سلسلة: دمشق مع روسيل (3) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سلسلة: دمشق مع روسيل (3)

تفاصيل غياب

  نشر في 08 أكتوبر 2019 .

دمشق مع روسيل (3)

مع الرسامة همسة شلهوب

تفاصيل غياب




لا هدوء لنا في هذا العالم، ولا طمأنينة أيضاً...


روسيل... أتذكرين حديثي عن ذاتنا في ذاتٍ واحد منذ قليل؟

حينها تشردنا تماماً في مدينة لا نعرف منها إلا قليل التهور، كثير المغامرة، باحثين عن نبيذ رخيص أو باخس أيضاً، ليَسُّدَ لنا شهوة الخمر في صلنفة التي لم نخرج منها إلا بقليل فلافلٍ تُشبهنا نحن، بدمشقيتنا فقط، ببساطة لا يعلو فوقها إلا سمو الله، وعرش جنته، هكذا قُلتِ مرةً عن دمشق، وهكذا وصفتِها، أتذكرين؟

تفاصيل غياب - همسة شلهوب

كنتُ دائماً أقولها: أنتِ فتاة تحملين وعد الشعر، أما عنكِ أنتِ فإجابتكِ لم تتعدى الابتسامة، وكأنك تحاولين إخفاء سخرية مما كررتهُ لمرات ولم يعجبك، كُنا نتجادل بمسألة الصراحة كثيراً يا روسيل، كلانا يُكذِّب الآخر، أنتِ ترفضين القناعة بصراحتي، وأنا أُكذِّب عفويتكِ، كلانا أخطأ الحُكمَ على الآخر، وكلانا الآن يتمنى عودة أيام العتب يا روسيل، فما نفع العتب إن اكتظت الذاكرة بتفاصيل الغياب، وبتفاصيلك أنتِ، حيث لم أكن أراكِ كما أنتِ إلا بعد كأس نبيذ تترنحين بعده يميناً وشمالاً، مثل كأسنا الذي بحثنا عنه في اللاذقية بعد خذلان صلنفة، عندما قصدنا ساحة الشيخ ضاهر المميزة، كُنت متعجباً مما رأيته هناك، إذ أنني لم أتوقع مصادفة مكان سوري فيه حياة تعادل الحياة في باب شرقي، أما أنتِ فلم تتعجبي ولم تبالي، ظننتُكِ تكابرين على الحالة كعادتكِ، ولكن أمام مَنْ... أنا!

أتذكر حينها قُلتِ: أشعر أن أقدامي مَرَّت من هنا، أستطيع أن أصل وجهتي التي حدثتك عنها مسبقاً دون اللجوء لأحد، وبالفعل هذا ما فعلته، مررنا أمام مقهى باب الحارة، حتى وصلنا إلى الساحة، حينها أدخلتنا في دوامة من الضياع لا يتحملها العقل، والعناد من طبعك فلم تَرضِ سؤال أحداً عما كُنتِ تبحثين عنه، ولكن الحمد لله أننا وصلنا إلى القهوة المركونة بزقاق ضيق، اسمها قصيدة نثر، لا تغيب عن ناظري لحظة وقوفك أمام جدار بجانب باب القهوة مكتوب عليه عِدَّة جمل أذكر واحدة منها "هناك كلب وقطة صديقان، الكلب أخرس... صارت القطة تنبح عنه" كُنتِ تنظرين الحائط كما كُنتِ تنظرين إليّ، عيناك تَغرق حُباً، تفيض مشاعراً، تنشد الله بتراتيلٍ فتزيده قوةً، فلم نكن اثنين، بل ثلاث بلحظتك، حُبكِ والجدار وأنا، كُنتِ كلوحة فنية يا ابنتي، بما فيك من تفاصيل ختمتها بفتح أصابع يدك وتقريبها نحو يدي لألصق بهم أصابعي برفقٍ ثم أغلق عليهم الهواء ليتنفسوا مني، فهواءنا واحد بجسدٍ واحد، ظلٍ واحد، وطريقٍ واحد، لا رجعة فيه، حيث لم نكن اثنين يوماً، اعتادت الحياة علينا هكذا، بصيغة "نحن"، الأنا كانت مرفوضة دون جهد منا، دون سعي أو حب الوحدة لنا... أتصدقين يا روسيل! لم أكن أعرف أيضاً أنكِ تحبين وتعرفين ذاك المكان إلى هذه الدرجة، فأنا لم أسمع صوتك طيلة وقتنا آنذاك، كُنت تسرحين بين الكتب التي ليست من اهتماماتك، حينها أخذتِ من المكتبة كتابين ووضعتهما أمامنا على الطاولة، ولم أسألك عن السبب، فأنت لا تقرئين بحكم العادة، التصوير أخذ كل اهتمامك، والكتابة جَسَّدّْتِها بما أكتبه أنا، كُنت أول كاتب في العالم عندكِ وأفضلهم، لا منافس لي، كُنت تكررينها دائماً: أنتَ كاتبي فقط، لن تكتبَ للعالم ما حييتْ.

كُنتُ أخالفك الرأي دائماً، حتى وصلت بنا الحالة إلى شجار خفيف عن كَثرة التملك عندك، أما الآن يا روسيل، لو كُنت أعلم ما ستؤول إليك الأيام، لبحثت عن مهنة أُخرى، أستطيع من خلالها تدبير مستقبل مقبول لنا، ولكنني رفضت وحدث ما حدث، وأنتِ سامحتني دون أحقاد أو بقايا أحقاد حتى، فمَنْ مثلكُ متسامح غير الله، ومن يتحمل فراق الشمس يا روسيل وأنتِ قُرصِها غيره أيضاً، فأنتِ الظل والنور، ورحمة البدايات وسبباً وجيهاً لدخول جنَّة دون تعب، وجهد مبذول إليها.


  • 3

  • Abdallah Kiwan
    عبد الله فيصل كيوان من محافظة السويداء -سوريا 21 عام ادرس هندسة الإضاءة في المعهد العالي للفنون المسرحية -والإخراج السينمائي في دبلوم علوم السينما. في رصيدي كتابين: رواية فِضَّة - دفتر الذاكرة في دمشق
   نشر في 08 أكتوبر 2019 .

التعليقات

§§§§ منذ 2 سنة
جزء مليء بالمشاعر و بما تفيض به الذاكرة بالندم و بالعتب... لا أزال أتابع روايتك يا عبد الله و أستمتع برسوم الاستاذة همسة...لكما مني كل التحية.
-ملاحظة بسيطة- عند نشر جزء جديد المرجو أن تصوت له أنت كي نستطيع التنبه إلى جديدك...فالمنصة لا تمكن من رؤية كل جديد إن لم يضوت له صاحبه.
بالتوفيق
2
Abdallah Kiwan
شكراً لك من القلب
وشكراً على نصيحة التصويت

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا