ألَا في سبيل العزلة ما أنا فاعل.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ألَا في سبيل العزلة ما أنا فاعل..

  نشر في 23 أبريل 2022  وآخر تعديل بتاريخ 30 أبريل 2022 .

                                                          ــ 1 ــ

لَطالما راودني الأمر منذ زمن بعيد، مذ كنتُ يافعًا وأنا أماطله، يُطاردني فأُناوئه، وكلّما لاحَقَتني العزلة وعَرضَت علَي نفسها كنتُ أصدّها معلّلًا إياها بالوقت المناسب.

قبل أسبوعين مضَيا كنتُ قد فتحتُ درج المكتب السّفلي، فعثَرتُ فيه على أوراقٍ تعود لما يناهز الثماني سنوات؛ أوراق كنت قد عزمتُ فيها على أن أعزل نفسي عن السُّوَقة والحمقى و"النّعاج" كما يُسمّيهم زفزاف، وعلَى أن أحتفظ لنفسي بمسافة عنهم.. لكنني لم أفعل. فقط عزمتُ وَ"عزَّمتُ " على الأمر، ودَوّنتُه على الورق "كالحُروز"، ثمّ تركته " يَغْملُ " وسط الدّرج.. فلم أفعل شيئًا طوال هذه السّنوات الماضية سوى أن أكرّر نفسي كل يوم فقط، على أمل التّغير غدًا..

لكنّني إذ قرأتُ تلك الأوراق قبل أسبوعين من الآن، وإثر خيبة من تلك الخيبات المتراكمة التي تلحقُني عادةً حالَ تفرّق الرّفقة ومغادرة الآخرين؛ قرّرتُ قرارًا حاسمًا على أن أعتزل الآخرين وأن أَحظى بوحدتي، فَأزمَعتُ: هيَّأتُ مؤونتي، وكل ما قد يخصّني من طعام وشراب ومُكَمّلات... ثمّ دخلتُ في مشروع عزلتي، عزلة ٌ بمعنى التّعَفّف من الرّفقة وما يلحق ذلك، وليست بأي معنى آخر.

وحقًّا فعلت؛ لم أُغادر المنزل، ولم أحتَكّ بأحدٍ طوال الأسبوعين المنصرمين. كنتُ قد ضِقتُ من كلّ ما يقرب إليّ وَ من كلّ شيء؛ من العائلة والأصحاب والمعارف والعُشّاق... جميعهم ما عادوا يثيرون اهتمامي، بل لم يكن فيهم ما يُمكن أن يجلب أو يجذب من الأساس.

هكذا انتبهتُ، فانكفأتُ على نفسي طيلة هذه المدّة كَحلزون: أقضي النّهار جالسًا وسط المنزل أقرأُ بوتيرة بطيئة جدًّا الأعمال الكاملة لآلان بو؛ الكتبُ بحق خيرُ مؤنسٍ ورفيق، فهي تتيح لك إمكانية الاحتكاك اللّاجسدي مع الآخرين؛ التّحاور معهم، الاطّلاع على أفكارهم وعواطفهم، وتقمّص حالاتهم دون حضورهم المادي أو الفيزيقي أمامك؛ الكتب تعفيك من احتمالية التّقزّز تلك التي يحملها الحضور..

آلان بو من طينتي، وَلَعلّي من سُلالته، قصيدة Alone أنا من كتبتُها في صورة آلان بو، أو لعلّ آلان بو من كتبها باسمي. ومع ذلك، فالأرجح أنني كنتُ سأبغض حضور آلان بو أمامي، ولَربّما قد يُعكِّر ذلك إدراكي وفهمي وتقديري لتصوّراته؛ خيرٌ للمرء إذن أن يظَلّ في الظّلّ، بعيدًا ومتواريًا، محايِثًا لا حاضرًا.. الحضور بغيض وثقيلٌ.

في قراءة آلان بو كنتُ أقضي معظم النّهار، مع ما يُرافق ذلك من تَقمّصٍ وتخيّل وسفرٍ عبر الزمن واستحضارٍ للماضي واستدعاءٍ للأفكار...

وفي المساء، عند ازوِرار الشّمس، أصعَد إلى السّطح لِأستمتع بالهواء البارد، ومنظر السّماء، والنّوارس البيضاء المحلّقة التي تتزايدُ أعدادها بوتيرة سريعة يومًا إثر يوم.. 

عادة ما تتداعى عَليّ الأفكار جَمّةً خَلَلَ تلك الأجواء، أفكار قاتمة في معظمها، غاية في الرّماد ( لِم دائما السّواد الذي هو أقلّ وطأةً من الرّمادي الدّاكن ذاك). تبدو لي أفكارًا تافهة حين أتدبّرها جيّدًا من على بُعد، لكنّها تثقُل عليّ لَمّا تحضرني فجأةً، فتبرك على رأسي كفيل صغير؛ أجد نفسي خِضمّها مُحملقًا في الأشياء، ساهمًا فيها.. لِأدرك بغتةً، وهكذا، بأنني موجود، حقا موجود.. باطنيا أدرك ذلك، حَدسيا وغريزيا بما لا يدع مجالا للشّكّ.. آاه وَ يا لَلغثيان والذّعر اللّذان يغمرانني حينها: أفكّر بأنني كائن، وأني لا محالةَ هالك، ميّت.. سأموت.. وقد تلحقني معاناة مريرة قبل ذلك أو جَرّاءه. ولِوهلةٍ، تنقشع عن عينيّ الحجُب، فأفطن مباشرةً إلى أن لا يَد لي في أي شيء، وأن كل شيء إنما هو خارجَ إرادتي، وأنّي مدفوع بي دفعًا، وأني ... ولا أحتمل.. أفكّر في المقاومة، في التّمرّد، في أن يكون لي دور كذلك، و في أن أُدخِل يدي إلى خشبة المسرح؛ في أن أنتحر. لكن بأية وسيلة؟ لا تخلو طريقة ما متاحة وفي الإمكان من ألم.. آاخ.. يا لَلذّعر الذي يُصيبني في هكذا رُؤيا وتبصّر، تَضيق عليّ الأرض بما رَحُبَت، ثم أقع فريسةً للقلق والهلَع والعرق والتّشنّجات.. و أَرضى بذلك و أتقبّله؛ إذ أجد عزاءً في فكرة أنني وحيد و أن لا أحد معي لِيَراني على حالتي تلك.

ولا يُخفّف عنّي تبعات ذلك الضّيق وأزماته سوى الوقت، في هيئة تلاشي تلك الأفكار وبُعد حضورها. وعادةً ما أُلهّي نفسي بمشاهدة قطيع من الكلاب الضّالّة من النافذة في الخارج، أجدها دائما مقابل المنزل، في نفس المكان، وسط تلك المساحة من الخراب التي خلّفها هدمُ إحدى البنايات؛ قطيع من ستّة كلاب ذكور، و أنثى واحدة يتناوبون على شمّ مؤخّرتها ومحاولة إخصابها، لكنهم لا يفلحون؛ إذ تصدّهم واحدًا واحدًا وهي تنبح وتعوي في وجوههم بشراسة و عنف. لعلّ أحدهم قد أفلح في أن يحصل على عملية إبلاج قصيرة المدى في مكان أو زمان آخر بعيدًا عن ناظري.. لكنني لا أتطلّع لمشاهدة عملية الإخصاب، كل ما يروقني هو هذه الملاحقة البرّية المتوحّشة؛ تلك الرّغبة والتّمَنّع التي أراها كل يوم..

هكذا كنتُ أمضي اليوم تلوَ اليوم، فأنام باكرًا، و كلّ ليلةٍ قبل أن أنام، كنتُ أخلد إلى الفراش، أطفئ الأضواء، و أطلق فيلمًا متواضعًا على التّلفاز، أُهَدهِدُ به النّعاس إلى.. أن أنام.

لكنني اختنقتُ في المنزل، وشَرعَت الوحدة بأفكارها وأجوائها ومناخها تثقلُ عليّ هذه الأيام الأخيرة؛ فضاقت عليّ الجدران هذا الزّوال، وفي أرض الله الرّحبة الواسعة في العراء مَنأًى للمرء عن الضّيق وعن الاختناق، وفيها لِمن سَئم الوَرى مُتعزّلُ.


                             ***********************************

                                                         ــ 2 ــ

" على سطح الوحدة "، هكذا كنتُ دائما كما يقول ذلك الأحوَل الفرنسي، لَم أنغمس في الوحدة كلّيةً يومًا، على الرّغم من أنني كنتُ وحيدًا دائما؛ وحيدًا، لا مُتوَحّدًا ولا مستوحدًا ( وإن كنتُ أسعى إلى ذلك) أنّى لي أن أكون كذلك وأنا لستُ بإله؟ فدَومًا ما كانت تجتاحني بين الفينة والأخرى، تلك الحاجة إلى مشاهدة الآخرين والسّير مع الحشود ومحاولة التّماهي معهم دون الاحتكاك بهم أو محادثتهم، وغالبًا ما كنتُ أُلَبّي حاجتي هذه، حتّى أنعَم بالرّاحة والهناء؛ فذلك يمنحني شُحنةً من الخيالات والتّصوّرات أُسايِرُ و أحَصّن بها عزلتي.

بلا وَعيٍ أجدني أفكّر الآن في أحد الأصحاب: كان معتادًا على أن يتّصل بي دائما نهاية كل أسبوع حين يكون متفرّغًا من العمل. يحتاج إلى رفقة ولا بد.. لا يستطيع أن يقبع وحيدا مع نفسه من دون طرَف أو مُحوِّل خارجي.. اعتَدتُ أن ألبّي طلبه، لكنني كنتُ قد ضَجرتُ قبل أسبوعين، واكتفيتُ منه كما من كلّ شيء، ثمّ انسحبتُ إلى عزلتي..

بلا وعيٍ قلتُ، أجدني أفكّر الآن في اتّصاله.. فكرةٌ رديئة، أليس كذلك؟ ! آاه.. فيَا لتلك الْخَيبة التي تَلحقني لَمّا أنتهي منه وينتهي منّي؛ أجلسُ إلى نفسي دائما إثرَها خائبًا و مؤنّبًا: " ثلاثون سنة ولم تنجح في أن تستقلّ مع نفسك بعدُ.. ثلاثون سنة ولا زلتَ ترنو رفقةَ الآخرين، واللّهو معهم، وتزجية الوقت بمعيّتهم.. ثلاثون سنة... "

 آااه، يَا لَكَمّ الأوقات التي ضَيّعتُها رفقة الآخرين. 

الوقت اللّاضائع الصّرف، الذي أحسّ بأنني عِشتُه حقا، هو الوقت الذي أكون فيه لِوحدي في العزلة، أكاد ألمس صدر وأتحسّس روح كل ثانية تمرّ حينها.. أما رفقة الآخرين؛ فالوقتُ فيها هاربٌ وضائع وفارغ..

الرفقة خطيرة ( بنوعيها الواقعي والافتراضي)، مستنزِفة وساذجة؛ إنها تمنعني من أن ألمس الأمور والأشياء والتّصرّفات، من أن أستكشف أسطحها وما وراءها.. الانخراط في الرّفقة يجعلني نمطيا، مستغرِقًا، فاعلًا دون تفكير، وناظرًا دون بصر.. الرّفقة تبدّد طاقتي وحسب، تجعلني أمضي فقط.. كالكادحين.

أمّا العزلة فتمكّنني من أن أقف على الأمور والأحداث، تمنحني القابلية و الفاعلية لأن أكون ملاحِظًا ومتفحّصًا ومدقّقًا جيّدًا؛ لأن أكون "رائيًا"، منتهى ما كان يطمح إليه ذلك الزِّنجي الأبيض: " رامبو".

                            آهٍ أيّتها العزلة !.. وَ يَا لَخَيبتي.. أعِنّي يا اللّه.

لم تُسعفني أبدًا فكرة الأحول تلك، بل لَعلّها لم تزد طيني إلّا بَلّةً؛ فالأخذ بها لم يَجعلني سوى منقسمًا، لا هنا ولا هناك، لا حيث أريد ولا حيث لا أريدُ، وعلى سطح الاثنين معًا في نفس الوقت.. ( لا ضيرَ في كونه أحوَل، قصيرُ القامة ذاك !)

                            آاه ! امنحني بعضًا من خِصالكَ وَ قوّتكَ يا اللّه.


                             *********************************

                                                         ــ 3 ــ

مضطرٌّ أنا إلى أن أخرج إذن. لكنني صَمّمتُ على نفسي ألا تُجانس الآخرين، واقعًا هذه المرّة أيضا لا نظرًا فقط؛ فما أن تُطبّق أمرًا واحدًا، وطالما أنت في استمراريته، أي في خضمّ جَماحَة العَملِي، حتى يسهل عليك أن تُطبّق عملا آخر من ملحقاته، وآخَر و آخَر.. وكأنّ روحًا عمليةً ما تسكنك على حين غرّة من أمرك، وتستولي عليك.. فإنها لا تصعب إلا البداية كما يقولون.

المهم أنني أزمعتُ على نفسي ألّا تُجانس الآخرين، وألّا تنخرط أو تتفاعَل معهم في أي شأن، وأن أحتفظ بذلك بشيء من عزلتي وَوَحدتي.

سأخرج إذن.. لكن إلى أين؟ سأهيمُ في شوارع المدينة الهامشية غير السّابلة، وسأجلس في أحد المقاهي أو الحانات البعيدة جدا، بحيث لا يعرفني أحد؛ المعارف مُضرّون، والأصدقاء عقبةٌ في الطّريق يجب تنحيتها أو على الأقل تجنّبها..

الأجمل أن أظلّ وحيدًا لا مندمجًا في اليومي، ولا منغمسًا في الأشغال والحَلَقات والعلاقات والمواعيد والمحافل والأحاديث.. أن أجلس وحيدا مترَفّعًا عن كل ذلك؛ متدَبّرًا الوجود والحياة والنّاس ونفسي والعالمِ، بعيدًا عن مُنَغّصات الرّفقة ومُلهيات الرّفقاء؛ فالحياة لمّا تكون وحيدًا منعزلًا حقا، ومع بعض السّعي و الجُهد و الجَلَد، فإنّها لا تَلبَث حتّى تتبَدّى لك عاريةً تمامًا من شرفة غرفتها النّظيفة والمضاءة جيّدًا(*) ، غافلةً عمّا إذا كان هناك من ينظر أو يختلس النّظر إليها.

خَرَجتُ وأخذتُ أمضي في سبيل ما تَصَوّرته وسعيتُ إليه؛ جعلتُ أجوب الشّوارع الفرعية اللّا مُضاءة جيدًا مبتعدًا شيئًا فشيئًا عن الحي، مُنعطفًا مع أي شارع أو زاوية أو منعطف، وماضيًا طولًا على طول أي مَسلك أو رصيف.. فالطّريق هي التي تُحدّد الطّريق. أما أنا فمجرّد ماشٍ لا وجهة ولا قصدية لديه.

أخذ كل شيء يجري بحسب ما رَسمتُه في ذهني وخَطّطتُ إليه؛ فلم ألتق إنسانًا واحدًا يعرفني طِوال الطّريق، وما كنتُ لأتَحمّل ذلك. بَيدَ أنني لم أدخُل أيّة حانة، ولم أجلس بأي مقهى، فالمقهى الذي أبصره، تطرُدني وتَصدّني عنه أعيُن النّدّل ونظرات الجالسين.. ولم يضِرني ذلك في شيء، فقد كنتُ أمضي مستمتعًا بالخَطْو، وبالهواء المنعش الذي يَلج رئتَي ويخرج منهما.. كنتُ مغتبطًا بالمسير، فلَم أبال بأي شيء آخر..

إلا أنّني أخذتُ أشعر بالتّعب، فقد كنتُ أمشي لما يُناهز الثّلاث ساعات. وإذ بدَأ التّعب يتسَلّلُ إلى عضلات أطرافي وساقَي، اتّخَذتُ القرار بالعودة إلى المنزل؛ فالطّريق طويل، ولم يَتبَقّ لي من الطّاقة إلّا ما أتحامل به على نفسي وأصرفه في طريق العودة..

رُحتُ أغذّ الخُطى أَوْبَةً إلى المنزل، وفي الطّريق صادفتُ رجلًا كبيرًا في السّن، شيخًا ! كان يتقدّم أمامي مقابلَةً بخطًى بطيئة ومتشنّجة؛ له رأس كبيرة تتَرنّح بفعل المشي وملامح مراهق طائش: رأس مراهق حيوي نشط، في جسد رجلٍ هرِم ! هل هم البشر هكذا دائما وأنا فقط لا أنتبه إليهم أم أنني فقط لم أخالطهم ولم أذرَع الطّرق منذ مدّة مؤخّرًا فصاروا يتَبدَّون لي هكذا كشكل كاريكاتوري وغريب؟؟

                                  لا أعلم.. حقا لا أعلم.. فلْأكمل المسير..


                               ********************************

                                                       ــ 4 ــ

وها قد اقتربتُ من المنزل أخيرًا. سأدخله، و سأَرتاح.. سَأنام.. نعم سَأَ... آااه، لكنه.. تبا.. إنه تامر هذا الذي عند باب الحي.. نعم إنه هو، لا أكاد أخطِئ هيئته.. فأنا أعرفه جيدا.. يزورني من مدّةٍ إلى أخرى، حين لا يجد من يَجلس معه ويتحَدّث إليه؛ حين يكون الكلّ مشغولا عنه. أو عندما يُصاب بخيبةٍ عاطفية هو الآخَر، فَيَأتيني ويقصّ عليّ حكايتَه.. لا يُخبرني بخيبته مباشرةً، لكنّه يظلّ يتَبَرّم أمامي ويشتكي من الأصدقاء والعائلة والعلاقات والخيانة والغدر وعدم التّجانس ونُدرة التّفاهم... لا يهمّه ما أقولُ ما دُمتُ مصغيًا ومتجاوبًا ومصادقًا على كلامه، ولأنني أدرك خِصاله هذه، فإنني لا أقول له إلّا ما يَوَدّ سَماعه.. ولذلك فهو يُكثر من التّردّد علَيّ في بعض الأحيان، حينما تكثُر عليه الخيبات.

حاولتُ أن أرجع أعقابي، لكن فات الأوان؛ فقد أبصرني. هُوَ ذا يرقبني و أنا أتقدّم.. سأمرّ من تلك المساحة بجانبه دون أن أقول شيئًا، سأخفض رأسي وسأمضي مُتصنّعًا عدم رؤيته.. لكنّه يناديني، لكنني لم أَسمعهُ، أَوَسَمعتُ؟ ! إنني لا شكّ ساهٍ مع أفكاري ولن ألتفت.. لكنّه يُعاود النّداء، هذه المرّة بصَوتٍ أعلى.. الأصَمّ فقط من يمكنه ألّا يَسمَعَ هذه الصّيحة من هذه المسافة، فَلْأكن أَصَمَّ أو أَطرشَ إذن.. لكنني لم أستطع.. التفَتُّ فإذا هو قادمٌ نحوي بابتهاجٍ وَ حبور:

ــ ما بكَ أيّها الصّديق؟

ــ لا شيء. ( أجبتُ متظاهرًا)

ــ جيد.. لقد كنتُ جالسًا في المنزل، فَتفكّرتك على حين غرّة.. وقلتُ؛ لِم لا أزوركَ.. طرقتُ الباب ولم يُجبني أحد.. لا شكّ أنك كنتَ خارجًا !

ــ نعم، ذلك ما يبدو.. وإنني متعجّل الدّخول إلى المنزل لغرض معين، فهل تدخل معي؟

حاولتُ أن أَصدّه بذلك بلطفٍ لكنّه أجاب:

ــ حسن.. لا مشكلة، سأنتظرك إلى أن تخرج.. لا تقلق خُذ راحتك..

تقدّمتُ خطوةً، ثمّ تراجعتُ:

ــ أَوَ تَعلم؟ إذا كنتَ ستنتظر، ستنتظر، ولابدّ.. فانتظرني في الدّاخل أحسن.. هيا.

دَلَفنا المنزل؛ عرضتُ عليه الجلوس في الصّالون، ثمّ توجّهتُ مباشرةً نحو المطبخ. اتّكأتُ بمرفقي على المَبسط الرّخامي للمطبخ، قبالة الصّنبور، وبعض الكؤوس والسّكاكين والملاعق والصّحون المغسولة متنوّعة الحجم، ثمّ طرقتُ مفكّرًا في خيبةٍ وحنق:

" لِمَ لَمْ أستطع أن أكون وقحًا، فَظًّا وصفيقًا.. لِمَ لَمْ أستطع أن أردّه.. أن أكون جافًّا وخشنًا وقاسحًا معه كما يقولون.. لَمْ أستطع.. آآاخ يَا لَلتّصنّع و يا لَلْمداهَنة و يا لَلابتذال.."

كنتُ أتمَيّزُ غيظًا وعلى وشك الانفجار حين وَجدتُني متوَجّهًا نحو الصّالون، وفي يدي قطعة حلوى صغيرة كنتُ أحتفظ بها في المطبخ.. قَدّمتُ قطعةَ الحلوى تلك لِتامر، فتقبّلها بامتنان مزعج، وما إن تَلَقّفها من يدي حتّى انقضضتُ عليه بسرعة خاطفة، وحززتُ عنقه بوساطة سكين متوسّطة الحجم كنتُ قد حملتُها معي بدون وعي من المطبخ كذلك..

  إذا لم أستطع أن أحرس عزلتي صفاقةً وفظاظةً فسأحرسها فَتكًا.. والعاقبة للزائرين. 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) في إشارة إلى قصّة "A Clean, Well-Lighted Place" لإرنست هيمنغواي.


  • 1

   نشر في 23 أبريل 2022  وآخر تعديل بتاريخ 30 أبريل 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا