_دفع الإيهام عن مدى حجية الإلهام_ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

_دفع الإيهام عن مدى حجية الإلهام_

ثالثا : شبه دعاة الإلهام

  نشر في 09 يونيو 2014 .



و بالنظر إلى شبههم و جدتهم يستدلون بالأدلة من الكتاب و السنة لكن كما قيل : النص صحيح و الفهم قبيح , و هذه الأدلة هي :

1- قصة موسى و الخضر :

إن المتصوفة عند عرضهم لقوله تعالى : " و علمناه من لدنا علما " يشيرون إلى أن هناك علما خاصا خص الله به بعض أوليائه الذين هم دون الأنبياء , كما خص الخضر بعلم دون موسى عليه السلام , يمدهم – الأولياء – به مباشرة دون واسطة رسل عليهم السلام و إلى هذا يشير أبو يزيد بقوله " أخذوا علمهم ميتا عن ميت ( إشارة منه إلى علم السند) و أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت" و هو غلط فاحش و فهم للأية بمحض الهوى و التشهي يتهاوى أمام الأدلة و البراهين النقلية و العقلية , فقياس الأولياء على الخضر منقوض من أساسه إذ الخلاف الحاصل بشأن الخضر إنما وقع في النبوة لا في الولاية و المسألة فيها قولان , أصحهما عند أهل العلم أنه نبي , و الدليل عليه ما أجرى الله تعالى على يديه من آيات و معجزات .

فمثلا قوله تعالى على لسان الخضر : " فأراد ربك أن يبلغا أشدهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربك و ما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا" فالأمر و المريد في الأية هو الله سبحانه , و ما الخضر إلا عبد من عباد الله , ممتثل و منفذ لأمره , بعد اطلاعه على بعض الغيب , و هذا لا يكون إلا لنبي من أنبياءه يقول الله تعالى : " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ......رصدا " و إلا فقل لي بربك هل يستطيع أن يقوم ولي من الأولياء بمثل ما قام به الخضر من خرق و قتل و ما أشبه ذلك ثم يعتذر لنا بمثل اعتذار الخضر عليه السلام حيث يقول لنا " فأراد ربك " أو يقول " و ما فعلته عن أمري " هل يكون هذا الإعتذار مقبولا منه. ألا إن الضمان و القصاص لازم هنا , و من ادعى غير ذلك فعليه بالدليل.

و قد بين الإمام الشاطبي في " الموافقات" أن من خصائص الشريعة عمومها لكل المكلفين في كل الأوضاع و الأحوال .

فلا يخرج عنها و لي و لا غيره بدعوى الكشف أو غيره, و أن العوائد الجارية ضرورية الإعتبار شرعا , فليس الإطلاع على المغيبات , و لا الكشف الصحيح بالذي يمنع جريانها على مقتضى الأحكام العادية و القدوة في ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم , ثم ما جرى عليه السلف الصالح رضي الله عنهم

ثم تعرض لقصة " الخضر" التي يحتج بها قوم على جواز الخروج عن ظاهر الشريعة لمن سموهم الأولياء , أو أهل الكشف , و قال فيها: "وقصة الخضر عليه السلام و قوله :" و ما فعلته عن أمري" فيظهر به أنه نبي, و ذهب إليه جماعة من العلماء استدلالا بهذا القول

و يجوز للنبي أن يحكم بمقتضى الوحي من غير إشكال , و إن سلم فهي قضية عين , و لأمر ما , و ليست جارية على شرعنا

و الدليل على ذلك أنه لا يجوز في هذه الملة لولي , و لا لغيره ممن ليس بنبي أن يقتل صبيا لم يبلغ الحلم, و إن علم أنه طبع كافرا, و أنه لا يؤمن أبدا , و أنه إن عاش أرهق أبويه طغيانا و كفرا , و إن أذن له من عالم الغيب في ذلك , لأن الشريعة قد قررت الأمر و النهي , و إنما الظاهر في تلك القصة أنها و قعت في مقتضى شريعة أخرى , و على مقتضى عتاب موسى عليه السلام , و إعلامه أن ثم علما اخر , و قضايا أخر لا يعلمها هو.

فليس كل ما اطلع عليه الولي من الغيوب يسوغ له شرعا أن يعمل عليه , بل هو على ضربين :

أحدهما : ما خالف العمل به طواهر الشريعة من غير أن يصح رده إليه , فهذا لا يصح العمل عليه البتة.

و الثاني : ما لم يخالف العمل به شيئا من الظواهر , أو إن ظهر منه خلاف فيرجع بالنظر الصحيح إليها , فهذا يسوغ العمل عليه , و قد تقدم بيانه .

فإذا تقرر هذا الطريق فهو الصواب, و عليه يربى المربي , و به يعلق هم السالكين , تأسيا بسيد المتبوعين رسول الله صلى الله عليه و سلم , وهو أقرب إلى الخروج عن مقتضى الحظوظ , و أولى برسوخ القدم , و أحرى بأن يتابع عليه صاحبه , و يقتدي به فيه, و الله أعلم [10].

و قبل الشاطبي بين شيخ الإسلام ابن تيمية بالأدلة : الغلط الذي وقع لأولئك القوم في الإحتجاج بقصة موسى و الخضر على مخالفة الشريعة , مجتهدا في رد ما فعله الخضر إلى الشريعة و مما ذكره, أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر , و لا أوجب الله على الخضر متابعته و طاعته , بل قد ثبت في الصحيحين : " أن الخضر قال له : يا موسى , إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه , و أنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه " و ذلك أن دعوة موسى كانت خاصة . و قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال فيما فضله الله به على الأنبياء, قال :" كان النبي يبعث إلى قومه خاصة , و بعثت إلى الناس عامة " فدعوة محمد صلى الله عليه و سلم شاملة لجميع العباد , ليس لأحد الخروج عن متابعته و طاعته , و الإستغناء عن رسالته , كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى و طاعته , مستغنيا عنه بما علمه الله .و ليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد : إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه, و من سوغ هذا , أو اعتقد أن أحدا من الخلق – الزهاد و العباد أو غيرهم – له الخروج عن دعوة محمد صلى الله عليه و سلم و متابعته , فهو كافر باتفاق المسلمين , و دلائل هذا من الكتاب و السنة أكثر من أن تذكر هنا .

و قصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة , و لهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل , وافقه موسى , و لم يختلف حينئذ , ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى لما وافقه[11] .

2- حديث أبي هريرة :

ذكر الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه (الإحسان) تحت عنوان " العلم علمان" أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :" حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم و عاءين من العلم : فأما أحدهما فقد بثثته , و أما الأخر فلو بثثته قطع البلعوم " قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء و أحوالهم و زمنهم . و قد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه و لا يصرح به خوفا على نفسه منهم كقوله :" أعوذ بالله من رأس الستين و إمارة الصبيان" يشير إلى إمارة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة " و قال : قال ابن المنير :" جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم , حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا و باطنا , و ذلك الباطن إنما حاصله الإنحلال من الدين ".

قلت – القائل ياسين – و لا يزال الخلاف في فهم حديث أبي هريرة قائما بين الصوفية و بين أهل الحديث , الصوفية يستدلون به على وجود علم خاص علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض أصحابه أمثل حذيفة و أبي هريرة دون بعض , يتعلق بما يسمى "علم الحقيقة " و المحدثون يسدون هذه الذريعة و ينكرون هذا التفسير مخافة أن يدخل على الدين ما ليس منه كما فعل الباطنية الكفار الذين تأولوا الدين من أوله إلى آخره زاعمين أن ظاهر الشريعة قشر و لباب , و ملهاة للعامة , و أن الحقيقة وراء مظاهر ما يتلى و ظواهر ما يفعل "

انظر رحمك الله كيف حاد ياسين بمريديه و قراء كتبه عن فهم ابن حجر لحديث أبي هريرة , محاولا إقناعهم بأن المسألة خلافية بين أهل التصوف و أهل الحديث , متجاهلا أن مذهب أهل الحديث هو مذهب أهل السنة و الجماعة , و المخالف لهم مخالف لأهل السنة و الجماعة و هذه مغالطة منه.

يقول ابن تيمية رحمه الله : " و كثيرمن هؤلاء الزنادقة و الجهال : قد يحتج على ذلك بحديث أبي هريرة " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم جرابين : أما أحدهما فبثتته فيكم , و أما الأخر فلو بتثتته لقطع هذا الحلقوم" و هذا الحديث صحيح , لكن الجراب الأخر لم يكن فيه شيء من علم الدين , و معرفة الله و توحيده , الذي يختص به أولياءه.

و لم يكن أبو هريرة من كبار الصحابة , الذين يخصون بمثل ذلك , لو كان هذا مما يخص به , بل كان في ذلك الجراب أحاديث الفتن , بين المسلمين , و من الملاحم التي تكون بينهم و بين الكفار , لهذا لما كان مقتل عثمان و فتنة ابن الزبير و نحو ذلك , قال ابن عمر : لو أخبركم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم , و تهدمون البيت و غير ذلك , لقلتم : كذب أبو هريرة , فكان أبو هريرة يمتنع من التحديث بأحاديث الفتن قبل وقوعها , لأن ذلك مما لا يحتمله رؤوس الناس و عوامهم[12] .

3- حديث حذيفة :

و كذلك قد يحتجون بحديث حذيفة بن اليمان و أنه صاحب السر الذي لايعلمه غيره , و حديث حذيفة معروف لكن السر الذي لا يعلمه غيره هو معرفته بأعيان المنافقين الذين كانوا في غزوة تبوك , و يقال: إنهم كانوا هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه و سلم , فأوحى الله ّإلى النبي صلى الله عليه و سلم أمرهم فأخبر حذيففة بأعيانهم , و لهذا كان عمر لا يصلي إلا على من صلى عليه حذيفة , لأن الصلاة على المنافقين منهي عنها .

و قد ثبت في الصحيح عن حذيفة , أنه لما تذكر الفتن , و أنه اعلم الناس بها بين أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يخصه بحديثها , و لكن حدث الناس كلهم قال : " و كان أعلمنا أحفظنا "

و مما يبين هذا : أن النبي صلى الله عليه و سلم كان عام الفتح قد أهدر دم جماعة , منهم عبد الله بن أبي السرح , فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليبايعه , فتوقف النبي صلى الله عليه و سلم ساعة , ثم بايعه , وقال : أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلي , و قد أمسكت عن هذا فيضرب عنقه ؟ فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله , هلا أومأت إلي ؟ فقال : ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين , فهذا و نحوه مما يبين أن النبي صلى الله عليه و سلم يستوي ظاهره و باطنه , لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه , كما تدعيه الزنادقة من المتفلسفة و القرامطة و ضلال المتنسكة و نحوهم .

4- حديث عمر:

و من شبههم التي يوردونها حديث عمر, وهو مخرج في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " قد كان في الأمم قبلكم محدثون , فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم " قال ابن وهب : محدثون أي ملهمون , و هذا صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن الشأن هو زعمهم أن الولي يجوز له أن يخرج عن ظواهر الشريعة و نحن نقول لهم هل تخطى عمر الشريعة في أي فعل من أفعاله ؟ إن كان كذلك فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، و هيهات ثم هيهات . قال ابن تيمية رحمه الله : و المحدث يأخذ عن قلبه أشياء , و قلبه ليس بمعصوم , فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم , و لهذا كان عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة رضي الله عنهم و يناظرهم و يرجع إليهم في بعض الأمور , و ينازعونه في أشياء فيحتج عليهم و يحتجون عليه بالكتاب و السنة , و يقررهم على منازعته و لا يقول لهم إنه محدث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني. ولهذا فأي أحد ادعى له أصحابه انه وليه لله وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله و لا يعارضوه و يسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب و السنة , فهو و هم مخطئون , و مثل هذا من أضل الناس , فعمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل منه و هو أمير المؤمنين , و كان المسلمون ينازعونه فيما يقوله وهو وهم على الكتاب و السنة , و قد اتفق سلف الأمة و أئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله و يترك إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و هذا من الفروق بين الأنبياء و غيرهم , فإن الأنبياء صلوات الله عليه و سلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل , و تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به , بخلاف الأولياء فإنهم لا يجب طاعتهم في كل ما يأمرون به و لا الإيمان بجميع ما يخبرون به , بل يعرض أمرهم و خبرهم على الكتاب و السنة , فما وافق الكتاب و السنة و جب قبوله و ما خالف الكتاب و السنة كان مردودا , و إن كان صاحبه من أولياء الله و كان مجتهدا معذورا فيما قاله له أجر على اجتهاده , لكنه إذا خالف الكتاب و السنة كان مخطئا و كان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع فإن الله تعالى يقول:" فاتقوا الله ما استطعتم " و هذا تفسير قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله حق تقاته " قال ابن مسعود و غيره "حق تقاته : أن يطاع فلا يعصى , و أن يذكر فلا ينسى و أن يشكر فلا يكفر " أي بحسب استطاعتكم فإن الله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"[13].

و بعد أن ذكرنا شبه القوم و نقضناها بما يكفي مستعين على ذلك بأقوال جهابذة العلماء نأتي إلى طامة أخرى من طوام القوم , و هي : التفريق بين علم الشريعة و على الحقيقة .

==========

يتبع


  • 1

   نشر في 09 يونيو 2014 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا