من أرض الغروب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

من أرض الغروب

"من أرض الغروب "

  نشر في 07 يونيو 2015 .


-1-

إستغاثة لا يَحُدُها زمان تنطلق في كل دقيقة من كل أرضٍ يفقد الإنسان فيها مزيته الأسمى وهي كونه – قبل كل شئ - إنسان , نداء إستغاثة قد تكون الأخيرة, يُمكنك إعتبارها لك بالتحديد ويُفترض أنها عاجلة لا تحتمل التأخير لأنك إن تأخرت ..فقط سأموت !وهذا لا يُحدث فرقاً فبعد الموتة الأولى تتساوى جميع الأمور ,أحاول جاهداً أن أتذكر متى كانت الموتة الأولى ..ما ظروفها؟ وماذا وقع حينها ,أحاول لكن دون جدوى ..أُرجح أن الأمر حدث بالتدريج و أعلم يقينا أن موتيَّ الأول كان هنا على أرض الغروب ,هنا حيث تَغرب الشمس لتغربَ مرةً أُخرى ثم تعود فتغرب من جديد والأفق يَكتسي بمساءٍ طويل..

لا تنتظر هنا أي شروق فإذا كان الغروب ظاهرةً نفسيةً قبلَ كل شئ فالأولى أن يكون هذا حالُ الشروق لكنَّ الأرواحَ هنا ما عادت قابلةً للشروق ,لا ينبغي أن يُلام أحدٌ على هذا المغيب..أتُرى محتضراً يُعاتب وقتَ زفره الأخير..لا ينبغي أن يُلام أحدٌ فكل شئ هنا يهمسُ: "مالك والحياة ..لم لا تموت؟"

-2-

كنتُ أعتقد أن الروح هي ما يُضيف الديمومة والحضور إلى كل التفاصيل ..ما يبُث الحياة في السكون فيدفعه إلى الحركة ,لكنها -في أرض الغروب - شئٌ آخر ..شئٌ موجود لكنه غير قادر على الحضور .. جوهر الروح قد فُقد فتركها خاويةً على عروشها لا تتحمسُ لأمرٍ مهما عظُم , لا تقبل شيئاً ولا تعارض أيضاً,لا تبهجها البهجة ذاُتها وحتى الألم العظيم لا يحركها,وأنت تعلم –ياصديقي- أن الألم كثيراً مايكون علامةً على دَبيب الحياة في الجسد !

الروح جداً مُستنزفة ...ألا تُلاحظ حديثهم البارد ,مشاعرهم المفتعلة ,إبتسامتهم الصفراء ,الألم المبثوث في نظراتهم وحتى إنفعالاتهم لا تأتي تلقائيةًمباشرة كباقي البشر ..كل شئٍ -هنا - ينقصه شئ ,حتى النقص ذاته ينقصه شئ ..

هامساً قال صديقي :(أحلم بأن أصير كذا وأفعل كذا وكذا )مجموعةً في قول أحدهم (أن أكون إنساناً ..) ..هامساً رددتُ : (أحمق!! أنت بالفعل إنسان ..صفاتك التشريحية تؤكد هذا! )

-3-

قل لي : كيف يمكنني أن أتخلص من شعوري الملازم بأني السجينُ والسجان ,بأني عاجزٌ أكثرَ مما يجب , مظلومٌ حدَّ مايوجب النهوضَ والقيام ..بأن داخلي شخصٌ يمُد ناظريه متطلعاً للنور دون أن يراه ؟!وكيف يمكنني أن أتوقف عن الإلتفاف يميناً ويساراً باحثاً عن شخص واحد خارج الزنزانة! ..كلنا مقيدون من الداخل في سجن ذواتنا ..مقيدون من الخارج ,قابعون في زنزانة كبيره شاملة تلتصق بنا حدَّ الإختناق

كيف أتوقف عن شعوري بأني سجينٌ وأنا مشكوكٌ في أمري وهويتي ونِيتي ؟!,كيف وأنا أُظهر أوراق تحقيق شخصيتي عند الدخول إلى وطني وعند الدخول إلى مدينتي وعند الدخول إلى قريتي وعند الدخول إلى حارتي وعند الدخول إلى منزلي وأحياناً يطلبونها قبل دخولي دورة المياه ...لذا أحتفظ جيداً بأوراقي إلا أنني فقدتُ مايلزم إشهاره قبل الولوج إلى نفسي وعالمي الصغير !!

ياصديقي إنهم يتَعامون عن الإنسان فينا فيدفعوننا إلى التعامي عن الإنسان فيهم !!

-4-

كنتُ أحاول أن أستجمع شَتات نفسي حينها , سمعتُها تدعو قائلة : (حيارى يارب فاهدنا..) ولا أذكر أني سمعتُ جملة بمثل صدقها ....نعم ,حيارى كل مافي الأمر أننا تائهون لا نعرف الغاية و نجهل الطريق وإن عرفنا الغاية- أو هكذا ظننا- نعجز عن تمييز الطريق ونبقى حيارى في إنتظار من يأخذ بيدِنا !!

جوهر الروح مفقود...لن تحتاج إلى كثير من الإمعان والتدقيق في وجوههم ,كلماتهم وحتى صمتهم لتُدرك هذا....,الروح جداً مُرهقة.. تنطُقُ بأنينها حركاتهم المتباطئة ,مشيتُهم المتثاقلة كأن شيئاً ما يضطرون إلى حمله أينما ذهبوا ,شيئاً يُلازمهم حدَّ الإلتصاق, لا تسَلني عن ماهية هذا الشئ فأنا -حقاً- أجهله .. لكني أدرك جيداً أنه يؤلمهم ,يحني ظهورهم ,يخطف أبصارهم فيجعلها محدقة في الفراغ ..لماذا لا يتخففون منه؟! ..لا أعرف وحتى هم لا يعرفون !..نحن فقط نحمله كما حمله أباؤنا والغابرون حولنا ..نحمله ثم نموت كمداً وضيقاً به دون أن نعرف ..هل كان من الضروري أن نتحمله طيلة هذه المدة التي يسمونها "حياة"!!

-5-

الأرض تضيق والتنفس ترفٌ لا يليق,لا تُرفع الأصوات إلا تسبيحاً بحمد زعيم ومادون ذلك فصمتٌ ثقيل ,القتيل فينا قاتل والجاني في ميزاننا برئٌ وربما ضحية ,الظلم هنا ضرورةٌ أمنية وكلنا خارج المشهد نرقبُ المسرحية ,العقول أعياها قلة الإستعمال فأمست تصدقُ أن نملةً اغتالت فيل وأن أحلامنا الموؤدة ستحيا من جديد..ستحيا في نفوسنا الموتى..ستحيا ونحن هاهنا لا نسعى ,فقل لي بالله عليك لم لا نموت ؟!

ماعاد يعبُر الحديث وماعادت الكلمات تؤتي أُكلَها في حديقة لا تريد ..لكنها إستغاثةٌ لا ترجو رداً أو اعتبرها تنبيهٌ أخير لبعض بعضك عساهُ يفيق فخُذ مابقي منك بقوةٍ وابتعد قدر ما تستطيع أو تَيبس مكانك راضياً ولا تسَل وقتَ غرقك عن ثاقب السفينة


  • 4

  • Mariam Mostafa
    نحن نكتب لننتصر ..لأننا أقوى من كل ما نستطيع التعبير عنه فالحروف هي انتصاراتنا المتواضعه على ضعفنا قبل كل شئ
   نشر في 07 يونيو 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا