المساواة في الإرث و بهلوانية المشايخ ، بقلم مهدي جعفر . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المساواة في الإرث و بهلوانية المشايخ ، بقلم مهدي جعفر .

  نشر في 27 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 28 غشت 2017 .

  

 بين الفينة و الأخرى ، تطفوا نقاشات لها من الضوروة ما يبررها على سطح الوطن العربي القاحل من كل مظاهر التأنسن و الحضارة (خصوصا في بعدها الأخلاقي ) ، إذ يعد موضوع "المساواة في الإرث" أبرز هذه النقاشات في العقود الأخيرة ، التي تدار بكثير من التشنج و الشعبوية ، بعيدا عن تأصيل علمي يراعي خصوصية الزمن الذي نعيش فيه ، زمن الحداثة و حقوق الإنسان . لعل ذلك ما سعى مفكرين و سياسيين كثر إلى الإلتحاق بركبه ، عبر محاولة تجديد رؤى و تصورات المسلمين اتجاه الحياة بشكل عام ، تفاديا للتقوقع في هوية مقدسة كابحة لسيرورة التحضر ، أو قل إن أردت الدقة عصرنة و تحديث الثقافة الإسلامية حيث لا يعود الإختلاف متمايزا بشكل فاقع بين الإسلام و الحداثة ، غير أن كل مشاريع هؤلاء لم يكتب لها النجاح ، ربما بسبب الإفتقاد لأرضية التنوير و التوعية التي تقف عليها عادة مثل هذه المشاريع .

  آخر هذه البوادر ما عبر عنه الرئيس التونسي "باجي قائد السبسي" بدعوته للمساواة في الإرث و مراجعة المساطر القانونية المتعلقة بالمرأة ، فهذا حقيقةً ليس غريبا على تونس لطالما كانت سباقة بمشروع مجلة الأحوال الشخصية الصادر سنة 1956 ، و الذي منعت من خلاله تعدد الزوجات و ساوت بين النساء و الرجال في حق الطلاق المدني ، غير أنها أدبرت و ارتدت عن هذا النهج الحداثي بسبب الغزو الفكري الوهابي في النصف الثاني للقرن العشرين .

   هذا النهج الحداثي ما فتئ يترئى لنا من جديد ، ذلك حيث خرجت علينا تونس في عيد المرأة لعام 2017 من خلال رئيسها باجى قائد السبسي ، الذي أعلن عن ضرورة المساواة في الإرث بين المرأة والرجل و حق المسلمة في الزواج من غير المسلم ، إذ كان ذلك أشبه بقديفة انطلقت من تونس فسمع دُويها في الأزهر ، حيث خرج المتكلمون بلسانه معبرين عن كون دعوة السبسي تتصادم مع الشريعة الإسلامية ، أمر مضحك حقا ، ففي أي شيء تتلاقى أصلا هذه الشريعة مع الثقافة الحقوقية لهذا الزمن ؟ لذلك أخرست تونس الأزهر بأن المسألة شأن داخلي لا وصاية لأحد في تقييمه إلا للتونسيين .

  تذكرني نزقية مشايخ الأزهر ، بمثيلتها عند علماء المملكة العربية السعودية حينما ألغت الأمم المتحدة العبودية و الرق و اعتبرته جريمة ، طلع علينا حينها مشايخ المملكة صادحين بأن ذلك يتناقض مع تعاليم الشريعة الإسلامية ، فلو اتبعنا قول هؤلاء لأضحى في كل قبيلة و مدينة سوق نخاسة يباع فيه البشر على سنة الله و رسوله ، قياسا على ذلك فما مظاهر الإعتداء على النساء و استرخاصهم لأنفسهم و من قبل الرجال ، و انقراض المساواة بينهما في كل شيء -بما في ذلك النصيب في الميراث- إلا نتيجة لاتباع المشايخ في تصوراتهم المتقادمة المعششة في القرن الأول الهجري ، و أقوالهم المتدثرة بعباءة الذكورية و الباطرياركية ، فمعارضة مؤسسات دينية مثل الأزهر لهكذا دعوات تحريرية ، تأتي خشية عدوى الحقوق و المساواة بين النساء و الرجال التي قد تضرب المنطقة ، فُتخرج المرأة من تحت سيطرة الأسر المجتمعي و سطوة الموروثات البالية فتكسد بضاعة و تجارة الدين المُسيس بشكل عام .

  من زاوية أخرى ، ألم يرى ففقهائنا الكرام التصادم مع الشريعة إلا في الدعوة إلى المساواة في الإرث ، أليس نظام البيعة و الخلافة و طبيعة الدولة التوسعية (الإمبراطورية) و الحدود الجزرية و نظام الجزية و الرق و الجواري و جهاد الطلب و نشر الإسلام بالغزوات و شروط التعامل مع أهل الذمة و غيره من الشريعة الإسلام ؟ أين يطبق هذا اليوم ؟ أين مشايخنا من ذلك ؟ لو كان هذا لوحده فكفى به دليلا و برهانا على كون الشريعة صارت شيءا من التاريخ لا يصلح لهذا الزمن ، بل يتحتم إقرار قوانين وضعية تؤطر ما هو مشترك بين المواطنين . 

   نعود إلى مشايخنا لنسألهم أين أنتم من ظلم و جور الحكام على الرعية ، أينكم من الدعوة إلى الجهاد في بلاد المسلمين ، تدميرها و إثارة النعرات الطائفية بين أهلها ، أ و هل هذا يتطابق مع الشريعة ؟ أ و هل في الشريعة انتقاء ؟ لكان إذا كنتم تسكتون على شيء و تزمجرون على آخر باسم الشريعة ، فل تحتفضوا بقليل ماء في وجوهكم و تلزموا الصمت إزاء من يريد أن يخرج عن جبتكم البالية .

  أما المثير من هذا كله ، هو أن تجد عاميا - شابا أو كهلا - لا يمتلك من الدين إلى الصفة ، لا يصلي و لا يعرف سبيلا إلى الوضوء الصحيح ، يتعاطى المخدرات و يشرب الخمر و مستعيرا لبيت بالربى ، هتاك لأعراض الناس و خائض في أسرارهم و خصوصياتهم ، فحاش و ساب للغير ، لا أخلاق لا أدب لا سيرة حسنة له ، ثم ما يلبث أن يسمع دعوة للإستيقاض من الغفوة إلا و يسارع للإحتجاج بأنها دعوة تناقض الدين و الشريعة ، يا سلام ! 

   هذا النوع من الناس في الأمة العربية و الإسلامية هو الإبن الشرعي للخطاب المشائخي الذي ينتج و يعيد إنتاج مسلمين مخصيي التفكير ، عناوين للتناقض المتسق أو الإتساق المتناقض .

  أخيرا لا يمكن إلا القبض على يد تونس و تشجيعها على المضي قدما نحو التقدم و إقرار الحريات و الحقوق ، و كما تنبيهها إلى عدم الإكثراث إلى أصوات الداعين إلى الإنبطاح ، و تجاهل من يتسبب في الشد إلى الوراء ، دون أن ننسى مطالبة المشايخ عن الكف عن الشغب الذي سيجعل التاريخ يلعنهم كآلات بشرية كانت و لا زالت كابحة لارتقاء هذه الشعوب نحو الأفضل ، فحتى إذا أرادوا التقوقع في موروثهم لهم ذلك ، لكن دون فرض رئاهم القروسطية على من يتطلع للحرية و الإزدهار و الرفاهية ، فمصيبة الأمة في مشايخها الذين لا يتقدمون إلا في السن ، و لا يصنعون شيءا غير الإستنكار و التوعد و إسقاط الناس في نعرات بعضهم بعضا ، حتى أضحت بلاد المسلمين خربة ، فذلك لا ضير  إن كان المشايخ يقودون الأمة و ليس المفكرين و الحكماء و الفلاسفة .






   نشر في 27 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 28 غشت 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا