الضفة التي يستحيل العبور إليها. ١. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الضفة التي يستحيل العبور إليها. ١.

عليك أن تدرك أنني المرأة الوحيدة التي قد تعطيك كل السعادة أو كل الحزن!

  نشر في 30 أبريل 2019 .

كانت السعادة التي أعيشها بحبها سعادة لا توصف بالكلمات؛ كنتُ أخافُ حتى أن أشاطرها مع أحد فيسرق منها حاسد حتى ولو لحظة!

ذلك الحب، والعشق والشغف .. كان حياةً بأكملها بالنسبة لي، حياة لم أكن أريد بعدها أي حياة أو دونها .. لقد شعرتُ حينها أن حياتي دونها بلا معنى، أنني أفضل الموت هناك بين يديها على أن أستيقظ يوماً ولا أجدها بجانبي!

كنتُ أغني ذات يوم بالحمام منطرباً، سعيداً .. أرقص مع إيقاع الماء المنسدل على جسدي، شعرتُ بالاكتئاب للحظة فكرتُ بالانتحار .. 

خرجتُ أحداً غير الذي أعرفه، من أكون يا ترى سألتُ المرآة التي كانت تعكسُ صورتي مع تموجات البخار؛ بكيت بصوت منخفض .. أمسكتُ نفسي مراراً وتكراراً عن محاولة كسر زجاج تلك المرآة اللعينة واتخاذ ذلك القرار اللعين بالانتحار.

في اليوم التالي ذهبت في طريق لا أعرفه، وصلتُ إلى مكان رخيص حيثُ يجتمعُ مرضى المجتمع النفسيون والمدمنون والمحتضرون حتى؛ بالطبع فشخصية مثلي لا يمكن أن تفضح نفسها في مكان قد تلتقي فيه بمعارف مشتركون، لو سمعت عنها بالخبر .. كانت ستعاتبني وسوف تبدأ بهوسها في تتبع حالتي النفسية، باعتبار أنه اختصاصها .. 

صعدت بالحافلة حيثُ أنني لم أكن في حالة تسمح لي بالقيادة، غفوت للحظات قبل أن تدرك أنفي رائحة البراز المتصاعدة من مؤخرة رجل بدين كان يستلقي شبه محتضر بجانبي .. 

تسألني الشابة التي كانت تبدو على ملامحها البائسة علامات العهر :" هل أنت بخير د.رامز؟"!

كان علي أن أستجمع نفسي بثواني لأتذكر من تكون ومن أين لهذه الفتاة أن تعرف دكتور تجميل مشهور مثلي، حيثُ أنه بدا من سؤالها ونبرة صوتها أنها كانت تعرفني شخصياً. 

احتسينا القهوة سوية في حي فقير رديء حيث تقطن؛ أخبرتني قصتها .. بالطبع تذكرتها، لقد أتت إلي تلك الفتاة منذ ثلاث سنوات وطلبت مني أن أساعدها في ترميم بقعة محروقة من وجهها .. وفعلت! 

تسألني الفتاة بعفوية إن كنت بخير مرات ومرات؛ أنا نفسي لم أكن أعرف الإجابة، لقد تغيرت حياتي فجأة انقلبت سعادتي إلى حزن شديد؛ تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى نفسي في المرآة، واجهتها لأول مرة بالحقيقة .. عليك أن تتخلى عن أعذارك وتعترف أنك شخص حقير!

أجبتها بابتسامة مستهزءة :" لقد اكتشفت البارحة وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة أنني شخص حقير؛ شخص أناني لا يتسحق كل هذا الجاه والسعادة، لا يستحق زوجةً مثالية .. بغض النظر عن أن هذه المثالية تخنقني .. تقيدني عن لحظات جنوني التي كنت أعيشها من قبل؛ إذا قلقتُ يوماً قبل عملية مهمة علي أن أخضع لجلسة علاج نفسي، لأتحدث إلى نفسي بصوت عالي أمام مسجل الصوت، لأرقص على موسيقا لا أحبها، وأشرب شاياً لا أستسيغ نكهته، لأتنفس بعمق .. لأتابع التعليمات بصمت مدقع كتلميذ في السنة الأولى في مدرسته يتابع ما يجري بدهشة وحماقة! 

أنا لست الرجل المثالي، أنظر إلى النساء بإعجاب، تراودني بعض الأحلام بنساء أخريات أثناء مجامعة زوجتي، أعشقها .. أكاد لا أتخيل حياتي دونها حقاً، لكنني أختنق .. أشعرُ بأنني أحد لا يعرفني!".

أمسكت الفتاة بيدي وقد امتلأت عيناها بالدمع؛ قالت لي بصوتٍ مرتجفٍ موجوع :" أنت شخص محظوظ يا دكتور رامز لكنك لا تقدر هذه النعمة. أما بالنسبة للتعرف إلى نفسك .. هه .. دعني أقول لك بأنني في كل مرة أكون فيها مع رجل غريب .. بعد أن ننتهي .. أشعرُ نفسي أحد لا أعرفه، أتقزز من رائحتي، من جسدي .. أتمنى لو أنني لم أخفي ندوب الحرق من على وجهي، لو بقيت شخصاً قبيحاً منفراً، على الأقل لم يكن أحد ليستسلم أمامي ولم أكن لأقع في فخ الدعارة!".

تودعنا، عانقتها عندما شعرتُ أنها بحاجة لأحد يحتضنها دون أن يلمسها ويدفع لها ثمن هذا العناق، أودعت في حقيبتها مبلغاً كافياً لتبقى على الأقل شهرين متصالحة مع نفسها، كنتُ سأعقد معها اتفاقية أن تأخذ مني المال مقابل أن تكف عن عملها، لكنني لم أكن في المكان الذي يسمح لي بتقيم حياتها ورغباتها، تركتُ رقم هاتفي معها عرضتُ عليها عملاً .. حاولت بكل الطرق الغير مباشرة أن أقصيها عما تفعله .. لكنها كانت على ما يبدو غريبةً كفايةً عن نفسها في ذلك اليوم لتقرر مصيرها!

عدتُ إلى منزلي، منزلنا .. كانت تنتظرني كعادتها، بقميصها الأبيض ونظاراتها وهي تحمل بيدها كتاباً ورائحة الشاي الأخضر تعبق في المكان مع بخورها، قبلتها على جبينها، سألتني إن صليت اليوم .. 

كانت تلك التعليمات الحازمة تستفزني، لكن في ذلك اليوم كانت كفيلةً لأن تدعني أنفجر، كنتُ على وشك أن أصرخ في وجهها، عندما أشارت إلي بتعبيرٍ لطيفٍ على بطنها " أنا حامل .. " !

- يتبع - 


  • 2

   نشر في 30 أبريل 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا