المثال لا يمكن استهلاكها كأن نقوم بأكلها او شربها او نحو ذلك ، وانّما نستطيع حصرا استبدالها بمنتج ما يمكن استهلاكه كالطعام و الشراب و الملابس وهذا ما يطلق عليه البيع و الشراء .

نستطيع من خلال فهم ما تقدّم ادراك ان المفهوم الفلسفي الغير محسوس (الغيبي) للمال المتمثل بالقيمة التبادلية المتشكلة من زمن العمل هو ما يجعل منه مادة ذات قيمة ، وبدون هذا المفهوم الفلسفي فان المال سوف يكون مجرد قطع معدنية او قصاصات ورقية بلا قيمة !

الان و بعد ان ادركنا اهمية النماذج الفلسفية للمادة الغير محسوسة في حياتنا اليومية ، سوف اتقدّم خطوتا للأمام و اذكر مثالا يوضح ان المادة الغير محسوسة هي الأخرى مثلها مثل اي مادة محسوسة قابلة للمراكمة و الاحتكار : 

لا يختلف اثنان منّا على امكانية تكديس المال ، لكن هل من الممكن تكديس و احتكار الثقافة كالمهارة الضرورية للعمل مثلا ؟ والجواب هو نعم بالتأكيد و للأسف ... !

اذا راقبنا الطفل في الأشهر الاولى من حياته فسوف نجده يحاول محاولات حثيثة حتى يتمكن من المشي حيث تفشل كمية هائلة من محاولاته في البداية ولكن مع مرور الوقت وبتجدد مستمر لمحاولاته فأنه سوف يتمكن في النهاية من مراكمة المهارة اللازمة التي تمكنه من الوقوف شامخا على قدميه و من المشي بعد ذلك ، ان قدرته على المشي كانت سوف لن تتكلل بالنجاح لولا انه استطاع تكديس الثقافة او المهارة اللازمة للمشي في عقله و ذلك بالتكرار .

ان النظرية الليبرالية للأقتصاد تغضّ الطرف عن كل ما سبق ايضاحه من حقائق ، وتدّعي بكل فجاجة أنّ الشرط الوحيد اللازم لتحقيق التنمية في المجتمعات المختلفة هو توفر الفرص المتساوية لجميع الأفراد ، ان توفر فرصا متساوية للجميع انما هو احد الشروط اللازمة لتحقيق التنمية ، كما ان غض الطرف عن العوامل الاخرى مثل عامل الثقافة القابلة للتكسيد ، سوف يقود في النهاية على حد اعتقادي الى توسع خطير بين طبقات المجتمع و الذي بدوره يقود الى استقطابات سياسية و مذهبية و عنصرية .

اين يمكننا رؤية النظرية السابقة كنموذج عملي في الواقع المعاش ؟                               الجواب هو في الدول الصناعية التي استقبلت كميات هائلة من اللاجئين من دول العالم الثالث في السنوات الأخيرة ، فمن المعلوم ان الدول الصناعية الغربية سواء في اوروبا او امريكا الشمالية تعيش الان في فترات متأخرة من المنظومة الرأسمالية ، اما بالنسبة الى دول العالم الثالث التي نزح منها اللاجئون فهي خليط ما بين الأقطاع و الرأسمالية المبتدئة و غيرها من المنظومات الأجتماعية التي انقرضت او شارفت على الانقراض في الدول الصناعية.

 ان الاشخاص المولودون في الدول الاوروبية قد تمكنوا في سنوات حياتهم الاولى من مراكمة كميات هائلة من المهارات و المعلومات الثقافية الضرورية لهم في حياتهم المهنية و الاقتصادية ، أما بالنسبة للّاجئين فانهم قد تربوا في مجتمعات اقطاعية و عشائرية متخلفة ذات نسق اقتصادي اجتماعي قديم وبالي بحيث لا تنفعهم المهارات و المعلومات التي راكموها في بلدانهم في بناء حياة شخصية ناجحة و مستقلة ، بل اني ادّعي بكل وضوح ان كمية ما لديهم من ثقافة مكدّسة لا تكفيهم للحصول على ابسط فرص العمل ، فقد عاينت بنفسي حالات تُرفض فيها عشرات النساء العربيات من العمل في مخبز لعجين الخبز ، كما شاهدت مواقف عديدة لشبّان لم يتمكنوا من العمل في  اعمال تنظيف او كرجال حراسة !

ان الالة الاعلامية الليبرالية لا تتوفق عن الكذب ، فالى اليوم نقرأ ونسمع في الأخبار معلومات اجزم بكذبها عن بعض اللاجئين الذين قدموا الى احد البلدان الغربية ثم اصبحوا ملاك شركات و رجال اعمال في غضون سنتين او ثلاثة ، عندما تطلق الالة الأعلامية الليبرالية اكاذيب نحو الجماهير من قبيل ان (فلان من الناس بدأ كمنظف صحون في مطعم و اصبح مدير شركة خلال اعوام يسيرة) ، كان الكثير من الناس يسرح في خياله كيف سيصبح مديرا و مليونيرا خلال عامين او ثلاثة اما انا فكنت اسألت نفسي سؤال واحد وهو : هل من اليسير على شاب لاجئ ان يحصل على مهنة منظف صحون ضمن هذه المنظومة المختلّة اصلا ؟؟ 

بقلم: ادم يوسف 



  • 2

   نشر في 05 يناير 2021 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا