عود على بدأ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عود على بدأ

  نشر في 28 ماي 2016 .

أتذكر الآن و أنا في الخامسة و الثلاثين من عمري ، أنني و حين كنت في صغري آتي بالمذموم من الأفعال ، و حينما كان والدي يواجهني بأفعالي ، كان الجواب السريع الذي أحتمي به دائما هو : لست أفعل ذلك لوحدي ، الكل يفعله ، و أنا بالمقارنة مع فلان و فلان ، ملاك من الملائكة !

فكان جواب والدي دائما : اصلح نفسك و دع الآخرين في فسادهم !

حين كبرت ، أدركت مع مرور الوقت أن جوابي الذي كنت به أستعين ، كان النواة الأولى في حياتي للتطبيع مع الفساد ، حينما كنت أبرر في قرارات نفسي فساد أخلاقي مقارنة بفساد الآخرين ! حينما أقنع نفسي أن المعاصي التي كنت أقترفها خفيفة و هينة بالمقارنة مع معاصي الكثير من الناس ..

هذه الفكرة كبرت ، و ترعرعت ، إلى أن أصبحت لافتة كبيرة تعلق على مداخل دول العالم الثالث ، سواء تلك التي تقر أن بها فسادا بشكل مباشر ، أو تلك التي تنكر ذلك و تقره ضمنيا ، و مع دخول أمريكا فتوحات الشرق الأوسط الجديد ، و و خوضها في الأرض الفساد ، بعد ضربات القاعدة لها في عقر أراضيها .. ، و اندلاع الثورات في الكثير من البلدان .. أصبح الأمر أشد ، و أصبحت الدول التي تعوم في مستنقعات الفساد الآسنة .. تضفي على هذا الشعار قدسية كبرى و كان لسان حالها يقول بكل وضوح :

ما الأفضل ؟ فساد مع أمان ، أم إصلاح مع هرج و مرج !

سيكون جواب العامة من البشر في بلدانهم ، أن التعايش مع الفساد ، أهون بكثير من عدم الإستقرار و الخوض بدن سترات نجاة في بحر الهرج و المرج الذي ضرب الكثير من البقاع فلم يبق و لم يذر ! و لكن تعالوا بنا ، نبحث عن السبب الحقيقي وراء هذه الثورات ، مع الإقرار بشيء من المؤامرة ، و دخول الأيادي الخارجية على الخط :

في تونس مثلا .. و التي ابتدأت فيها شرارة الثورات العربية كان بن علي يعلم علم اليقين أنه من المستحيل عليه أن يورث الحكم لابنه ، لأن الشعب التونسي بالرغم من الفقر المدقع الذي كان يعيش فيه و البطالة الضاربة بأطنابها في البلاد ، كان و لا يزال شعبا لا يمكن الضحك عليه ، فكان حله الوحيد المتبقى أمامه هو نهب ثروات البلاد ، و تكديث الكنوز و الأموال داخلها و خارجها ، و كان يعلم أنه في يوم سيزول عنه ملكه ، إن لم يكن بالإطاحة به فبالموت ، فكان كأي أب يخاف على عائلته يؤمن مستقبلها و لكن بالحرام .. و حكم البلاد بالحديد و النار ، و زور الإنتخابات من أجل ولاية لا تزول ، ثم حكم ، فكان له ذلك ، و أعطى الحرية لأفراد الشرطة لفعل ما يريدون ، فكان ذلك مقتله ، حيث تسببت شرطية بائسة متهورة ، في إشعال فتيل القنبلة التي كانت جاهزة في تونس .. فأحرق البوعزيزي نفسه ، و أججت الصحف و قنوات الإعلام العالمية الصورة ، حتى خرج الناس ، و انحاز لهم الجيش ، و استقل بن علي طائرته ,, على إيقاع الجملة الشهيرة لذلك الشاب التونسي :

بن علي اهروب .. بن علي اهروب .. عاشت تونوس .. يعيش الشرفاء و المجد للشهداء !

العدوى لم تقف ها هنا .. مصر التي كان بركانها يغلي منذ سنوات في ظل حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك ، و الذي حول البلاد إلى ما يشبه العزبة ، و كان يعد ابنه الأصغر جمال لتوريثه الحكم في مصر ، و ابنه الأكبر علاء الذي كان يشبه الحوت المالي ، و الذي كان مسيطرا إلى جانب شلة الفساد المحيطة به من أصحابه و استنزفوا ثروات البلاد و العباد ، حتى أصبح المواطن المتعلم المتخرج من الجامعة ، يبحث عن أحط المهن من أجل توفير لقمة عيشه ..

و كانت أعين المصريين على تونس المتحررة توا من عشرين سنة و نيف من حكم بن علي .. فاتفق الشباب على الفيسبوك للخروج ،و التظاهر ضد النظام الحاكم في مصر .. غير أن خروجهم كان أكثر دموية ، غير أنه كان اجتياحا ، و خرجت الأمور عن السيطرة و قتل من قتل من الشباب الثوري .. حتى خرج نائب الرئيس سليمان في البيان الأشهر و الذي أعلن فيه عن تنحي مبارك .. و كان ما تعلمون في أرض مصر إلى الآن ..

توالت العدوى ، فأصيب ساكن ليبيا في مقتل ، و أطيح بحاكم اليمن .. و لا زال الأمر مستتبا في الشام رغم مرور ٦ سنوات تقريبا على بداية الثورات فيه !

السؤال الآن و الذي يطرح نفسه بشدة .. و إذا سلمنا بنظرية المؤامرة في كل ما حدث :

هل كان للمتآمرين على بلداننا الحبيبة أن ينجحوا لولا أن حاكميها انتهجوا سيرة فرعوة الأكبر الذي قال فيما قال : ما علمت لكم من إله غيري ، و هذه الأنهار تجري من تحتي ؟ هل كانوا لينجحوا في زعزعة استقرار البلدان ، لو أن هؤلاء الحكام ، اقتسموا بعضا مما سرقوه مع شعوبهم التي كانوا يرونها ترفل ليل نهار في وحل الفقر و الحرمان حتى الثمالة ؟ هل كانوا سينجحون ، لو أنهم خلصوا بلدانهم من الجهل المطبق ، و المحسوبية الراسخة و الزبونية المستشرية في دروب الدول ؟ هل كان المتآمرون سينجحون لو أن حكام دولنا الحبيبة ، حاربوا الرشوة و الفساد الغارق فيهم قطاعات القضاء و الصحة و التعليم ، هذه القطاعات التي تعتبر الركائز الأساسية لكل دولة تحترم نفسها ؟ هل كان المتآمرون سينجحون ، لو أن الحكام قرروا بينهم و بين أنفسهم أن يحبوا شعوبهم فيهم ، و يجعلوا بينهم حبال وصل و يعملون على تمتينها بالإغداق ، و المساواة في فرص الشغل و التعليم و التطبيب و القضاء ؟

هل كان المتآمرون سينجحون ، إذا وجدوا شعوبا ، شبعة البطون ، لها حقوقها ، و لها واجباتها ، و تعلم أن ضرائبها ستضخ في الأماكن المناسبة لها ؟

هل كان المتآمرون سينجحون ، لو أنهم لم يجدوا جنرالات تتحكم في أقوات البلاد ، و لها مآذونيات و تراخيص تخول لها أن تراكم ثروات في سنوات قليلة إرضاء لها من أجل ضمان ولائها للنظام ؟ هل كان المتآمرون سينجحون ، لو أنهم وجدوا شعوبا في أرقى مراتب العلم و أرقى مراتب الأخلاق ، و أرقى مراتب الإعلام الذي يحترم ساكني بلده ، و يقدم لهم السمين من البرامج لا الغث ؟ هل كان المتآمرون سينجحون ، لو أنهم لم يجدوا دولا داخل الدول تعيش في نعيم مقيم ، لها حراسها و عسسها ، و مساكنها ، و تجمعاتها ، و أبناكها ، و هي تتفرج على الباقي من الشعب يتقاتل فيما بينه على الفتات كما يتفرج زوار حديقة الحيوانات على القرود ؟

الجواب بكل بساطة : لا ، لم يكونوا لينجحوا لولا مساعدة من الحكام و الطبقة المحيطة بهم ، و الذين يسروا لهم أن يصلوا بسرعة إلى ما يريدون ، و يخربون دولا بأكملها ، و يحاولون زعزعة ما تبقى من الدول التي لم تتعلم من الدرس ..

الأمر جلل .. و العدل أساس الملك .. حتى و إن ظهر فيما يرى الناس أن الأمر مستتب ، فالبيت الذي لا ركائز له ، أو الذي يتكئ من دون ركيرة على بيت قوي مجاور ، يوشك على السقوط بفعل أية هزة !

و لأن الأوطان بشعوبها .. لا زال لدينا أمل .. أن يتحرك من يحكمون بلدان العرب من أجل أن ينقذوا ما يمكن إنقاذه ، لأن الشعوب الآن ليست كمثلها التي كانت في سنوات السبعينات و الثمانينات .. و لا يمكن أن يسير الأمر كما كان قبلا .. في ظل الفقر و التهميش و الحقارة و الغلاء التي تعاني منها الشعوب .. فأفيقوا و استقيموا يرحمكم الله !

عود على بدأ .. يعقوب مهدي ٢٧ ماي ٢٠١٦


  • 2

   نشر في 28 ماي 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا