حكاية موت رجل وحيد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حكاية موت رجل وحيد

وحيد جداً ولدت وعشت وسأموت، لم تكن الوحدة اختياري كلياً، رغم أنني اخترت العزلة، لكنني أعرف بأنكم يوماً ما ستمرون من أمام بيتي وتتذكروني، لن تتذكروا حياتي التي قضيتها وحيداً، بل ستتذكرون حكاية موت رجل وحيد ..

  نشر في 29 أكتوبر 2018 .

في قرية صغيرة، اجتمع ذات يوم كبار أهل القرية من مخاتير ووجهاء للبحث في قضية "وحيد". الرجل الذي لاحظ أهل القرية غيابه منذ أكثر من أربعين يوماً، ولم يعد يظهر حتى في أيام السبت كما كانت عادته ليمشي مسافات طويلة ويخيم على قمة الجبل. 

لقد كان الرجل منعزلاً طوال حياته، كتوماً، بل كان يبدو للبعض من أهل القرية "مسكوناً" وكان يظنه مثقفوا القرية "غريب أطوار". أسموه "وحيد" رغم أن هذا لم يكن اسمه الحقيقي، لكن مع الوقت ثبت عليه اللقب ونسي سكان القرية اسمه الحقيقي وعمره الحقيقي ولم يكترثوا كثيراً لعمله أو كيف كان يعيش، رغم أن اسمه كان دائم الذكر في المجالس والاجتماعات.

قرر أهل القرية بعد اجتماعهم أن يقوم عدد من كبار القرية بزيارة "وحيد" محملين ببعض الأطعمة المعدة في المنزل، وبعض الحطب حيث أن البرد كان على الأبواب .. وفعلاً في اليوم التالي حمل الزوار متاعهم ومشوا في الدرب حتى وصلوا إلى منزل "وحيد" الذي كان يقبع في جهة نائية من القرية.

قرعوا الباب كثيراً لكن أحداً لم يجب، انتظروا قرابة النصف ساعة لكن أحداً لم يظهر، عندها أشار عليهم المختار "أبو علي" أن يخلعوا الباب عل مكروهاً ما أصاب الرجل في الداخل .. 

كان الباب ثقيلاً جداً، مما استدعى الرجال الخمسة أن يتحدوا حتى يكسروه، وعندما دخلوا .. كان المنزل يشبه القبر بعتمته، بارداً كثلاجة اللحوم، ولم تكن هناك حياة تدب في ذلك المنزل على الإطلاق. 

انتشر الرجال في المنزل الصغير، حيث وجودا "وحيد" ممداً على فراشه البارد، مصفر الملامح، شفهاه زرقاء، وعيناه مفتوحتان نحو السماء، بدأ عندها العويل والصياح عندما اكتشف الرجال أن "وحيد" كان جثة هامدة. "وحيد" الذي ارتدى بدلته السوداء الأنيقة، وارتدى حزناً مع ابتسامة أقفلت عليها ملامح الموت الصفراء، وكان حوله مجموعة من النباتات التي فارقت الحياة .. لكن ما سر ذلك البرد القارص في منزل هذا الرجل المهجور، وكم يا ترى مضى من الوقت على وفاته .. 

يأتي أحد الشبان منادياً مختار القرية :" عمي أبو علي .. لقد وجدنا هذه الأسطوانة في على الطاولة في الخارج مكتوب عليها وصيتي الأخيرة". يجري المختار نحو الشاب يأخذ الأسطوانة ويضعها في جهاز التسجيل في صالة المنزل .. يدور الشريط قليلاً، صوت سعال، ثم يأتي صوت "وحيد" الذي كان يبدو ضعيفاً وملامح المرض بادية عليه ..

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

قبل كل شيء إن كنتم تسمعون هذا الشريط في بيتي، هناك قابص خلف باب غرفة النوم حيث أرقد ميتاً، أنزلوه حتى لا تتجمدوا من البرد.. أما عن قصة هذا القابص فبكل بساطة عندما شعرت بقرب المنية، كنت متأكداً بأنني سأقضي أياماً وربما أشهراً قبل أن تجدوني لهذا قمت بإعداد هذا النظام الذي جعل من منزلي ثلاجة، أجل منزلي الصغير هذا حولته إلى براد موتى .. قد يكون فعلي هذا ترفاً قليلاً، لكن سامحوني فإني ما أزال على قيد الحياة، وما أزال أفكر بماديات الأمور، ولا أستطيع تخيل نفسي جثة ممزقة ينهش الدود فيها وائحتها نتنة .. لهذا أترك لكم وصيتي الأخيرة هنا وهي أن تقوموا بدفني حسب الأصول شرعاً وقانوناً!

اعتذر منكم نيابة عنكم، لا أدري كم مر على وفاتي قبل أن تجدوا هذا التسجيل، لكن أعلم يا "أبو علي" أنك أول الحاضرين والمستمعين، وأنه خلال هذا الوقت سيكون خبر وفاتي انتشر بين الناس، وجميع سكان القرية وقفوا على باب منزلي الذي لم يقف أحد عنده عندما كنت حياً .. 

أنا لم أختر مصيري هذا يا سادة، ومرضي ليس معدياً ولا خطيراً، إنها انتكاسة عابرة، لكن شعوري بموتي . . آه .. لا أدري كيف أصف لكم هذا، على اي حال أعتقد أن أمري لم يكن يهمكم عندما كنت حياً ولن يهمكم الآن .. 

سيلومني البعض منكم على عزلتي، وسيتناسى الكثيرون أنكم من نبذتموني لسبب لا أعرفه، قبل سنوات نسيتوها كنت أعيش شخصاً طبيعياً بينكم، أزور المريض منكم وأقدم له الزهور، أرقص بحفلات زفافكم وأفرح لفرحكم، وأحزن لفقدانكم وأعزيكم على موتاكم .. لكن أحداً منكم لم يتذكرني يوماً عند مرضي، ولا عندما فقدت زوجتي وأبنائي، كان بالنسبة لكم حادث قضاء وقدر، وانتهى عندها دورهم بالنسبة لكم، لكنني لن أنسى أن أحداً منكم لم يأتي لمواساتي، لم يسأل أحدكم عن هذا الرجل الذي كان اسمه "سعيد" وتحول مع الوقت إلى "وحيد"، كيف يعيش هذا الرجل، كيف يتأقلم مع مأساته، كيف يتخطى محنته بين جدران هذا المنزل الكئيب .. 

وبت رجلاً ممسوساً للبعض منكم، حتى أصبح البعض يخاف أن يلقي علي التحية، وكان الأولاد يصرخون ويهربون لدى رؤيتي، ونكتة الموسم للبعض الآخر .. حيث كانت تلقى حكاياتي في السهرات والاجتماعات مع قصص سخرية ونكت تافهة وسطحية . . لم يسأل أحدكم يوماً نفسه يا ترى لماذا انعزل هذا الرجل، لماذا بات وجوده شبه معدوم، لأنني كنتم السيرة التي تنشرونها بينكم لتجدوا ما تتحدثوا عنه، لأنني كنت حديث اجتماعاتكم الفارغة، لقد كنت اللعبة التي تتسلون بها، وحكاية المغامرة والتشويق التي تطوقون إليها باسم حياتكم الفارغة الروتينية المملة.

لقد هجرتكم لأنني اكتشفت كم نفاقكم، وأن واحدكم يملك العشرات من الوجوه والأقنعة، وعندما كنت مكلوماً فقدت قدرتي على المجاملة، ولم يعد بي صبر لأتنكر بحبكم وأرتدي ملامح الحب المزيفة لكم .. وأنتم تعودتم على النفاق، المجاملة، الرياء.. وأصبحت الشفافية بالنسبة لكم مس، والصراحة عار، والحقيقة قسوة .. ويااااه ..

لهذا قررت أن أموت وحيداً دون أن يشفق علي أحد، تألمت هنا لليالِِ كثيرة كنت أئن فيها من وجع الوحدة ووجع الفقدان، ألمي هذا علمني أن أقسو على رغبتي في أن أشارككم حياتكم الساذجة، لكنني رغم هذا لم أحمل في قلبي عليكم ولم أنتقم منكم. وحدتي جعلتني أرى الحياة من منظور آخر .. فبت أنا من يشفق عليكم، عزلتي علمتني القراءة والكتابة، علمتني كيف أكون عبداً مخلصاً لله .. صلاتي كانت مناجاتي، كانت تملء علي سكون هذا البيت، وكتبي كانت الصديق الذي شاركني حزني وسعادتي .. 

والآن ..".

توقف الشريط عند كلمة الآن .. كان أهل القرية جميعهم يجتمعون عند باب المنزل، وكان الرجال الخمسة يكففون دمعهم وهم يستمعون إلى صوت الرجل الذي مات وحيداً. نظر المختار إلى الرجال الأربعة وقال لهم بصوت يخنقه الحزن :" لقد قصرنا كثيراً بحق الرجل المسكين، لهذا علينا أن نعوضه شيئاً عما فعلناه به .. ". 

خرج أهل القرية جميعهم في جنازة الرجل، كان الجميع صامتون، مصدومون من نهاية "وحيد"، لقد فقدت القرية زوجة هذا الرجل وأبناءه منذ أكثر من خمسة عشر عاماً في حادث سير مريع لحافلة القرية، واليوم فقدوا الرجل الوحيد .. 

بعد الجنازة عاد كل إلى منزله، وبقي المختار عند قبر الرجل جاثياً على ركبتيه باكياً، ملامح الأسى لا تفارق وجهه. لقد كان "أبو علي" يحب هذا الشاب كثيراً، وكان في الماضي قريباً جداً منه، لكنه عندما ترشح لمنصب مختار القرية كان عليه أن يخفف علاقته مع الرجل المشبوه كي يفوز بالمنصب، ومع الوقت تناساه .. وأصبح يشارك الناس موقفهم اتجاه "وحيد". 

كان "وحيد" قد كتب هذه الرسالة التي لم يقرأها أحد يوماً على باب بيته :"وحيد جداً ولدت وعشت وسأموت، لم تكن الوحدة اختياري كلياً، رغم أنني اخترت العزلة، لكنني أعرف بأنكم يوماً ما ستمرون من أمام بيتي وتتذكروني، لن تتذكروا حياتي التي قضيتها وحيداً، بل ستتذكرون حكاية موت رجل وحيد ..". 

 هذه الرسالة التي قرأها"أبو علي" بعد وفاة "وحيد" عشرات المرات عندما كان يمر من أمام بيته ليختلي بنفسه ويبكي. "أبو علي" لم يغفر لنفسه يوماً ما فعله، ترك بعدها منصب المختار وقرر أن ينعزل عن الناس الذين لم يكفوا عن ذكر "وحيد" حتى أصبح "أبو علي" حديثهم الشاغل. 

 الندم لا ينفع عندما يأتي في وقت متأخر .. وحكم الآخرين لا يجب أن يكون حكمنا المسبق ..

 "وحيد جداً ولدت وعشت وسأموت، لم تكن الوحدة اختياري كلياً، رغم أنني اخترت العزلة، لكنني أعرف بأنكم يوماً ما ستمرون من أمام بيتي وتتذكروني، لن تتذكروا حياتي التي قضيتها وحيداً، بل ستتذكرون حكاية موت رجل وحيد ..".

 



  • 3

   نشر في 29 أكتوبر 2018 .

التعليقات

محمود بشارة منذ 2 أسبوع
الله الله على الابداع ، يا ريم القصة محزنة جدا ، رحم الله سعيد او المسكين الذي اصبح وحيد ، هكذا نحن حقيقة رغم وجود الاخرين حولنا إلا اننا وحيدين ، وخاصة عند الموت حتى لو ان جميع البشر وقفوا حولنا عند الميعاد ميعاد الرجوع الى الله لن ينفعونا وسنكون وحيدين لا لهم حول ولا قوة لهم او لنا ، نحن ضعفاء جدا ، ولكننا أيضا نحن نختار كيف نعيش ، هل نعيش وفق المنهج ام وفق اهوائنا او آرائنا ورغباتنا ، كان أولى لسعيد رحمة الله عليه ان يتزوج بإنسانة أخرى وليبدأ حياته من جديد رغم ان ذلك ليس سهلا ولكن قرب روح انسانة بجانبه وعتمة الليل تعطي الانسان طاقة إيجابية لان الله خلقنا هكذا ازواجا لنسكن اليها ، من يقرر ان يكون وحيدا معتقدا انه قرار حكيم او من تقرر ان تبقى وحيدة معتمدة على نفسها وقوتها فهي في خسارة نهاية المطاف ، لأننا نأخذ الى ان نمسي ضعفا بعد مرور الوقت وإن لم نكن قد تزوجنا وانجبنا فسيكون نجاحنا واعمالنا وما ملكنا للاخرين اخرين غير مقربين ، فليغتنم الانسان الفرص ويتبع المنهج وإن نسى الاخرون المنهج فليذكرهم به وليحرص عليه لأننا محاسبون على طريقة عيشنا .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا