قصة مؤلمة للغاية اسمها آثار وتاريخ اليمن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصة مؤلمة للغاية اسمها آثار وتاريخ اليمن

مصير الآثار اليمنية خلال أربعة قرون

  نشر في 05 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 25 يونيو 2016 .

بدون مقدمات[**]- فقد بدأ الأمر في عام 1508، عندما بلغ البحار الايطالي (لودفيشو دي براهيما) ميناء عدن، وتعرض هناك للأسر من قبل السلطة الحاكمة، لكنه تمكن من التجوال في البلاد اليمنية بعد ان تم الإفراج عنه، مغادراً بعد ذلك الى الهند. ثم في عام 1712 عندما أرسلت شركة تجارية فرنسية، سفينتان حربيتان مسلحتان الى المخا، وتمكن قادتها من ارسال بعثة للتعرف على معالم البلاد الداخلية لليمن.

هذه البدايات أثارت اهتماماً لدى بعض المستشرقين الأوروبيين، ففي منتصف القرن الثامن عشر تبنى المستشرق الدانماركي "كريستنس ف. هافن" (Chr. V. Haven) العالم في جامعة "جوتنجن" الألمانية دعوة الى الاهتمام بمنطقة جنوب الجزيرة العربية مؤكداً في دعوته تلك على أن هناك صلات قوية تربط هذه المنطقة بالعلوم المتصلة بالكتاب المقدس، وبعد جهود مضنية لإقناع المجتمع الأكاديمي بذلك، التقى هذا المستشرق بأحد النبلاء الدانماركيين وتمكن من اقناعه بأهمية ارسال بعثة الى اليمن، من حيث أنها ستعود بالكثير من الفوائد للدانمارك أولاً وللعلم ثانياً. وبالفعل تمكن الاثنان من الحصول على موافقة الملك "فريدريك الخامس"، والذي أصدر على الفور أمراً بتشكيل فريق البعثة، وتجهيزها بكل ما يلزم لتحقيق أهداف مهمتها- صدر الأمر الملكي وبدأ بتنفيذه في أواخر العام 1760.

تألف الفريق من خمسة أفراد: "كريستننس ف. هافن" (عالم متخصص في الاستشراق)، و"بتر فورسكول" (عالم في العلوم الطبيعية)، "كارستن نيبور" (ضابط في الحرس الملكي)، "كريستنس كارل كرامر" (طبيب)، و"جورج فلهلم بورنفيند" (رسام).

انطلقت البعثة في الرابع من يناير 1761 على متن سفينة "حربية" الى "أزمير" ومنها الى "استانبول، ثم الى "مصر" وصولاً الى اليمن، وكان الهدف المعلن لهذه البعثة هو البقاء في اليمن عدة سنوات لدراسة اليمن من مختلف الجوانب، بينما الهدف الخفي هو: (البحث عن الكنوز الأثرية).

واجهت البعثة مصاعب كارثية، بدأت بوفاة ثلاثة من أفرادها وهم (المستشرق) و(عالم الطبيعيات) و(الرسام)، فلم يبقى منها سوى (الضابط نيبور) و(الطبيب) وهذا الأخير سيموت أيضاً بعد ذلك ولكن في بومباي في الهند، أما مصير ما جمعته البعثة من مواد وعينات وقطع أثرية فبحسب راوية "نيبور" فقد تعرضت للتلف والضياع.. مما جعل للبعثة صيتاً سيئ السمعة وكارثياً، والمميز في هذه البعثة أنها بلغت أماكن يمنية لم تطأها قدم أوروبي من قبل أو من بعد- كما وصفت بذلك لاحقاً.

أهم ما لفت انتباه "نيبور" في اليمن، هو تلك الخرائب القديمة التي تشتمل على نقوش حميرية، بحيث أشار في مدوناته الى غزارة هذه النقوش في المناطق الممتدة من تهامة الى تعز وإب وصنعاء. وهذا بحد ذاته ما اعتبر بمثابة التعويض الذي حصلت عليه الدانمارك على التضحيات العظيمة التي قدمتها البعثة.

انتشر خبر الكنوز الأثرية التي لم يصل إليها أوروبي من قبل كالنار في الهشيم، فصار حديث العصر. ففي ذلك الوقت كانت أوروبا مليئة بالرحالة المغامرين والباحثين عن الكنوز والآثار في البلاد الشرقية، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لأرتال من الرحالة والمستكشفين والمغامرين الأوروبيين الذين جعلوا من اليمن هدفهم الأثير.

في صيف عام 1810 حاول الدكتور "و. ي. ستزن" (U. E. Seetzen) البحث عن النقوش الحميرية التي قال عنها نيبور، فسافر الى اليمن وتمكن بالفعل من العثور عليها ونسخ كل ما صادفه منها، ولكنه اختفى بعد ذلك نهائياً، وتعددت الروايات التي تفسر ما حدث للرجل الذي لم يظهر عنه أي خبر حتى اليوم. ثم قام رحالة ومغامر آخر يدعى "أرنود" (Arnaud)، بالسفر الى اليمن وسعى الى جمع ما شاع تداوله من رسوم ونسوخ قام بها (سيتزن)، وظهرت عليها امضاءاته، وكان منها خمس رسائل ونسوخ لخمسة نقوش حميرية من ظفار ذو ريدان، تم تهريبها الى أوروبا والقول بأنه تم نشرها لاحقاً.

أثار خبر اختفاء "سيتزن" خوفاً كبيراً لدى المغامرين الأوروبيين، فأحجم الكثيرون منهم عن الاقدام على السفر الى اليمن، وظل الأمر على هذا النحو حتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

في عام 1834، تمكن الضابط الانجليزي "ولستد" (Wellstud) من اكتشاف حصن الغراب الشهير الواقع في الشواطئ الجنوبية لليمن (شرق بلحاف)، حيث وجد بعض النقوش وأهمها نقش حصن الغراب الشهير، وهو أول نقش طويل وكامل واضح عثر عليه من نقوش المسند.

وفي صيف عام 1836، انطلق "هلتون" (Hulton) ونظيره "كروتندن" (Cruttenden) عل ظهر سفينة صوب اليمن، ووصلا الى صنعاء، توفي "هلتون" وبقي الثاني حياً لينشر النتائج، ومن بينها خمسة نقوش سبئية من صنعاء.

وفي عام 1836 أيضاً، قام المبشر "ولف" (Wolf) برحلة الى اليمن، ومن بعده في العام 1837 قام عالم النبات "بوتا" (Botta) برحلة مماثلة، ولكن يبدو أن الرجلان لم يحرزا أي نتيجة..

في منتصف القرن التاسع عشر، بدأ علماء الآثار الألمان في تلك الفترة، بتأسيس قسم علمي لدراسة آثار اليمن القديمة، بناءً على نتائج الرحلات السابقة، الأمر الذي ضاعف الاهتمام بالأمر. ففي عام 1843 قام الألماني "أدولف فون فريده" (Adolph V. Wrede) برحلة الى المناطق الشرقية اليمنية "حضرموت"، وتمكن من نسخ نقش حضرمي من خمسة سطور يعرف باسم "نقش أوبنه". 

وفي نفس العام 1843، تمكن الصيدلي الفرنسي "توماس يوسف أرنود" (T. J. Arnoud) من الوصول الى مأرب، وذلك كونه طبيباً للسفارة التركية في صنعاء، حيث تمكن من توثيق معالم المدينة وآثارها، ونسخ العديد من النقوش بلغت (56) نقشاً، تم ارسالها الى القنصل الفرنسي "فرسنل" (Frasnel) في جده، والذي كان مهتماً بدراسة اللهجات العربية الجنوبية.

وفي عام 1850 أيضاً، عُثر في الحفائر البريطانية في بابل على نقش مسندي لشخص يدعى "هنتشر بن عيسو". في الوقت الذي رصدت فيه المخابرات الانجليزية مبالغ وجوائز مالية مغرية، لكل من يمد الانجليز بأي آثار يمنية، وفتحت باباً لشراء كل قطعة منها بمبالغ عالية، وبالفعل تمكن الضابط الانجليزي "كوجلان" (Coghlan) من شراء مجموعة من الألواح البرونزية القيمة التي تضمنت نقوشاً سبئية، لازالت حتى اليوم من مقتنيات المتحف البريطاني. كما أن المتحف البريطاني نفسه جند لنفس الهدف، وتمكن من الحصول على أربعين قطعة أثرية من اليمن، فضلاً عما لم يعلن عنها ومعظمها نقوش هامة جدا.. ولا أحد يعرف عنها شيئاً حتى اليوم.

في عام 1869 وصل ممثلاً عن فرنسا المستشرق "يوسف هاليفي" (J. Halovy) في بعثة الى اليمن لجمع المزيد من النقوش، في الوقت نفسه الذي كان فيه مغامر يهودي يدعى "يعقوب سفير" (J. Saphir) قد سبقه وبدأ بجولة وتنقلات بين مناطق اليمن حتى العام 1870، سالكاً طريق الحملة العسكرية التي أرسلها الى اليمن الامبراطور الروماني "اليوس جاليوس" (Aelius Galius)، وقد تتبع "هاليفي" أثر هذا اليهودي، وفي حين لم يعرف ماذا جنا ذلك اليهودي وما كانت أهدافه، فقد عاد هاليفي بــ (686) نقشاً، نشرها هاليفي سنة 1872 مع تقرير رحلته.

لم يتحدث "هاليفي" عن أي يهود في تقريره، لكن الدكتور "جلازر" نشر بعد ذلك تقريراً آخر عن رحلة "هاليفي" آشار فيه الى الدور الذي لعبه يهودي من صنعاء يدعى "حاييم حبشسوس" كدليل لهاليفي، والذي إليه يرجع الفضل في نجاح هاليفي ووصوله الى ذلك العدد الضخم من النقوش؟!!.

وفي الفترة التي كانت فيها أجزاء مهمة من اليمن واقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية، عمل الولاة والضباط الأتراك على جمع كل ما هو نفيس من آثار اليمن ونقله بكميات كبيرة الى استانبول، ومبعد خروج الأتراك وعودة حكم الأئمة الزيديين الى (شمال اليمن)، صارت الآثار اليمنية بضاعة لتجارة رائجة، لاسيما وأن الأئمة كانوا ينظرون الى كل آثار العصور السابقة على عصر الإسلام بأنها وثنية، والحقيقة أنهم كانوا حريصون دوماً على تدمير ونسف كل ما يتعلق بالهوية اليمنية الحميرية والسبئية.

بلغ الأمر ذروته في جهود ضابط المخابرات الانجليزي "جون فليبي"، التي كانت تهدف بشكل غير معلن الى متابعة تهريب الآثار اليمنية، كان ذلك بُعيد الحرب العالمية الأولى واستمر حتى أربعينيات القرن العشرين، حيث تمكن فليبي من اعداد خارطة مسحية لكل مناطق الآثار اليمنية بما فيها حضرموت وعمان ونجران وعسير، وهاتان الأخيرتان تم انتزاعهما من اليمن وضمهما الى أراضي الدولة السعودية سنة 1933 بالقوة وبدعم عسكري سخي من العرش البريطاني، لأسباب تاريخية أكثر منها سياسية وعسكرية.

وفي منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، كان الأمريكي "ويندل فليبس" قد تمكن من الحصول على موافقة من السلطات في صنعاء (الإمام أحمد يحي حميد الدين)، للقيام بمسوحات وأعمال جمع وتنقيب عن الآثار في مأرب، ونظراً لحجم الحاصل منها، تم الاستعانة بطائرة خاصة لنقل الآثار اليمنية الى الولايات المتحدة، ودون أن يكشف عن معظم ما جمعه "فليبس"، لازال مصير مجموعته الضخمة يكتنفه الغموض، ثم قام بتأسيس جمعية خاصة للآثار اليمنية لمتابعة جهوده بإدارة ابنته "آنا فليبس".

تشير بعض المصادر الى أن عدد المغامرين والرحالة والبعثات الأوروبية الذين وصلوا الى اليمن منذ القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن العشرين، يربوا على خمسة آلاف شخص، كان هدفهم الرئيسي هو جمع الآثار اليمنية ونقلها الى بلدانهم.

استمرت عمليات تهريب الآثار اليمنية بأشكال وطرق شتى، من بعد قيام اليمن الجمهوري في 1962، وحتى تسعينيات القرن العشرين واعادة توحيد اليمن، وعلى الرغم من بروز اهتمام رسمي بعد ذلك بالآثار، إلا أن مافيا الآثار كانت ولازالت مستمرة.. وللأسف حتى اليوم، بالإضافة الى التدمير الذي طال عدداً من المواقع الأثرية خلال الحرب الأخيرة والحالية، من قبل طائرات العدوان السعودي وتحالفها العربي.

وهكذا، فكل ما سبق  ليس إلا مسار هيكلي عريض لعدة قرون تم فيها سرقة وتهريب واخفاء وتدمير الآثار اليمنية، على نحو مثير للتساؤل والريبة، مسار شاركت فيه دول وجامعات ومؤسسات أكاديمية وسفراء وقناصل وضباط مخابرات وضباط عسكريين، وتجار يهود ومبشرين ومستشرقين، وحكام وملوك.. ورحالة مغامرون جشعون.. الخ!!- أما التفاصيل فيندى لها الجبين.

نعم، إنه مجرد جزء من (كل)، حول ما يقف وراء غياب تاريخ اليمن الحضاري القديم، عن خارطة حضارات المنطقة القديمة في العراق وسوريا ومصر.. وهو ما يترك تساؤلاً دائماً.. هل هو غياب أم تغييب..؟!

***

[**]. تم الاستعانة في كتابة هذه الموضوع بالجزء الأول من كتاب: التاريخ العربي القديم، لــ ر. نيلسن، ف. هومل، ل. رودوكاناكيس، أ. جرومان، ترجمة: فؤاد حسنين علي، د. زكي محمد حسن، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1958.



  • 5

   نشر في 05 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 25 يونيو 2016 .

التعليقات

مقال رائع جدا... للاستزادة اكثر في هذا الموضوع انصحك بقراءة كتاب العربية السعيدة للكاتب ثوركيلد هانسن الذي تكلم بالتفصيل حول الرحلة الدنماركية.. دمت مبدعا اخي العزيز
0
فكري آل هير
قرأته .. يا أخي، واشكرك على الملاحظة والمرور
مقال رائع جدا... للاستزادة اكثر في هذا الموضوع انصحك بقراءة كتاب العربية السعيدة للكاتب ثوركيلد هانسن الذي تكلم بالتفصيل حول الرحلة الدنماركية.. دمت مبدعا اخي العزيز
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا