أجيال التنمية الذاتية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أجيال التنمية الذاتية

هل فعلا التنمية الذاتية مجرد هراء؟

  نشر في 17 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 مارس 2019 .

 - هل قرأت كتاب كيف تصير مليونيرا ؟
- ههه، ومن يقرأ تلك الكتب؟ الوحيد الذي صار مليونيرا بفضل ذلك الكتاب هو كاتبه.

مقتطف من حوارات حديثة عن التنمية الذاتية، التي فقدت لمعانها عند العموم، فما الذي أوصلها لهاته الحالة؟ وهل فعلا هي لا تصلح لشيء؟

قبل الحديث عن الوضع الحالي لا بأس من التعريج على مراحل نشأتها وتطورها عبر الزمن.

الجيل الأول

يُعتبر نابوليون هيل أبو التنمية الذاتية - أو التنمية البشرية كما هو شائع-، ففي بداية القرن العشرين خلال عمله كصحفي بدأ سلسلة لقاءات صحافية مع مشاهير وأغنياء أمريكا، واستمرت اللقاءات بشكل عفوي إلى أن التقى رائد صناعة الصلب الأمريكي من أصل استكتلندي أندرو كارنيجي، الذي انتهى حوارهم معهم بالقيام ببحث طويل حول نماذج النجاح توج بكاتبة أول كتاب عن التنمية الذاتية بعد عدة سنوات، حاول الكاتب عبر هذا الكتاب إعطاء خطوات عملية لتحقيق النجاح المادي.

يقال أن الكتاب لقي نجاحا كبيرا في أمريكا آنذاك، وتلاه كتاب آخر مصاغ بشكل أكثر بساطة لا يزال حاليا من الأكثر مبيعا في مجال التنمية الذاتية عبر التاريخ، وهو كتاب "فكر وصر غنيا".

هذا الجيل عمر طويلا في أمريكا، قبل أن ينتشر في باقي الدول الغربية تدريجيا بحكم القدرات المحدودة آنذاك لنقل المعلومات بين القارات.

بصفة عامة كان هناك شبه إجماع على أهمية تطوير الذات بعد الزوبعة التي أثارها الكتاب، كون معظم محتواه كان عبارة على مجموعة من النصائح العملية التطبيقية لزيادة التحفيز والإنتاجية وتنظيم للوقت والموارد، عبر عبارات واضحة تخلو من الهلامية أو بيع الأحلام، وإن راجت معلومات --دون إثبات حول احتواء الكتاب الأصلي على معلومات سرية هي التي تحدث الفارق حول قانون الجذب والطاقة (ما سوف يظهر في الثمانينات عبر جيل لاحق).

الجيل الثاني

مع بداية سبعينيات القرن الماضي، نشأت البرمجة اللغوية العصبية التي لا يمكن تصنيفها لا كعلم ولا كفن، وإن كان مؤسسيها باندلر وغريندر حاولا استخدام منهج علمي إلى حد ما في التأصيل لها.

البرمجة اللغوية العصبية شكلت منعطفا كبيرا في مجال التنمية الذاتية، فقد أقبل الناس عليها أفرادا ومؤسسات، وكانت الشركات الكبيرة والمؤسسات الحكومية تسجل موظفيها في دورات منظمة لتعلمها، وظهرت الكثير من المؤسسات التي تعطي شهادات معتمدة بعد دورات تكوينية طويلة تخضع لنظام صارم في الاختبارين النظري والتطبيقي.

كل هذا يحدث في أمريكا ودول أوربا فيما كان العالم العربي غارقا آنذاك في صراعاته الإيديولوجية بين اليسار واليمن، بين القوميين والإسلاميين، بين الإشتراكيين واللبراليين، بين أنصار المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، وكل مفكر عربي حاول التعريج على الموضوع وأهميته اتهم بالترف الفكري وتضييع الوقت فيما لا يفيد.

الجيل الثالث

حتى هاته المرحلة خلت التنمية الذاتية من كل ما هو روحاني، وأقصى ما كان يقترب من هاته المنطقة هو بعض العادات النفسية الطيبة كتمارين التركيز والعادات الصحية الجيدة من نوم جيد، واهتمام بجودة الأكل.

عزوف الغربيين عن الدين، أعطى للجانب الروحي مكانة أكبر في التنمية الذاتية وقبل كتاب السر الذي تحدث عن "قانون الجذب" الذي لم يظهر إلا في القرن الحالي، بدا الكلام في أمريكا عن الجذب والذبذبات في الثمانينيات، وربما قبل ذلك مع أسطوانة إيرل ناينتنغيل : السر الأكثر غرابة، التي حققت مبيعات خرافية في الستينيات في أميركا.

مع عودة الكثير من المثقفين العرب إلى أرض الوطن نهاية القرن الماضي، بدأ الحديث ينضج شيئا فشيئا عن الموضوع، فالعيش في كنف الغرب لعقود ترك أثرا كبيرا في أفكارهم، من هنا دخلت التنمية الذاتية للوطن العربي بمسمى التنمية البشرية، وقد تعاطى لها في البداية فئة قليلة من العرب خاصة من الأوساط المتدينة متأثرين بمرجعيات الأشخاص من جهة وبالقواسم الكثيرة المشتركة مع تعاليم الدين، أو على الأقل كما فهمها الأشخاص آنذاك.

في هذا الوقت الذي بدأ الوطن العربي يتعرف على المجال رويدا رويدا، بدأت في الغرب موجة مضادة تناهض التنمية الذاتية لعدة أسباب، فمن جهة ظهر مجموعة من المدربين الذين امتهنوا الأمر وصار مصدر دخل مادي خاصة مع غياب إطار قانوني يشهد بمدى صلاحية الفرد لممارسة هذا الدور.

ومن جهة أخرى فشل إثبات بعض النظريات والممارسات علميا نفر الكثيرين من الموضوع خاصة في كل ما يتعلق بقانون الجذب، والتفكير على المحيط بالأفكار فقط.

أما في الوطن العربي أفول المعارضين للتنمية الذاتية هم رجال الدين الذين اعتبر بعضهم ممارسة التأمل واليوغا شركا بالله، وبعضهم اعتبر الإيمان بقانون الجذب تحديا لإرادة الله وللأيمان بالقضاء والقدر، ومن جهة أخرى ظهر تيار علمي لا يقل في تطرفه عن التيار الديني يتهم فيه مدربي التنمية الذاتية بالدجل وبيع الوهم للناس، واجتهد بعضهم في إجراء تجارب علمية تفند قانون الجذب، ومفهوم طاقة الأفكار، لينضم إليهم السياسيون الذين رأس مالهم هو نظرية المؤامرة وأن المواطن البسيط مغلوب على أمره وانه لا يستطيع أن يغير شيئا من حياته مادامت هناك قوى ظالمة تتحكم في زمام الأمور.

الجيل الرابع

إن كان وصول الأجيال السابقة من التنمية الذاتية إلينا استغرق سنوات فإنه بفضل الثورة الرقمية، الأمر انتقل لحظيا إلينا خاصة مع قنوات اليوتوب والشبكات الاجتماعية، خاصية هذا الجيل الجديد هي السخرية ظاهريا من الأجيال القديمة، لكن في الداخل تبقى نفس الرسائل ونفس المحتوى هو ما يسوق، وكمثال على ذلك كتاب "فن اللامبالاة" الذي قدم اللاعب المصري محمد صلاح له شهرة كبيرة عبر صورته مع بحساباته في الشبكات الاجتماعية، هذا الكتاب يعطي انطباعا خاطئا عن محتواه، فيخال القارئ للوهلة الأولى أنه كتبا سوف يبطل كل الكلام الذي كان يقال عن أهمية التخطيط والالتزام والتحفيز الذاتيين وتشجيع على العيش بلا هدف ولا ضوابط، ليكتشف القارئ البارع أن الكتاب في الحقيقة هو كتاب نموذجي من كتب التنمية الذاتية.

كما ظهرت مجموعة من المقالات المتفرقة والمداخلات على تيد إكس بعناوين براقة ساخرة مثل "لا تبحث عن حلمك" أو "إذا أردت أن تنجح فلا تخطط لذلك".

ما يميز هذا الجيل أنه تخلص من إطار معين في خطابه، خاصة بعد السمعة السيئة التي صاحبت التنمية الذاتية مؤخرا، فصار الكثير ممن يتكلم في الموضوع يستخدمون وسوما عامة مثل "استشاري في مجال الإدارة" أو "خبير في العلاقات الإنسانية"، كما أنه توقف عن إيمانه بضرورة إيصال المعلومة لأكبر عدد ممكن، وركز على الأشخاص الذين يبذلون مجهودات جادة من أجل تطوير ذواتهم.

الجيل الخامس

لا أظن أنه سوف يكون هناك جيل خامس أو على الأقل على المدى القريب، فتحرر الجيل الرابع من كل القواعد والمسميات سد أبواب الانتقاد، فصار هناك تفريق بين مجالات الإدارة الذاتية والتحفيز والراحة النفسية والنجاح المالي، وبالتالي لم يعد بالضرورة وضع كل المدربين والكتب في كفة واحدة، بل نلاحظ أن معظم المدربين حاليا يستفيضون في قدح التنمية الذاتية بشكلها الكلاسيكي ولا يتحرجون في مهاجمتها.

رأي شخصي

بين كل ما قيل ويقال، أؤمن بضرورة تطوير الذات، وإن كنت أؤمن أن هذا التطوير ليس صالحا لكل شخص، فمن لا يريد أن يبذل مجهودا لتحسين أوضاعه فلن تستطيع أن تساعده ولو حشدت له كل مدربي ومحترفي ومشاهير العالم في هذا المجال أو غيره، وفي نهاية الأمر أؤمن بالحديث الشريف الذي يقول : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مصدر الصورة : https://unsplash.com/photos/rk_Zz3b7G2Y


  • 2

  • ضياء الحق الفلوس
    طالب علم في مدرسة الحياة. مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. مولع أيضا بالتدوين والرسم والتصوير. مسؤول عن المسابقة الوطنية للبرمجة للطلابMCPC عضو في الجمعية المغربية لعلوم الحاسوب MACM
   نشر في 17 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 مارس 2019 .

التعليقات

فعلا فالتنمية البشرية و تطوير الذات تبقى مجرد كلمات لو لم تطبق على الواقع مع الارادة في التغيير ..بالتوفيق ان شاء الله أخ ضياء
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا