إلى كارهي الحياة: إليكم المنقذ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إلى كارهي الحياة: إليكم المنقذ!

  نشر في 31 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 02 نونبر 2018 .

هل تمر أيامك كلها مثل بعضها؟

هل سئمت من روتين حياتك القاتل؟

هل ضجرت من قلة او انعدام فرصك في التطور؟

هل وقف حظك العاثر دون نجاحك؟

إذاً تعال معي كي أعرفك على هدى

هدى فتاة في منتصف العشرينات من عمرها، تعيش في إحدى القرى الفقيرة التي لم يساعدها قربها من مطار دولي من التطور واستقطاب السياح.

قرية لا شيء فيها قد يدفع يوماً بسائح أو حتى ابن بلد إلى زيارتها سوى ليؤكد مجدداً أنه لا شيء يميزها إلا ضجيج الطائرات أثناء قلوعها و هبوطها قي ذلك المطار القريب.

لم تشئ الأقدار كذلك أن تنجب إحدى نساء القرية فناناً مشهوراً أو رياضياً محترفاً أو حتى طالباً متوفقاً قد يرفع باسم القرية ويجعله مشهوراً حيث تشابه كل أهاليها ببساطتهم كما تشابهت حارات قريتهم فلا حجر يزيد ولا دكان ينقص بين الحارة والأخرى!

أما هدى، فهي المنقذة التي قد تساعدك في إحداث التغيير الذي تصبو إليه! وما هي إلا ابنة أحد المنازل الفقيرة في تلك القرية والتي ولدت وبسبب زواج الأقارب بين والديها (أولاد عم) وهي مصابة بشلل دماغي أفقدها العديد من القدرات العادية التي قد تملكها أنت كالمشي والتحرك بحرية والكتابة والأكل ودخول الحمام بمفردها.

التقيت بهدى أول مرة من خلال مشروع يهدف لدمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالأطفال الآخرين من خلال أنشطة تقام في عطلة الأسبوع في مدرسة القرية.

كانت هدى أكبرهم سناً وأكثرهم هدوءاً إلا أن هدوءها ما كان سوى من عزة نفسها وكرهها من شفقة الناس لها فكانت وسائلها الدفاعية جاهزة من عدوانية في الكلام وتجنب لأي كلمات ود قد تسمعها من المتطوعين المشاركين في البرنامج. كنت كذلك أحد المتطوعين واستطعت أن أقرأ رغبتها الملحة بتكوين الصداقات والمختبئة وراء قناع من البرود وعزة النفس. فما كان مني إلا ان تقربت منها كفتاة عادية ولم أظهر لها أية رغبة بمعرفة تفاصيلها بل قررت التعامل معها على أنها مجرد أحد سكان تلك القرية افتح معها احاديث اعتيادية واسألها عن قريتها وعن أمور قد يود معرفتها أي غريب ومن هنا بدأت ترتاح إلي إذ يبدو أنها كانت تفتقر لأحد يعاملها على أنها شخص عادي فبدأت حينها علاقتنا وصحبتنا التي أدخلتني فيما بعد إلى عالم جديد كنت لا أعلم عنه سوى ما أسمعه وأقرؤه. عالم ذوي الاحتياجات الخاصة في البيئات الفقيرة وما يعانونه من نبذ المجتمع لهم وحتى من أقرب الناس إليهم .

ولدت هدى لأسرة ذات خلفية ثقافية ضحلة مما جعل مرضها في عيونهم مصدراً للخزي والعار فكانوا يخبئونها عن الضيوف في كل مرة خوفاً من نظرات الناس وتعليقاتهم وقد كانت تختبئ لساعات في غرفتها وهي تسمع أحاديثهم خارجاً وتطوق لمشاركتهم بها مثلها مثل أي شخص آخر.

أخبرتني ذات يوم عن قصة حبها لصديق أخيها، كيف أنها أحبت شاباً كان قريباً جداً من أسرتها وقد سمح لها بالخروج أمامه نظراً لقربه من الأسرة وكان بطبيعة الحال أول غريب تلمحه عيناها فوقعت بغرامه وأخبرته لجرئتها بحبها فما كان منه إلا أن سخر منها ومن إعاقتها واعتز بقدرته على الزواج من أحسن البنات وتركها جريحة القلب ومعاقة الروح قبل الجسد.

قالت لي هدى مرة: لو استطعت أن تفتحي قلبي لوجدت فيه كمية من السواد لن تجدينها في أي قلب آخر.

لم تستطع هدى نظراً لقلة مفرداتها -فقد اخرجها اهلها من المدرسة في عمر العاشرة-  أن تعبر ببراعة عما تشعر به. إذ ان مفرداتها الضحلة لم تسعفها آنذاك لإيصال معاناتها إلا أن بساطة المفردات التي استخدمتها استطاعت أن توصل لي ما ترغب في قوله أكثر مما قد توصله معلقات جاهلية مكتوبة بماء الذهب.

عندما تعطش هدى وتطلب الماء من أشقائها فإنهم ولقلة وعيهم يضحكون عليها ويطلبون منها مصروفها اليومي لقاء كأس ماء وإلا فستضطر للزحف طويلاً إلى المطبخ وانتظار مرور أي فرد من أفراد الأسرة والتوسل له كي يناولها كأس ماء. هل اضطررت يوماً إلى التوسل لأفراد أسرتك من أجل كأس ماء؟

إن الإعاقة الحقيقية تكمن في المجتمع لا في الشخص ذاته فأنت عندما تولد بقدم ناقصة او يد مفقودة فإنك قد لا تعرف حجم المصيبة إلا عندما يحيطك الناس بنظراتهم وتعليقاتهم التي قد تصور لك ذاتك بأبشع مما هي.

ذهبت مرة في جولة إلى المدارس التي تقبل أطفالاً بشلل دماغي وكلي أمل في أن اجد لها منفذاً جديداً لتخرج من خلاله إلى العالم إلا ان جميع المدارس رفضتها لكبر سنها فقد كانت حينها قد تجاوزت الثامنة عشر من عمرها. وبعد أن فقدت الأمل بأن أستطيع تغيير حياتها قررت أن اقدم لها يوماً جميلاً قد لا تنساه أبداً فقررت اصطحابها برفقة والدي في رحلة في السيارة من قريتها إلى العاصمة حيث أقطن.

كان ذلك اليوم في نظر هدى هو عيد، كحلم لم تتصور يوماً أن يتحقق. فقد سمعت كثيراً عن العاصمة وأبنيتها العالية والمطاعم الكبيرة فيها إلا أنها لم تخرج يوماً من حارتها حتى تستطيع زيارة العاصمة. حينما وصلت صباحاً إلى القرية لاصطحابها برفقة والدي كانت تلبس أجمل ثيابها، فستاناً زهرياً مزيناً بعقد رخيص من اللؤلؤ. حملتها بحب إلى السيارة وانطلقنا إلى العاصمة وأنا أتابع من قرب نظراتها إلى الأبنية والعمران والذهول في عينيها. أوصلنا والدي إلى مطعم معروف في العاصمة فقد قررت ولقلة معرفتي أن أعبر لها عن محبتي بعزومة على الغداء غير دارية بقلة شهية من هم بحالتها. وقد طلبت مختلف الأصناف راجية أن أراها تقبل عليهم بنهم ولذة إلا أنها وما أن بدأت الأطباق بالوصول حتى نظرت نظرة حازمة إليهم وقالت لي (وكيف سآكل من دون شوكة؟) لا أظن انها اضطرت سابقاً لاستخدام الشوكة ولا أظن أنها اضطرت اساسا للأكل بمفردها دون والدتها. فترددت قليلاً ثم أجبتها (أنا سأطعمك!) قالت لي : (بل أريد أن آكل وحدي) ونادت النادل بثقة وطلبت منه شوكة. لقد ذهلت من ثقتها بنفسها وقدرتها على التأقلم السريع مع جو جديد كلياً عليها. لقد كانت رغبتها الحقيقية في الحياة والاستقلال تظهر مع كل كلمة ونظرة وكأنها تتوسل إلى الحياة أن تأخذها إليها بدلاً من أن ترميها في غرفتها وحيدة تضطر لإعطاء مصروفها لقاء كأس ماء أو حاجة للذهاب إلى المرحاض!

لقد علمتني هدى حب الحياة والتفكر بأصغر النعم فيها. وأن أعلم أن الملل رغم كل النعم حولي ما هو إلا نكران لتلك النعم ولفضل الخالق علي. إن كلمات هدى التي تنطقها بصعوبة كانت في كل مرة أشد وقعاً في نفسي من كل كلام الشعراء والكتاب والأدباء. فقد استطاعت بصدقها وعفويتها أن تؤكد لي جمال الحياة التي استطعت يوم رحلة العاصمة أن اراها في عينيها الأسيرتين في ذلك الجسد المعاق.

قصة هدى انتهت هنا ولا أعلم حالياً أي خبر عنها. فقد اضطررت للسفر خارجاً وبات التواصل بيننا من خلال الواتساب إلا أن هدى لم تكن تستطيع الكتابة وكانت تكتفي بارسال الورود والقلوب كل يوم وأنا ابادلها الورود بالورود وبعض الكلمات آملة ألا تضطر لدفع مصروفها لأحد اشقائها لكي يقرأ لها رسائلي. ولكن شقيقها الأكبر كان قد ارتأى أخيراً إلى أنها لا تحتاج إلى هاتف ولا إلى رقم فأخذ منها جوالها ورقمها وأحلامها الصغيرة وقطع تواصلي معها وقطع عنها الذكريات البسيطة التي كانت تعني لها الكثير الكثير. ولا زلت أذكر صوتها يقول لي: آنسة رغد أرجوك لا تتركيني.

لم أتركها بإرادتي ولكن الحرب أبعدتني وجهل أهلها حال دون أقل حد من التواصل بيننا.

والآن وبعد مضي سنوات عديدة لازلت أذكر عيون هدى المذهولة في رحلة العاصمة والسواد في قلبها الذي استحال حينها قوس قزح وهي تسرق لحظات من الحياة كي ترسمها لاحقاً في ذاكرتها بين جدران غرفتها وحيدة. فهل لازلت تظن أن حياتك بلا معنى؟

إن هدى ما هي إلا مثال واحد من العديد من الناس الذين لا ننتبه غالباً إليهم فهم لا يريدون أن يثيروا شفقتنا ويفضلون العبور بسلام في ذاكرتنا خائفين من نظرة شفقة او تعليق ساخر ومكتفين بوحدتهم في الحياة وأكبر أحلامهم هو أن يستطيعوا المشي أو الكلام أو التحرك بمفردهم مثلنا. فما أكبر قلوبهم وما أفقر قلوبنا عندما تجحد بنعم الله علينا. 

فإذا لازلت حقاً ترى أن حياتك ما هي إلا حظ عاثر يليه آخر فتوقف قليلاً وفكر.


  • 14

   نشر في 31 أكتوبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 02 نونبر 2018 .

التعليقات

abdulrahmanmustafa61 منذ 1 أسبوع
سبحان الله كأن حضرتك بتحكي قصتي مع اختلاف في بعض الامور لعلي استطيع ان اسردها قريبا لا استطيع كتابة قصتي ربما لالوجود بعض الاحداث التي اود ان انساه ولكني اريد مشاركتها لعلها تكون سبب في تغيير اي شئ من حياتي الي تغيير ايجابي شكرا علي القصة الجميلة وبالتوفيق فيما هو قادم ان شاء الله.
0
لينة بغدادي منذ 2 أسبوع
سبحاااان الله و كأن المقالة رسالة لي ...فعلا جاءت في وقتها ...فعلا علينا أن ننظر الى قصص الحياة المختلفة و ننحن ايضا سوى قصص ستمضي ...مشكور لاخت لانك طرحت التجربة وبتركيب سردي مؤثر
2
رغد
العزيزة لينة الشكر لك لاهتمامك بالمقالة وسعيدة جداً لأنها أتتك في وقتها واتمنى ان نستطيع جميعنا تقدير نعم الله لنا <3
Abdelghani moussaoui منذ 2 أسبوع
................هدى ......
لا أجد الكلمات المناسبة لهذه المقالة المذهلة ..
أبدعت حقا في سرد الاحداث ..قصة حزينة تذيب القلب ..و تغير مفهوم و نظرة الكثيرين للحياة ...اشكرك و اتمنى لك التوفيق و النجاح في حياتك ... وفي مقالات اخرى بالطبع ..
دام ابداعك
3
رغد
اشكرك جدا على الكلمات الجميلة والتشجيع فعلا سعدت بكلماتك!!
محمد المليفي منذ 2 أسبوع
مقالكِ جميل ومعبر ويلامس الواقع المرير الذي يتجلى بنظرة المجتمع لهذه الفئة العزيزة على قلوبنا
2
رغد
السيد محمد اشكرك على التعليق اللطيف
Batool منذ 2 أسبوع
هذا هو الواقع مهما كنت معاقا او خلفا حتى فنظره الاخرون لا ترحم حتى لو بتفكيرك البعض منا متفائل والبعض يمر بمزيج من المشاعر المتقلبه
لكن قصص هدى ومن مثلها ومن هم اسوء منها بقليل او كثير لا يقارن بألمنا او حياتنا فألمهم اسوء وخيارتهم محدوده وخيالهم لا يتوقف
قصه مؤثره اثرت فيني لدرجه انني شعرت بالقشعريره
جلعتني اذكر بعض الاشياء التي لم ادركها و مدى الحريه التي امتلكها و القرارات والخيارات الخ .... يحتاج الشخص قراءة مثل هذه القصص من حين الى اخر بطبع :)
4
رغد
فعلاً هذا هو الواقع اشكرك جزيلاً على التعليق الجميل والمشجع
الحمدلله على كل النعم التي انعم الله بها علينا نحن فعلاً لا ندرك في حياتنا اليوم الكثير الكثير منها
مريم منذ 2 أسبوع
رغد...لا أعرف كيف اصف لك المشاعر التى اجتاحتنى... أدرك جيدا معاناة هدى ...ومعاناة اهلها...ففى حياتى نموذج مثلها..او قريب منها.
قلبك الجميل وما يحويه من حب ودفء وكم العطاء الذى انتِ قادرة على عطائه...أحبك الله يا رغد.
دمتِ ودام نبض قلمك الحاني.
4
رغد
مريم
كلماتك فعلاً لمستني
اشكرك كثيراً على كلماتك التي جعلتني ابتسم من كل قلبي
اتمنى لك الخير دائماً واشكرك مجدداً على الطاقة الايجابية التي ارسلتها إلي
Rim atassi منذ 2 أسبوع
جميل جداً.. ورغم تدفق الكلمات في رأسي إلا أنني عاجزة عن تكوين عبارة توفي حق هذا المقال الرائع ..
5
ما أجمل هذا المقال !!

مع أنني صعب الانبهار إلا أن هذا المقال أعجبني جدا

شكرا لك ..
5
رغد
السيد عبد الرحمن
اشكرك على التعليق اللطيف، سعدت به
wael mansor
انتي انسانة ببساطة
رغد
وائل فرحت بتعليقك اكتر شي بسيط وحقيقي وحلو

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا