رأس المـــال الاجتماعـــي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رأس المـــال الاجتماعـــي

ودوره في تعزيز الصمود المجتمعي وقت الأزمات

  نشر في 21 مارس 2019 .

- تمهيد:

لقد أدرك الإنسان أن التنمية الحقيقية هي التي تبدأ بتنمية الإنسان لنفسه ولا تستديم هذه التنمية إلا إذا كانت تنمية شاملة وعادلة. وبعد عقود طويلة من الزمن اعتقد فيها الإنسان أن تطوره وارتقاء حياته مرهون فقط بالأمور المادية، وبما يستطيع تراكمه من أموال وثروات، جعله يغتر بما حققه، فأصبحت عقيدته أنه يمكن النمو بلا حدود، وأن فهمه المادي لرأس المال هو سر ما يحققه في وجوده.

إلا أن فشل بعض عمليات التنمية الشاملة والمستدامة هي التي فرضت على الإنسان، أن يعدل من فهمه لرأس المال، ففي عقله رأس المال، وفي روحه رأس المال، وفي نفسه رأس المال، وفي علاقاته مع الآخرين رأس المال، وفي بيئته الطبيعية رأس المال، وحتى في أحلامه وخيالاته رأس المال، وهو ما أطلق عليه مجموعة من علماء الاجتماع رأس المال الاجتماعي Social Capital.

فلا يمكن تصور حدوث تنمية حقيقة في مجتمـع يعـاني مـن ضـعف الاندماج الاجتماعي بين جماعاته المختلفة دينية كانت أو عرقية، أو حتـى قبليـة أو عـشائرية وعائلية. ويزخر العالم العربي والإسلامي بنماذج عدة لدول رغم مواردها الواعدة إلا إن ضعف التواصـل بين الجماعات المختلفة داخلها والتناحر بينها والذي بلغ الحرب الأهلية في العديد مـن الحـالات ألقى بظلاله على مستوى التنمية في هذه الدول مما أدى إلى فشلها.

والعبرة ليست في التعدد بحد ذاته، فكل المجتمعات بلا استثناء تشهد تنوعـاً واختلافـاً بين جماعات عدة، ولكن المهم هو مدى شعور هذه الجماعـات أو إحـداها بـالاختلاف وعـدم الرضا، ومن ثم ضعف روابطها واندماجها مع الجماعات الأخرى. حينئذ تبرز ما يعرف بأزمـة التكامل القومي، وهي أقصى درجات التراجع لرأس المال الاجتماعي للمجتمع.

ويعتبر التماسك والترابط بين أفراد المجتمع عاملاً أساسياً لتحديد مدى قوة الدولـة وقـدرتها على تجاوز الأزمات المختلفة التي تواجهها، ورد العدوان الخارجي حال حدوثـه. فبقـدر وحـدة المجتمع ومتانة الروابط والعلاقات بين أفراده بقدر قوة الدولة وقدرتها على مقاومـة أي محاولـة خارجية للنيل منها. فالعامل الخارجي لا يمكن أن يحقق أهدافه ويؤتي أثره إلا في مجتمع تـسوده الفرقة والعداء بين أفراده.

ويشكل رأس المال الاجتماعي مصدراً من المصادر المجتمعية التي تربط المواطنين وتوحدهم، وتمكنهم من مسايرة أهدافهم بصورة أكثر فعالية، إذ تتحكم في إرادة المواطنين وتدعوهم للتعاون مع بعضهم البعض للاشتراك في مناحي الحياة بأسلوب جماعي.

1- مفهوم رأس المال الاجتماعي:

إن إحدى الإشكاليات الأساسية التي تواجه مفهوم رأس المال الاجتماعي هي استخدام مصطلح رأس المال في مجال توصيف علاقات مؤسسية واجتماعية، وهو ما يرفضه بعض الباحثين، نظراً لأن الباحثين اعتادوا على مدار عقود على إطلاق المصطلح على الموارد المادية المباشرة، ثم على الموارد البشرية، وهي في نهاية الأمر تعبر عن ظواهر يمكن قياسها أياً كانت مادية أو بشرية.

أم العلاقات الاجتماعية وما تشمله من أبنية وقيم، فهي في رأي الكثيرين غير قابلة للقياس. ويعود هذا الرفض في جانب كبير منه إلى الإشكاليات التي تحيط بمفهوم رأس المال ذاته، حيث لاحظ أحد الباحثين أن المفهوم عبر مسيرته التاريخية تعرض إلى اختزال وسوء فهم مما جعله في النهاية مرادفاً للنقود في الأذهان وهو أبعد ما يكون عن معناه الحقيقي.

وفي هذا السياق سنحاول استعراض تعاريف بعض المفكرين لمفهوم رأس المال الاجتماعي:

- تعرف " روبرت ديفيد بوتنام " الذي يذهب إلى أن رأس المال الاجتماعي هو " إمكانية اكتساب الأفراد والجماعات للموارد نتيجة اتصال بعضهم بالآخر مع إمكانية استخدام تلك الموارد لإنتاج سلع معينة، وهو يدوم على المدى الطويل ويعيد تأكيد نفسه تحت ظروف مناسبة ويمكن أن يزداد مع الاستخدام ويتناقص مع قلة الاستخدام ".

- تعرف " فرانسيس فوكوياما " رأس المال الاجتماعي بأنه " قدرة الناس على العمل سوياً لتحقيق أهداف وأغراض مشتركة للجماعات والمنظمات "، وقارن فوكوياما بين عدد من الدول المتشابهة ثقافياً في محاولة شرح أسباب النجاح في التقدم الاقتصادي لبعض الدول، واستخدم مصطلح الولاء كمرادف لرأس المال الاجتماعي مما يرفع من درجة استجابة الأفراد للعمل والعمالة المتعادلة تنشط الاقتصاد وتدعم الرفاه الاقتصادي.

- تعريف " بيير بورديو " رأس المال الاجتماعي بأنه " الروابط والعلاقات الاجتماعية والقيم والأعراف لدى أعضاء أية جماعة المرتبطة بالموارد المتاحة، والمتوقع توافرها في المستقبل، وتساعدهم على تحقيق أهدافهم ".

- تعريف " البنك الدولي" بأنه " جملة من المعايير المؤسسية السائدة في مجتمع ما والقادرة على صياغة وتشكيل نوعية الحياة للفرد في المجتمع وهو أقرب ما يكون للمادة اللاصقة أو الغراء التي تشد أطراف المجتمع لبعضه البعض وتمنع انهياره وسقوطه ".

وعلى العموم يمكننا تعريف رأس المال الاجتماعي بأنه قدرة الأفراد على العمل معاً داخل شبكة من العلاقات المشتركة بما يؤدي إلى تعظيم قيمة العمل الجماعي وتحقيق الترابط الاجتماعي والقدرة على التواصل والاندماج والثقة في الآخرين، ويعد رأس المال الاجتماعي أحد الموارد الهامة في أي مجتمع من خلال تحويل الفرد إلى عنصر فاعل يساهم في تحقيق النهضة المجتمعية.

ويمكن قياس قيمة رأس المال الاجتماعي بمجموعة من المؤشرات، منها عدد منظمات المجتمع المدني، وعدد الأعضاء العاملين بها، وكفاءة العلاقات داخل هذه المنظمات نفسها وكذلك بين المنظمات بعضها البعض، ومن ثم فإنه كلما زادت عدد منظمات المجتمع المدني من نقابات واتحادات وجمعيات وأندية، وازداد عدد المنضمين إليها والفاعلين بها، ودورها الاجتماعي في تفعيل دور الفرد في الخدمة العامة، وتعبئة الأموال للأغراض الخيرية والتنموية كلما تعاظم قيمة رأس المال الاجتماعي ودوره في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.

2- أهمية رأس المال الاجتماعي:

تتضح أهمية رأس المال الاجتماعي من خلال زيادة مستوى الثقة بين الأفراد، و وجود القيم والأهداف المشتركة، وتكوين علاقات إيجابية وتبادل الخبرات، وتطوير رأس المال الفكري، وكفاءة إدارة العمل الاجتماعي، وبالتالي القدرة على حل المشكلات، وتحقيق الصالح العام، وتوطيد العلاقة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي.

فكلما استطاع الأفراد تطوير شبكات اجتماعية وتنظيمية، كلما استطاعوا تطوير قيم وأهداف مشتركة، وكلما زادت مستويات الثقة بينهم، وكلما ازدادت قدرتنهم على العمل المشترك، وهنا فإن رأس المال الاجتماعي يسهم مساهمة فعالة في تنمية رأس المال البشري. كما أنه يساعد على إكثار العلاقات الإيجابية والقيم الإيجابية التي يستطيعون من خلالها تحقيق أهدافهم ، وأهداف الجماعة التي يعيشون في كنفها. وعليه فإن رأس المال الاجتماعي يساعد على التعاون ومساعدة الآخرين من خلال الثقة المشتركة، وتحقيق الصالح العام حيث يعتقد الأفراد بأن جهودهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، وبالتالي فإنه من المحتمل وجود أخطار في المجتمعات التي تفقد الكثير من رأس مالها الاجتماعي. 

3- أشكال رأس المال الاجتماعي:

يُنظر إلى رأس المال على أنه اجتماعي الأصول من خلال اتصالات الجهات الفاعلة والوصول إلى الموارد في الشبكة أو المجموعة التي هم أعضاء فيها.

ومع ذلك، فإن نقاط الاتصال للتحليل في هذا المنظور، هي كما يلي:

1. كيف يستثمر الأفراد في العلاقات الاجتماعية.

2. كيف يلتقط الأفراد المضمنة الموارد في العلاقات لتوليد عائد. فعلى سبيل المثال، هناك من يرى بأن لدى الفرد نوعين من الموارد يمكن له الوصول إليها واستخدامها: الموارد الشخصية والاجتماعية مصادر. الموارد الشخصية: هي الموارد التي يمتلكها الفرد ويمكن أن تشمل ملكية المواد والسلع الرمزية أيضاً ( على سبيل المثال، الشهادات والدرجات ). الموارد الاجتماعية: هي الموارد التي يتم الوصول إليها من خلال الاتصالات الاجتماعية للفرد. اعتماداً على الكثافة والتنوع في صلاتهم الاجتماعية، أي أن لدى الأفراد مصادر للتفاضل الاجتماعي.

بناء على سبق قدمت العديد من الدراسات لتصنيفات رأس المال الاجتماعي. ويستند كل تصنيف إلى معايير بعينها، أو مدخل محدد في تناول الظاهرة. وعلى سبيل المثال، قدم البنك الدولي تصنيفه استناداً إلي الرابطة الاجتماعية التي تسهم في تكوين رأس المال الاجتماعي، وذلك على النحو التالي:

أ‌- رأس مال اجتماعي رسمي: ويشمل الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تتكون في إطار أبنية اجتماعية رسمية كالمؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني.

ب‌- رأس مال اجتماعي غير رسمي: وقصد به مجموعة الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تتكون في إطار الأبنية الاجتماعية التقليدية غير الرسمية، كتجمعات الجيرة والأصدقاء، ويسهم هذا النوع في تكوين نمط من الثقة لا يحفز على المشاركة في شؤون المجتمع، ولا يتجاوز حدود العلاقات الأسرية، وشبكات القرابة.

ت‌- رأس مال اجتماعي عابر: ويتمثل في الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل في إطار أبنية اجتماعية متنوعة, ولا تقوم هذه العلاقات والشبكات على الروابط التقليدية, كالدين أو العرق أو النسب وإنما تعتمد على ارتباط أعضائها بمجموعة من الأهداف العامة, ويساهم هذا النوع في تكوين نمط من الثقة المجتمعية المعممة          " Generalized Social Trust " والتي تدفع المواطنين للمشاركة في شؤون مجتمعهم .

ث‌- رأس مال اجتماعي رابط: وينصرف إلى الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل في إطار أبنية اجتماعية مغلقة, وتعتمد هذه الشبكات والأبنية الاجتماعية على الروابط التقليدية ولا تتولد لدى أعضاء هذه الشبكات رغبة في المشاركة خارج نطاق جماعتهم, وذلك لتكون نمط من الثقة الفردية أو الشخصية " Personalized Trust ".

ومع ذلك إلا أنه لا يوجد خط فاصل بين رأس المال الاجتماعي العابر والرابط, فهناك إمكانية لتحول الرابط إلى العابر من خلال التفاعلات الاجتماعية, ويضرب مثال على ذلك ببعض المشاريع التجارية الصغيرة التي تعتمد في إدارتها على العلاقات والروابط الاجتماعية المباشرة كالأقارب والأصدقاء والجيران ( رأس مال اجتماعي رابط ) في الحصول على كافة الاحتياجات الأساسية للمشروع, ولكن بمرور الوقت ومع اتساع النشاط يبدأ أصحاب تلك المشروعات في تكوين روابط اجتماعية أخرى خارج حدود جماعتهم التقليدية من خلال اكتساب عدد من المهارات والأدوات ( رأس مال اجتماعي عابر ).

4- معوقات تراكم رأس المال الاجتماعي :

في حقيقة الأمر هنـالك العـديد مــن المعــوقات التي تعـتـرض تراكم ونمـو رأس المـال الاجتماعي داخل المجتمع الإنساني ويمكن القول بأن تلك المعوقات يمكن إرجاعها إلـى عوامـل فردية وأخرى مجتمعية.

وفيما يتعلق بالعوامل الفردية والتي قد تشكل عائقاً أمام تكوين رأس المـال الاجتمـاعي، فإنه يمكن القول بأنه إذا كانت النساء تلعب دوراً على مستوى خلق قيم رأس المال الاجتمـاعي، فإنها أيضاً تلعب دوراً على مستوى هدرها، حيث يشير البعض إلى عمل المـرأة باعتبـاره مـن عوامل هدر رأس المال حيث لم تعد قادرة على المساهمة في تدعيم التعـاون والتـضامن عبـر الزيارات والمشاركة الاجتماعية نتيجة لانشغالها بأعباء العمل داخل وخـارج المنـزل، كمـا قـد ينظر البعض إلى النساء باعتبارهن مفسدات للعلاقة بين الأقارب والأخوة.

وبالإضافة إلى ما سبق يشير " بوتنام " إلى دور التليفزيون في هدر رأس المال الاجتماعي، حيث ينشغل الأفراد بمشاهدة التليفزيون أوقاتاً طويلة وبالتالي لا يوجد لهم وقت كـاف لممارسـة الأنشطة الاجتماعية والمتمثلة في الزيارات وإقامة العلاقات الاجتماعية مع الجيـران والأصـدقاء وتوطيد العلاقات مع الأقارب. ناهيك عن الدور السلبي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في هدر مفهوم رأس المال الاجتماعي إذا استخدامها بطرق سلبية لا تخدم النفع العام.

أما عن العوامل المجتمعية والتي لها دور في هدر رأس المال الاجتمـاعي، فإنـه يمكـن القول أنه في ضوء التحولات المجتمعية المحلية والعالمية قد حدثت تغيرات داخل الأسـرة عنـد خروج المرأة للعمل ووجود مؤسسات أخرى أصبح لها دور فـي عمليـة التنـشئة الاجتماعيـة وتأثير ذلك على مضامين القيم الإيجابية الداعمة لتكوين رأس المال الاجتماعي، بالإضـافة إلـى انشغال الأسرة طوال الوقت للوفاء بالاحتياجات المادية لأفرادها وما يـستلزمه ذلـك مـن زيـادة ساعات العمل وذلك على حساب أوقات الفراغ التي يمكن استثمارها في إقامة وتوطيد العلاقـات الاجتماعية مع الآخرين، بالإضافة إلى انتشار مجموعة من القيم السلبية المناهـضة لتكـوين رأس المال الاجتماعي والتي تتمثل في النزعة الفردية والسلبية واللامبالاة والانعزالية، فكل ذلـك إنمـا يضعف الفرصة لإقامة العلاقات الاجتماعية والتي ينظر إليها على أنها بمثابة المادة الخام لـرأس المال الاجتماعي.

وبالإضافة إلى ما سبق فإنه إذا انتقلنا إلى مؤسسات المجتمع المدني فهنـا ضـعف فـي نسبة المشاركة من جانب أفراد المجتمع حيث تعجز بعض هذه المؤسسات عن تشبيك نفسها فـي الحياة اليومية لأفراد المجتمع، وبالتالي عدم قدرتها على استيعاب هؤلاء الأفراد داخـل انـشطتها، بالإضافة إلى ديكتاتورية أسلوب الإدارة ورسوخ القيادات في أماكنها لـسنوات طويلـة نتيجـة لغياب الممارسة الديمقراطية في العديد من تلك المؤسسات. كما يشكل غياب الثقـة في هـذه المؤسسات من جانب أفراد المجتمع عائقاً كبيراً في انضمامهم إليهـا والقيـام بـأدوار مجتمعيـة تساهم في تحقيق التقدم والتطور للمجتمع.

وأخيراً أثر الحروب والنزاعات السياسية والطائفية وما يعقبها من مظاهر النزوح على رأس المال الاجتماعي فمن أهم آثارها السلبية البنيوية، ما يلي:

o الخسائر الكبيرة في الموارد البشرية (وفيات، إصابات، اضطرابات ما بعد الأزمة، وغيرها).

o تدمير البنية التحتية المادية، سواء في القطاع العام أو الخاص.

o تدني واسع في قطاع الخدمات ( التعليم، والصحة، وغيرها ).

o استهداف منظم لمنظومات القيم والمعايير وتعاظم خطر مغذيات الكراهية.

o زيادة العداء بين أطراف الصراع السياسي والتباس العلاقة بين المواطن والدولة وعدم الثقة بها.

o تغييرات واسعة في الاقتصاد، بما في ذلك التغيرات في سياسة الدولة الاقتصادية والبطالة والملكية.

o التهجير القسري والتغيير الديموغرافي للسكان ( زيادة الحراك والنزوح ).

o سياسات الإقصاء والتهميش لشرائح فاعلة في المجتمع.

o تدهور واضح في المؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة والضبط الاجتماعي.

o ضعف الأمن وانهيار سلطة القانون والنظام.

o ممارسات الاعتقال والحجز وما تركته من آثار نفسية واجتماعية على أوضاع الفرد والأسرة والمجتمع.

o ضعف كفاءة المؤسسات الإصلاحية (الأحداث والبالغين) وقدراتها.

o الفساد المالي والإداري.

o التشظي والانقسام على صعيد الأسرة والمجتمع المحلي.

5- دور رأس المال الاجتماعي في تعزيز الصمود المجتمعي وقت الأزمات:

كما هو معروف لدينا يشكل رأس المال الاجتماعي حجر الزاوية في رسم السياسات الناجعة للوقاية والحد من الخسائر الناجمة عن تراكم الأزمات، ليشكل بالنتيجة الأساس الصلب لصمود المجتمع واستقراره، وتخفيف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية عن كاهله.

بذلك تصبح مظاهر رأس المال الاجتماعي أكثر أهمية للمجتمع حينما يفتقد نظام درء المخاطر، وتخفيف الصدمات للموارد المادية، وضعف القدرات البشرية، و وضوح الرؤية والاستجابة للآثار الناجمة عن الأزمات.

بناءاً على ما تقدم يصبح رأس المال الاجتماعي أكثر أهمية للتخفيف من الصدمات ودرء المخاطر وبناء مجتمع المنعة، عندما تعاني الدولة من أزمات مالية، وتشظي في بُناها الاجتماعية، وتفكك في منظومات صنع السياسات العامة التي تحكم وتحدد كيفية التخطيط والاستجابة للكوارث والأزمات، ومن ثم يصبح رأس المال الاجتماعي محوراً رئيساً وصمام أمان المجتمع للتأمين ضد أخطار محدقة، وتيارات متربصة، ومنع الانزلاق والتشظي، والحد من خسائر يدفع ثمنها الجيل الحالي والأجيال اللاحقة، وبالتالي يشكل حجر الزاوية في قدرة المجتمعات المحلية على المطاولة، وتمكينها من الرد الحضاري المناسب.

يُعرف الصمود بأنه " قدرة النظام أو المجتمع المعرض للمخاطر على المرونة في مقاومة المخاطر واستيعابها والتعافي من آثارها في وقت قياسي، وبطريق ومسالك فعالة، بما في ذلك حفظ البنى والوظائف الأساسية واستعادتها ".

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف تؤدي مكتسبات رأس المال الاجتماعي إلى تعزيز مفهوم الصمود المجتمعي ؟

في حقيقة الأمر تتم هذه العملية باختصار من خلال ما يلي:

العمل التطوعي القوة الحقيقة لتحريك المجتمع: حيث تعد المشاركة المدنية الفعالة في أشكال تطوعية مترابطة واحدة من أهم الاستجابات المجتمعية للتهديدات.

يرتبط العمل التطوعي وبقوة بالمشاركة في جميع أنواع النشاطات والفعاليات المدنية التي تميّز الحياة المجتمعية المنظمة، ومع ذلك، يظهر العمل التطوعي أيضاً نتيجة للجهود الذاتية المنظمة التي يقوم بها أعضاء المجتمع الذين يعملون للمصلحة المشتركة في عالم مترابط متساند، وهو فعل يعكس مستويات التضامن والدعم في أوقات الأزمات التي يشكلها مفهوم رأس المال الاجتماعي.

الدمج الاجتماعي للفئات الهامشية: تفترض عمليات الاندماج الاجتماعي - التي هي أحد مفرزات رأس المال الاجتماعي - أن المشاركة الاجتماعية على نطاق أوسع تؤدي إلى تمكين الأفراد، وتحقيق نتائج إيجابية على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن المشاركة - بلا شك - تقع في صميم مفهوم الاندماج الاجتماعي نتيجة لحصول المواطنين على الحقوق، التي تعني المشاركة الفعالة من اللاعبين الاجتماعيين المحرومين. وإن جودة رأس المال الاجتماعي ومستوياته هي، من بين أمور أخرى، التي تتجلى في عمليات الاندماج الاجتماعي الشاملة في المجتمع، وبالتالي فإن مرونة المجتمع المحلي وصموده يحددان من خلال وضع الاندماج الاجتماعي في المجتمع.

تُعدُّ الجهات الفاعلة الرئيسة المعنية بالتخفيف من مخاطر الكوارث والأزمات المحلية المنوط بها ورعاية الفئات الهامشية في التخطيط والاستعداد والاستجابة والانعاش خلايا إدارة الأزمات المحلية بالتعاون مع القوى الفاعلة فيه، إذ يقدم أعضاء مراكز العمل والخدمة الاجتماعية والخدمات والمرافق الصحية، معلومات عن السكان من الفئات الهامشية، ويشكلون العناصر الفاعلة الرئيسة حينما تبرز الأزمة، ولعل أبرز هذه الجهات مكاتب الهلال الأحمر وفروعها كونهم لاعبين مهمين، ولاسيما في مرحلة الإخلاء ومراعاة وضع السكان من المحتاجين لاحقاً.

الثقة فضيلة اجتماعية معززة للصمود وبناء المنعة: يعكس مفهوم الثقة مؤشراً شاملاً للكيفية الاجتماعية التي يتجلى فيها رأس المال الاجتماعي في المجتمع الطريقة التي يتم فيها تبادل المعلومات والشراكات، ويمارس العمل التطوعي، ويعزز الاندماج الاجتماعي. الثقة - إلى جانب قواعد الدعم والمعاملة بالمثل- هي جوهر الشبكات الاجتماعية وما ينتج عنها من عمليات وتفاعلات، وعلى هذا النحو، تؤثر الثقة على حيوية المجتمع ومرونته وصموده أمام أنواع مختلفة من المخاطر الصدمات، فالثقة هي اختبار حقيقي لمستوى رفاه المجتمع، وإن المستويات العالية من الثقة تبين أن العلاقات غير الرسمية فاعلة بين الأسرة والجيران والأصدقاء تدعم رد الفعل الفوري وتثيره في بعض الأحيان إزاء الأزمة على شكل تبادل للمعلومات، والتعاون، وتعزيز العمل التطوعي، فضلاً عن الرعاية التي تقدمها للأعضاء الذين يعانون من الهشاشة في المجتمع.

الشراكات قاطرة الترابط للوصول إلى الموارد والكفاءات: بقيت نماذج التنمية والتخطيط السابقة قائمة على مبدأ فرض تحقيقها من القمة إلى الأسفل، وبناءً على هذا التوجه تقلصت مساحة مشاركة الناس، وإطلاق طاقاتهم الخلاقة وقدراتهم على الإبداع والعمل والتعاون والنهوض. واليوم تكشف معطيات الواقع العراقي الحاجة الملحة إلى وضع رهانه في الناس وليس في الدولة، وأن تعمل الأخيرة على تهيئة البيئة التي تيسر لكل إنسان إيجاد فرصته في الإبداع في أطر اجتماعية تتسع باطراد، من أجل أن يتمكن الفرد من التفاعل مع غيره، والعمل، والمشاركة الإيجابية، فالمطلوب الخروج بالإنسان من حالة اليأس والشعور بالعجز والفشل والتهميش إلى المشاركة في صنع القرار المؤثر في حياته، وأن يستعيد دوره بوصفه هدف التنمية وصانعها.

إن المشاركة المنشودة تعني أن الناس يشاركون بفعالية في العمليات الإنسانية، الاجتماعية، الثقافية، والسياسية التي تمس شؤونهم، وأن يتمكن الجميع -على نحو ثابت ومقنن من الوصول إلى عملية صنع القرار وآلياته- وفي هذه الحالة تصبح المشاركة ضرورية لتحقيق التنمية الشاملة.

التواصلأدوات السيطرة الفاعلة على المخاطر: تعدُّ الاتصالات التي تربط بين الناس أحد أهم المظاهر الرئيسة لرأس المال الاجتماعي. واستناداً لهذه المعطيات، فإن جميع وسائل الإعلام يساعدون في عملية الاتصال. إنها لا تقتصر على تبادل المعلومات فحسب، بل تهدف أيضاً إلى التوصل إلى تفاهم متبادل، وفي هذا السياق، غالباً ما تعبّر الموثوقية والشمول وحسن توقيت المعلومات عن وجود فاعل لرأس المال الاجتماعي في مختلف مستويات المجتمع. وإن نوعية المعلومات وتبادلها بين مختلف الجهات وفئات المجتمع تشير إلى أي مدى تطورت الشبكات الاجتماعية، الرسمية وغير الرسمية، وكيف تؤدي وظائفها التنموية.

- الخاتمة:

يعدَ رأس المال الاجتماعي أهم أصناف رأس المال في العصر الحديث وأكثرها غموضاً على الإطلاق، وهو يختلف عن الصور الأخرى لرأس المال لأنه لا يوجد في الأشخاص ولا في الواقع المادي وإنما في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، فهو مجموعة من العلاقات والروابط الاجتماعية التي يكوَنها وينضم إليها مجموعة من الأفراد في إطار بناء اجتماعي ولخدمة أهداف مشتركة, ويُعدَ تراكم هذا الصنف من رأس المال مفتاحاً لنمط جديد من التنمية هي الأكثر إنسانية واستدامة في نفس الوقت.

وإن الأهمية القصوى لرأس المال الاجتماعي تنبع من كونه أحد العناصر المكونة لدالة الإنتاج بمفهومها الجديد والمركب، وهو ما يهيئ البيئة الصالحة لتحقيق التنمية الشاملة العدالة المستدامة, وعلى صعيد آخر يعزز رأس المال الاجتماعي الثقة واحترام التقاليد بين أفراد المجتمع, هذا على غرار مأسسة العمل الجمعي وتعزيز الديمقراطية عبر إحياء الشبكات المدنية وهو ما يتمظهر فيما سماه توكفيل "فن الترابط المدني" وتكريس الديمقراطية التساهمية ودولة الحق والقانون, كما أن الميزة الأهم لمسؤولية رأس المال الاجتماعي تتجلَى في الاقتصاد الكلي كونه يُيسر المعاملات الاقتصادية والتجارية ويخفض تكلفة نقل السلع والخدمات وهو الأمر الذي سيؤدي حتما إلى خلق نواة استراتيجية للوصول إلى تنمية بشرية مستدامة.

وفي النهاية يمكننا اعتبار قوة ومتانة روابط رأس المال الاجتماعي في مجتمع ما طوق النجاة من كل المخاطر الداخلية والخارجية التي تستهدف وحدة واستقرار المجتمع بالإضافة إلى حمايته من التفكك والانهيار والتشرذم.

                                    الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،،،،

                                                 نحو علم اجتماع تنويري/ حسام الدين محمود فياض


  • 1

  • د. حسام الدين فياض
    الدكتور حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية السوسيولوجية المعاصرة ( النظرية النقدية المعاصرة ) دكتوراه دولة من جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية، باحث في العلوم الثقافية واللغويات واللسانيات الاجتماعية ( عل ...
   نشر في 21 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا