للأسف ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

للأسف !

  نشر في 30 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 08 يونيو 2019 .

قمت للتو من النوم لا أدري أ هو صباح أم مساء، لا خيط نور للشمس و لا للقمر أيضا ينتشلني من حيرتي،حتى هاتفي فرغ من الشحن.. أحس بتعب و خدر رهيب يغزو جسمي..

بدأت بتحسس مكان قابس الإنارة و بمجرد ملامسة أناملي له ضغطت عليه..و ما هي إلا ثوان قليلة حتى سطع ضوء النيون الأبيض مبددا ظلام الغرفة..تقلص بؤبؤ عيناي لتبدأ تفاصيل الغرفة بالظهور تدريجيا..فوضى في فوضى كأن لصوصا خرجوا منها للتو..

تحاملت على نفسي و قمت من فراشي و صرت أجرجر قدماي بتثاقل كالموتى الأحياء نحو النافذة لأزيح الستائر و أفتح الدفة لأتفاجئ بالشمس شارفت على الغروب في منظر جميل..

فجأة سمعت صوتا هادرا بمعدتي..فعرفت أنها الأمعاء تطالب راعيها في وقفة سلمية بوجبة قد طال انتظارها بعض الشيئ..و بحكم أني راع مسؤول اتجهت نحو الثلاجة المركونة في الزاوية مباشرة و فتحت بابها فلم أجد سوى علبة حليب مفتوحة أصبح مذاقه كاللّبن.. و نصف حبة بصل..

النصف الآخر على ما أذكر أخرجته عندما أغمي على جارتي "السعدية" لأندم بعدها لأن جوربي فقط كان سيفي بالغرض و ربما أكثر بقليل..

ثم وجدت بعض البيض..فظهرت معالم الوجبة أمامي..لكن ينقصني الخبز !

لبست معطفي لأجلبه من عند البقال بجانبنا..

و أنا مقوس القامة أمشي في الزقاق نحو الدكان لمحت مراهقة تلبس سروالا ممزقا عند الركب، مزقته الفئران ربما..

و هي تتمشى اعترضها ممزق سروال مثلها ليتحدثا بلغتهما الخاصة و يطلقا ضحكات انتشر صداها عبر الزقاق..

أكملت الطريق غير عابئ و اقتنيت خبزا لا يختلف اثنان على أنه يابس..

لكن لا بأس بضع رشات من الماء و تسخينه فوق نار الموقد تفي بالغرض..

تناولت ما يقيم صلبي و خرجت مجددا لأتوه في الشوارع ليلا بلا هدى أو هدف..

إنه الليل و ما أوفاه من صديق لي..يستر عيوب الواقع مؤقتا..بهدوءه و برودته المعتادة يذهب بك للتفكير و الشرود بعيدا عن صخب النهار و عشوائيته..

انتشلني من شرودي شخص نائم على الرصيف في وضعية الجنين مفترشا الأرض و غطاؤه سماء..و كلما اقتربت تتجلى التفاصيل أكثر ..نعم عجوز بجلباب متسخ أكل عليه الدهر و شرب و بجانبه زجاجة على الأرجح بها شاي بارد..

كأن أحدهم ضغط بأصبعه داخل جرح داخلي قد نسيته أو تناسيته.. وقفت و حزن جارف غطى على حواسي ما لبث أن تحول لغضب عارم على أصحاب القرار ببلدي..

ابتعدت ما يكفي عن العجوز لكي لا أوقضه من نومه.. كيف و هو سبيله الوحيد للهروب من قسوة العالم عليه..

و الغضب لا زال مستعرا بدأت بركل كل ما أجده حولي و ألعن ..حتى سمعت صوتا ينادي..

التفت لأجده شرطيا، اقترب مني في توجس و قال :

- ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت ؟

- أشم بعض الهواء.

- هل أنت ثمل ؟

- لا

طلب مني الاقتراب و بدأ يشم ككلب مدرب :

- أعطني بطاقتك.

- لقد أحرقتها..عفوا لقد تركتها في البيت.

- ستتفضل معي للمخفر..ألا تعرف القانون ؟

- طبعا هيا بنا.

- أولا سأفتشك ..ارفع يديك.

-طبعا.

استغرب قليلا و ذهب لصديقه في الدورية يتهامسان ثم قال :

- انصرف من هنا ..لا أريد رؤيتك مرة أخرى في هذه الليلة.

وضعت أعصابي في الثلج و ساعدني الليل على امتلاكها و ذهبت في سبيل حالي و منظر العجوز لا يفارقني..

و أنا أتمشى بدأت في التفكير مجددا ..ترى هل من يحكموننا طبيعتهم مثل البشر ؟ أم نحن مجرد بقر ؟ هل الخطأ فيهم ؟ أم فينا ؟

عندما أراهم من وراء شاشة التلفاز فهم مثلنا بشر..بل أيضا لهم أسماء مثلنا..و لكنهم بلغوا الثعلب مكره، و الخنزير نجاسته، بل و تعدّوا الصخر قساوته..

بقيت على هذه الحال ليقطع تفكيري مجددا منظر اعتدت مشاهدته و لكن هذه المرة لاحظت تفاصيلا لم يسبق أن لاحظتها..

سيارة فاخرة توقفت لتنزل منها شابة تجزم أنها كانت في سهرة ليست بالبريئة..و ما أكد الأمر هو ما ألقي على مسمعي من حديث دار بين ليلى و الذئب و ربما هي الذئب من يدري..

وقفت عند زجاج السيارة و قالت :

- ليتك قربتني أكثر لسكن الطالبات.

- لا أستطيع لدي غدا اجتماع هام في الشركة..دبري أمرك.

- حسنا أعطني ما تبقى من نقودي و فقط.

رمى ورقة نقدية من فئة مئتي درهم ..لتنحني و تلتقطها من الأرض و الغريب أنها لم تنهض :

- في المرة القادمة أحضري صديقاتك لنمرح.

ثم انطلق بسيارته الفارهة تاركا إياها على جانب الرصيف..فحاولت النهوض بتثاقل لكنها تقيأت فعرفت أنها ثملة..بقيت بعيدا منها أراقبها و أنظر يمينا و شمالا بتوتر و لكن بصبر..

فجأة ظهر ما كنت أبحث عنه .. سيارة أجرة قادمة.. فأوقفتها و طلبت من السائق أن يقل الشابة لمحل إقامتها و خطفت الورقة النقدية من يدها و أعطيتها للسائق لتقابلني بالشتم و لكن هضمتها بسرعة..و بمجرد أن أغلقتُ باب التاكسث انطلق..

هذه المرة شعرت بشعور مختلط من الغضب على الشابة و الشفقة على والديها..و لكن بضع خطوات و نسمة هواء خفيفة كفيلة بأن تنسيني ذلك الشعور بالحرقة و كذلك المجتمع من حولي للأسف.

عندما سبق و قلت لكم الليل يستر عيوب الواقع ربما أخطأت لأني لم أصادف سوى العيوب طوال طريقي ..!

يا أيها الليل من فضلك لا تخن العهد و كن متنفسنا من تعب النهار لا العكس..

أتذكر تلك الأيام عندما كنت أعمل في الصيف أجيرا حيث تمر على مسامعك ألوان الإهانات و ربما تُظلم..عندها لم يكن لي من متنفس سوى الليل..وقتها تعرفت عليه و لم أعد أخاف من ظلمته، بل أصبحت أخاف من النور..

لم أدري كم مر من الوقت و أنا أتمشى.. و لكن بدأت أسمع أصواتا خافتة لم أعرف مصدرها..

خطوة بخطوة يزداد الصوت..عندما اقتربت بما يكفي سمعت ضحكات و سب لمجموعة من الأشخاص متحلقين حول نار موقدة..فعرفت أني لن أمر بسلام من هنا..

بدأت بالبحث من حولي عن شيئ أتسلح به..فلم أجد سوى زجاجة فارغة، فأمسكتها و خطرت ببالي فكرة.. بدأت أتمشى و أتمايل مدعيا السُّكر ..

عندما لمحوني مارا بجانبهم قاموا و بدأوا يوشوشون بينهم..فلم أترك لهم الوقت و كسرت الزجاجة و بدأت أسب و ألعن..عندها تراجعوا و جلسوا في أماكنهم ظانين أني ثمل إلا واحد منهم..

تقدم نحوي و في يده شيئ أجهل ماهيته..عندما اقترب بما فيه الكفاية تشابكت معه..فلم أشعر إلا و قد ضربته بالزجاجة ليسقط أرضا..بعدها قام أصدقاؤه فرميت الزجاجة بسرعة و أطلقت ساقي للريح و لم أتوقف حتى شعرت بأنه لم يعد هناك من يلحق بي..

و أنا ألهث أفزعني صوت قطين يتقاتلان على بضع رؤوس أسماك في القمامة..

انتبهت ليدي اليمنى لأجدها مصابة فقمت بربطها بمنديل كان معي.. و هي الشاهدة الوحيدة على هذه الليلة المشؤومة..

في بعض المرات ترى أن الظالم هو نفسه قد تعرض للظلم و من ظلم الظالم هو أيضا في حلقة مفرغة من الظلم الذي لا يعرف له مصدر أو سبب..

فما شاهدته هذه الليلة ليس سوى نقطة من سيل..فهناك من حملت من أبيها..و هناك من يخون زوجته مع صديقتها..و هناك من أجهضت جنينها و رمته في القمامة نتيجة علاقة عابرة..و هناك من ابتلعته(ا) الأمواج طمعا في حياة كريمة..و هنالك من مات على يد الأمن و هو يطالب بشكل سلمي بحقوقه..و هنالك المحاكم ممتلئة حد الإشباع و أكثر..و هنالك أطفال و عجزة تموت عند الرصيف قهرا إن لم يكن جوعا..و هنالك من تحدى الخوف و نزل لبئر عمقه يقدر بمئات الأمتار ليطعم أسرته فيهدم البئر فوق رأسه ليردم حيا .. و هنالك الكثير الذي لن تكفي أقلامي و ربما أقلامكم يا أحبتي لتدوينه كله..

الإنسان أخو الإنسان لم تعد صالحة لكل زمان و مكان..لأنه في هذا الزمان و في هذه البقعة البئيسة أصبح الإنسان كالسم لأخيه الإنسان..

بعد هذا الكم من التفكير اشتعلت غضبا من جديد و ضاق صدري فلم أجد سوى صندوق القمامة أمامي فبدأت في ركله كمجنون..فبدأ صوت يصرخ في بالتوقف..

التفت لأجد حارسا ليليا..اقترب مني بتوجس و قال :

- ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت ؟

لم أتكلم فلاحظ الدم على يدي اليمنى و الشرر يتطاير من عيني..فظن أنه تمت سرقتي فقال :

- هل سرقت ؟ تعال معي.

فذهبت معه لتلك الغرفة الصغيرة الخاصة بالحراسة فقدم لي بعض الماء ..و هنالك شاي على الموقد..

شربت الشاي معه و دردشنا لبعض الوقت..لقد كان لطيفا..فشكرته على كل شيئ و تابعت طريقي..

و أنا في طريقي للرجوع أشعلت سيجارة كانت كاليتيمة في جيبي.. و لتكتمل الصورة شعرت بقطرات ماء تنزل فوق رأسي بخجل ..أمطرت و بدا في الأفق خيط رفيع من النور..إنه الفجر و سؤال وحيد يدور في ذهني..

هل سينتهي هذا الكابوس المخيف بانتهاء سيجارتي أو ينتهي بموتي ؟

لا أدري و لكن ما أنا متيقن منه هو ما أقوم به دوما..أني سأرجع للمنزل لأذهب في موت صغير يريحني من عذاب التفكير على أمل أن تتحسن الأوضاع و على أمل واقع أفضل..

و لكن للأسف 😞


  • 3

  • عبد الكريم واكنيم
    مهتم بعلوم الأحياء، تخصص فيزيولوجيا و الصحة، مهتم بالشعر و فيلسوف نجيب و لا زلت كاتبا فاشلا ❤
   نشر في 30 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 08 يونيو 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا