غلطة هوكينج - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

غلطة هوكينج

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا !

  نشر في 09 شتنبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 12 شتنبر 2016 .

دائما ما كان حديث البدايات يثير تساؤلات فلسفية حول وجود غير مادي ..

نحن فضوليون أن نعرف من أين أتينا ؟ .. ومن نحن ؟ .. وإلى أين نذهب ؟ ..وما منشأ الأسباب ؟

وكانت تنشأ على الهوامش صراعات بين المؤمنين والملاحدة - إذ كانوا قلة خارجة عن السياق العام - .. وكان الجوهر في هذا الصراع عن الكون وأصلة وعلته ..

فالمؤمنون يقولون :

" إن كل موجود له بداية .. والكون موجود .. إذن الكون له بداية ..

إن كل شيء له بداية يكون مُسبَّبا .. إذن الكون له سبب

إن دقة الخلق والتدبير تدل على أن هذا السبب هو الإله الخالق " .

وكانت تلك الأدلة تهاجم من الملاحدة .. ولم يكن لصوتهم صدى .. إلى أن ظهر الإلحاد ماردا متلفعا عباءة العلم في القرون الأخيرة ..

ولكن .. من نظر بحكمة ناقد .. رأى ما في عقول أئمة الإلحاد من خوار فلسفي بَيِّن .. وإن سمّوا مذهبهم مذهبا علميا ..

فقديما قال الملاحدة أن الكون موجود ولكن ليس لوجوده بداية .. فهو أزلي لم يسبق على وجوده وجود .. وإذا كان أزليا فهو ليس بحاجة إلى خالق أو منشئ من العدم يسبق وجوده وجود الكون ..

وظلت هذه السوءة هي حجة الملاحدة الكبرى .. ورغم أنها ولدت ميتة .. إلا أنه كان عليها أن تنتظر حتى يصدر العلم الحديث إذنا بالدفن .. فأُثبت تمدد الكون وعُرف أنه نشأ من انفجار عظيم لم يكن قبله شيء .. كما أُثبت القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي يشير إلى أن الكون له بداية ونهاية .. وعندها توارت حجة الملاحدة في مثواها الأخير

فالانفجار العظيم نشأ معه كل شيء .. المكان .. الزمان .. المادة .. الطاقة .. القوانين ..فلماذا كان شيء بدلا من لاشيء ؟

وظلت نشأة الكون وأبعادِه ومكوناتِه وقوانينِه من العدم كابوسا يؤرق الملاحدة .. وكلما حاولوا إغفال تلك المسألة ذكرهم بها المؤمنون في كل نادٍ ومناظرة ..

ليظهر عتاة الملاحدة في العشر سنوات الماضية في رأي عام موجه ودعاية إلحادية لم يشهد لها مثيل لأجل أن يُطوّعوا العلم لمذهبهم المُهترئ بدلا من أن يُطوعوا مذهبهم للعلم ..

فهذا عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكنج في كتابه " التصميم العظيم THE GRAND DESIGN " يعلن أن الفلسفة قد ماتت وأن العلم قادر على الإجابة على أسئلة الغاية ومعنى الحياة .. وأسئلة ما قبل الانفجار العظيم ..

لكن هوكنج لم يقتل الفلسفة ليفتح السبيل للعلم .. وإنما صاغ نظريات فلسفية ساقطة في ميزان الفلسفة .. ولكي يُخفي عوارها سماها مسميات علمية وأعلن موت الفلسفة ..

فعندما يُواجَه هوكنج بأن الكون مُعَدٌّ بقوانين ثابتة تدل على حكمة وغاية .. وأن الكون انتقل في دقة متناهية نحو التكتل والهدوء والنظام ثم الحياة ثم الوعي .. فتراه يرد على هذا قائلا : بأن الاكوان المتعددة تفسر هذا دون حاجة إلا غاية أو حكمة ..

فصاحب " التصميم العظيم " يقول بأن وجود كون واحد مُعَدٍّ ومهيّأٍ من بين عدد لانهائي من الأكوان العشوائية المضطربة غير الصالحة للحياة لا يدل على وجود غاية وإله .. فقد تكون كل الأكوان سوى هذا الكون تحتوي على قوانين مغايرة لقوانيننا أو تتحكم فيها العشوائية .. فلا مجال هنا لغاية أو تدبير ..

ويقول إن تلك الأكوان نشأت من فراغ كمومي سماه " لا شيء " .. وهذا الفراغ الكمومي قد تنشأ فيه المادة بشكل عفوي وعشوائي وتكون بحجم الإلكترون .. وهكذا كان حجم الكون عند الانفجار العظيم ..

فنشأة الكون عند ستيفن هوكينج جاءت من لا شيء .. وهي خاضعة لقوانين ميكانيكا الكم .. ونشوء كوننا في هذا الفراغ الكمومي لا يمنع وجود عدد هائل من الأكوان التي نشأت بذات الطريقة ..

فإذا سألت ستيفن هوكينج : ما السبب وراء نشأة شيء من لا شيء وهذا أمر لا يُعقَل وهو مخالف للبديهيات حيث كل شيء يحتاج إلى سبب .. واللاشيء لا يوجد فيه أسباب ..

فتجد هوكينج يجيب مُتبسّطا - وكأنه أتى بما لم يأت به الأوائل - إن الزمن لم يكن موجودا قبل الانفجار العظيم .. وعدم وجود الزمن يجعل السؤال عن السبب غير منطقي .. حيث لم يكن هناك وقت للسبب كي يوجد أصلا ..

ورغم أن فرض نشأة عدد لا يصدق من الأكوان ( مثل 10 مرفوعة ل 500 ) عشوائيا من العدم يكون أقرب إلى عقل هوكينج من وجود غاية وحكمة وراء كون واحد .. ورغم أن " الأكوان المتعددة " ليست سوى فرضية أو أقل من ذلك .. إلا أن الزج بها لتصبح أساسا لرؤية العلم حول نشأة الكون يظهر كيف يحاولون إخضاع العلم للإلحاد وجعله يسير في مساره لاعتبارات سياسية أو لعداء مع الدين ..

ولو أنهم زجّوا بفرضية الأكوان المتعددة في هذا الصراع على أساس أنها نظرتهم الفلسفية وليس نظرة العلم لَنُوقِش الأمر بموضوعية أكثر مما هو عليه الآن .. ولكن تَورُّط علماء بهذا القدر في تلبيس الأمور وجعل الفرضيات حقائق ولَيِّ عنق العلم وإخضاعه لأيدولوجياتهم لَهو خطأ مهني وأخلاقي جسيم .. قد يُفقِد الناسَ الثقة في العلوم والعلماء كما فقدوا الثقة في رجال الكهنوت .. وتوجيهُ الرأي العام لدعم نظريات بناءا على أسس أيدولوجية يُعَدُّ جريمة كبرى تضاهي استخدام الدين للوصول إلى مصالح شخص أو طائفة ..

وعلى الرغم من أن الأكوان المتعددة ليست شيئا سوى أنها فرضية قد تصيب وقد تخطئ .. إلا أن استدلال هوكينج الفلسفي منها ليس على شيء ..

وعند تفنيد تلك الاستنتاجات الإلحادية يتبين الآتي :

* احتوت قصة الشيء واللاشيء على تعارض واضح .. فتجد ستيفن هوكينج يقول أن الكون جاء إلى الوجود بلا سبب .. لأنه لم يكن هناك زمان .. ومع نشأة الكون نشأ الزمان ونشأ معه السبب .. لكن هوكينج في ذات الوقت يتحدث عن أن النشأة خاضعة لقوانين ميكانيكا الكم .. فكيف توجد القوانين مع انعدام الزمن .. أليست القوانين وصفا لتلك الأسباب وتنظيما لها ! .. إذن فانعدام الزمن يعني انعدام السبب يعني انعدام القانون ..

* نشأ الزمان مع نشأة الكون .. أي أن " اللاشيء " الذي تحدث عنه هوكينج كان متحررا من الزمن .. وفي حالة انعدام الزمن لا يمكن أن يحدث تغيير .. لأن التغيير هو اختلاف الحالة بالنسبة للزمن .. فإذا لم يوجد زمن لن يوجد اختلاف وسيبقى " اللاشيء " دون أن ينشأ فيه شيء .. فكيف ينشأ كون بعدما لم يكن بشكل عفوي وفجائي من لاشيء لا زمان فيه .. وهل يوجد معنى للفجأة دون أن يوجد زمن .. وهل يوجد للعفوية معنى دون زمن ..

* لو افترضنا صحة ما قاله هوكينج بخصوص نشأة عدد هائل من الأكوان بهذه الطريقة .. فهذا لا ينفي دقة التصميم وحكمة التدبير .. فإذا افترضنا جدلا أن كوننا كان خاضعا في نشأته لقوانين الفيزياء كما يقول هوكينج .. فهذا يعني أن القوانين كانت موجودة قبل وجود كوننا .. وبالتالي هي ليست خاصة به .. فهي كما تنطبق عليه تنطبق على غيره من الأكوان المتعددة .. إذ لو نشأت القوانين مع الانفجار العظيم لكانت تنطبق فقط على كوننا .. أما وإنها وُجدت قبله .. فهذا يعني أن كل الأكوان نشأت بالقوانين نفسها .. وهذا يعني أيضا أن كل الأكوان تعمل بالقوانين ذاتها .. وإذا كنا نرى في كوننا هذا قوانين متناغمة بهذه العظمة والجمال .. فهذا ينبهنا إلى أن الأكوان المُفترضة ينبغي أن تكون كلُّها أو أغلبها على نفس الذي عليه كوننا ..

فإذا فشل هوكينج بإلحاده أن يفسر دقة الهندسة وحكمة التقدير في كون واحد .. فأنّى له أن يفسر ذلك التقدير البديع في عدد لانهائي من الأكوان .. وكيف يدعي أن هذه الأكوان تحتوي على قوانين مختلفة وفي نفس الوقت يقول أنها خاضعة قبل نشأتها لنفس القوانين ..

فأيهما أقرب إلى العقل والعلم .. " تفسير اللاشيء " المليء بتلك التناقضات .. أم القول بوجود خالق لم يسبقه عدم لأنه أوجد الزمان والمكان والمادة والقوانين ..

وقد تصدُق قصة هوكينج حول نشأة الكون .. بشرط أن يكون للزمن وجود قبل الانفجار العظيم .. ولكن هذا لا يحل اللغز الأكبر .. من أين أتى الزمن ومتى بزغ إلى الوجود .. ومن أين أتت قوانين الطبيعة المحكمة ..

إنني لا أرى بداية الكون هي فرقان ما بين الإيمان والإلحاد .. فدَور الله عندنا ليس مقصورا على خلق الكون ابتداءا .. ولكنه يتجلى في كل صغيرة وكبيرة .. ودليل وجوده يكمن في احتياج الأسباب إلى مُسبِّب .. وارتسام الغاية على وجه الطبيعة من ذراتها إلى مجراتها .. والهندسة الكونية العظيمة التي تمثلها القوانين والثوابت الفيزيائية والتي تدل على حكمة وتدبير وخطة ..

وعلى رغم تهاوي التفسير الإلحادي أمام فكرة المصمم البسيطة والمُستساغة عقلا والمتناسقة مع ما نراه في الكون من دقة وتناغم .. لكن صوت الدعاية الإلحادية يجعل تلك التلافيق هي صوت العلم .. وتحشد ضِعاف القلوب حولها ثقةً منهم في رموز علمية كنا نحسبها تعمل لمصلحة العلم لا لمصالح أيدولوجية تُسَخّر العلم في سبيلها .. وترمي الأصوات المعارضة بالتّخلُّف وعدم التواكب مع روح العلم .. وتلك مَذَمَّة في جبين الحضارة المادية لن يغفرها التاريخ أبدا ..



  • مؤمن حسين
    أجد في الكتابة ملاذا من ضوضاء البشر ومن اكتئاب الوحدة
   نشر في 09 شتنبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 12 شتنبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا