فيض خاطر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فيض خاطر

  نشر في 10 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2016 .

(1)

كيف صرت وطنيا ديمقراطيا؟

في بداية الثمانينات كنت طالبا بمعهد الصحافة أنتمي إلى خط الوطنيين الديمقراطيين. وكان هناك زعيم طلابي ينشط في الهياكل النقابية المؤقتة التي كانت وقتذاك تقوم مقام المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس الممنوع. كان هذا الزعيم الطلاّبي من تيّار يسمّي نفسه طلبة وطنيون ديمقراطيون دون صيغة التعريف. وهو أحد شقّي العائلة الوطنية الديمقراطية التي ستستمرّ في التفتّت والتشقق لتعطي المود والشود والوطج والوطد وغيرهم. وتلك حكاية أخرى تشكّل في حدّ ذاتها ظاهرة جديرة بالتحليل ولكن ليس هذا مجاله...

لم أختر أن أكون في الوطد (وتحديدا في مجموعة كلية الآداب التي تختلف مع الوطد مجموعة كلية الحقوق في مسألة هل نحن متعاطفون أم متبنّون لفكر الطبقة العاملة؟؟) ففيما كان رضا العتروس (رضا لينين) مدعوما بجماعة الإيكول نورمال يرى في النخب المثقّفة مجرّد متعاطفين مع فكر الطبقة العاملة بحكم تصنيفهم كبرجوازية صغيرة، كان شق كلية الآداب الذين يتزعّمهم طالب من كلية الحقوق (محمّد الهادفي) يرى أنّ النخبة الثورية منسلخة طبقيا ومتبلترة (prolitarisée) وبالتالي فهي تتبنّى فكر الطبقة العاملة وليست مجرّد متعاطفة معه، فهي طليعة الحزب الثوري ورأس حربته. ولهذا الطّرح انعكاساته التنظيمية والهيكلية على مستوى الحزب الثوري المنشود. كان رضا لينين ينادي بالعمل في الجبهة الثالثة أي جبهة العمل الثقافي، بينما كنّا في الطرف المقابل نسخر من شطحاته البرجوازية الصغيرة وتنظيره للميوعة وندافع عن أولوية العمل في الجبهتين السياسية والنقابية.

كان جماعة وطنيون ديمقراطيون بصيغة النكرة الذين سيصيرون لاحقا حزب العمل الوطني الديمقراطي بزعامة الراحل عبدالرزاق الهمامي، يدافعون عن مطلب الحريات السياسية والعفو التشريعي العام الذي كان في نظر فرعي الوطد (حقوق وآداب) مطلبا برجوازيا طوباويا، وبالتالي كان هؤلاء يدافعون على أولوية المسألة الوطنية بالقياس للمسألة الديمقراطية. ومن نتائج هذا الاختلاف أن كان الزعيم النقابي لمعهدنا ينادي بانتخاب الهياكل النقابية بعدما تخرّج أغلب مناضليها، بينما كنّا نحن ننادي بالتعزيز على قاعدة النضالية دون انتخابات حتّى لا نقدّم المناضلين على طبق لبوليس بورقيبة.

طبعا، كان هناك في الجامعة تيارات سياسية أخرى أبرزها النقابيون الثوريون وهم امتداد جماعة العامل التونسي التي يتزعّمها حمّة الهمّامي ومحمّد الكيلاني، والطليعة الطلابية العربية بزعامة خير الدين الصوابني (البعث العراقي) والطلبة العرب التقدميون الوحدويون الأحرار (الذين لم أستطع يوما فهمهم ولا تصنيفهم في خارطة التيارات الإيديولوجية، فهم ناصريون على قذافيون على عصمتيّون، على لست أدري ماذا؟ كان انطباعي عنهم أنّهم غوغائيون رغّاؤون بُصَاقِيُونَ شتّامون عصابيون حقودون مزايدون ... يلتقون مع الإسلاميين في المناداة بمؤتمر تأسيسي لمنظمة طلابية جديدة لا علاقة لها بالاتحاد العام لطلبة تونس ذي الأصول والتاريخ الدستوري)

وكان هناك أيضا الاتّجاه الإسلامي الصاعد بقوّة والمستفيد من تناحرات اليسار، ومن غضّ السلطة نظرها لخلق قوّة مضادّة تكبح سيطرة اليسار الذي طهّر الجامعة من الدساترة.

وكانت هناك أقليات أخرى من نوع الطلبة التروتسكيين والمجالسيين وطلبة الحزب الشيوعي الذين كنّا ننعتهم بالإصلاحيين ونمنعهم من الكلمة في الاجتماعات والتجمّعات، وجماعة نظرية العوالم الثلاث (علي المهذبي)، وغيرهم من النقاط الصغيرة المتناثرة هناك وهناك في اللوحة الفسيفسائية الكبيرة دونما تمثيلية تذكر.

قلت لم أختر أن أكون في الوطد، بل كنت أقرب ما أكون بحكم العاطفة إلى الفكر القومي. فقد عقدت العزم في قرارة نفسي، منذ حصلت على الباكالوريا وصرت أرى في نفسي شخصا مثقّفا ينتمي إلى النخبة، على أن أنشط سياسيا شرط أن لا أكون شيوعيا ملحدا مثل جماعة نادي السينما بقريتنا ولا إسلاميا مثل أولئك الذين نفّروني من الصلاة في مبيت المعهد. كنت أميل إلى ما كنت أعتبره منزلة بين المنزلتين: عاطفة عروبية في علاقة بمجد عبد النّاصر وبالجرح الفلسطيني النازف وبالحماسة والخطابة الشعرية (التي سأمقتها لاحقا)، وكفى الله المؤمنين شر التطرّف. وأمام اللاءات الثلاث التي وضعتها لنفسي "التخونيج لا، الإلحاد لا، التدستر لا"، لم يبق أمامي إلاّ الحِجْرُ أو الحضن العروبي أرتمي فيه، خصوصا وأنّني جنوبي أستبطن الإحساس بالضيم ووهم التفوّق في الشجاعة والبطولة على كل الجهات الأخرى. (أحنا الجود، أحنا الكرم، أحنا الشجاعة، أحنا الهمم... الكدّ في المناجم والمال في العواصم، إلخ.)

واليوم أحمد اللّه صبحة وعشيّا كلّما فكّرت في مآلي الفكري والسياسي لو اعترضني قائد قومي يوم وطأت قدماي الجامعة... كنت سأكون رفيقا لسالم لبيض وشبيها له لا قدّر اللّه...

من حظّي أن اعترضني ذلك القائد الطلاّبي من الهياكل النقابية المؤقّتة وانتبه بحسّه السياسي المتطوّر إلى جمّازة العمّال الزرقاء التي كنت أرتديها mon bleu de travail كعلامة انتماء إلى الحوض المنجمي واعتزاز بأصلي العمّالي.

كان هذا القائد يلعب على نرجسيتي ويعرف كيف يعزّز فيّ مناطق فخري. لكنّ جماعة الوطد من شق كلية الآداب الذين كانوا مسيطرين على معهد الصحافة كانوا قد فتحوا الحوار بنفس أساليب القائد الطلاّبي مع صديق لي قادم من نفس المعهد (وهو اليوم عضو بالمكتب السياسي لحزب الوطد الموحّد). كان صديقي هذا يختلف عنّي في كونه ريفيا طيّبا شديد البأس وقويّ البنية. صفات مثالية جعلت الوطد يركّزون عليه ويستقطبونه ثم يطلبون منه استمالتي. وقد وجدت أولى محاولاته استجابة منّي لما لمسته من انصراف الزعيم الطلاّبي عنّي بحكم مسؤولياته الطلابية الوطنية وعدم وجوده باستمرار في معهد الصحافة. قلت في نفسي "محسوب شنوّة الفرق؟ جات على الألف واللام؟ وطد ولاّ الوطد، كيف كيف... وبعد هذا ودونو لم أكن أستسيغ صيغة النكرة في اسمهم... فقد كان إدراكي وذائقتي اللّغوية يتلقيّانها كأنّما تعني أنّهم لقطاء (نكرة) بينما الأخرون معرّفون ومعروفزن... االحاصيلو، ما نطوّلش عليكم طلعت هبطت، لقيت روحي في الوطد، ندافع على أطروحات ماني فاهم منها ولا كعبة بحماس من له أقدمية سنوات في التيار... وبصراحة، الجماعة لقيت فيهم حضن دافئ لغربتي، متضامنين مع بعضهم رغم الفقر والميزيرية، وعلى كلّ حال الواحد عمرو ما يطيح مونك تيكيات راستورون ولا سواقر ولا كابوسانات. من غير ما ننسى القدر والهيبة قدّام الطلبة الأخرين.

وكانوا هاك السناقر متاع قيادات الوطد في ليبسي (l'IPSI) كلّ مرّة يمشّيولي كتاب من أساسيات الفكر الشيوعي: "البيان الشيوعي" (ماركس)، "المبادئ الأساسية في الفلسفة" (جورج بوليتزار)، "في التناقض (ماو تسي تونغ)، كتاب أزرق هو في الأصل محاضرة مترجمة لستالين يحكي فيها على مقومات الأمّة، نقد الفكر الديني (صادق جلال العظم)، المرأة والجنس (سلسلة كتب لنوال السعداوي)، الثالوث المحرم (بوعلي ياسين)، المادية الجدلية والمادية التاريخية (جورج طرابيشي)، آش باش نحكيلكم، قصف إيديولوجي مركّز... ماذا كنت أفعل بتلك الكتب؟ كيف كنت أجدها ؟ هل كنت أقرأها؟ هل كنت أفهمها؟


(2)

لماذا فشلت في الارتقاء إلى حلقة المناضلين؟

شهران أو ثلاثة كانت كافية كي أندمج في مناخ الجامعة ولكن ليس إلى درجة أن آخذ الكلمة في الاجتماعات العامّة باسم الخطّ. فذاك شرف يناله المناضل بعد إثبات سعة معارفه الإيديولوجية وقدرته على التحليل والحجاج وعلوّ كعبه في تعبئة الجماهير. وممّا ساعدني على الاندماج أن وجدت نفسي أتقاسم إقامة مشتركة مع أربعة زملاء بالمبيت الجامعي بضاحية بن عروس. مجموعة عمارات سكنية شعبية تسوّغها ديوان الخدمات الجامعية وحوّلها إلى حي جامعي يحيط به سياج وله باب رئيسي محروس. كل شقّة من غرفتين وحمّام ومطبخ تحوّلت إلى إقامة لخمسة طلاّب. أمّا الأدواش فقد جمّعت في مكان مركزي من المبيت حتّى يسهل التحكّم في استهلاك الماء وخصوص الساخن منه. بالإضافة إلى صديقي ورفيقي الذي جاء معي من المعهد الثّانوي وجدت نفسي أقيم مع طالب من صفاقس وآخر من المكناسي (جهة سيدي بوزيد) وآخر من جربة. وكانت تلك بالنسبة لي أولى دروس الحياة الجامعية ومكاسبها. أن تنفتح على غيرك وتتعايش معهم. كان الصفاقسي ميكانيكيا في عقلانيته وكالتاجر في براغماتيته. وكان للجربي بما يختزنه من ثقافة أهل الجزر وطبائعهم مكرُ الأقليات في إخفاء أوراقها وحذرها من أجل الحفاظ على البقاء. أمّا البوزيدي، فكان ألمعيّا في ذكائه ولكنّه أرعن لا يتحكّم في انفلاتاته السلوكية والانفعالية. من ذلك النّوع الذي يمكن أن يبيع ما يملك ويهمل عياله ويهجر الناس بسبب قصّة حب فاجأته في كهولته فلم يقو على ردّها. أمّا رفيقي ابن جهتي فكان طيّبا شجاعا ومخلصا لمبادئه، لا أكاد أجد له عيبا سوى نكرانه لذاته أكثر ممّا يجب وتسرّعه في الحكم والاستنتاج وثباته على المبدإ إلى حدّ المحافظة والأخلاقوية. أمّا أنا فكنت أعيش حياتي لحظة بلحظة، لم تكن لديّ قناعات ثابتة ونهائية. أجد لذّة في الملاحظة والمراقبة. وكم أطلت في ذلك حتّى فاتني اتّخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب. لم أكن من دعاة ردّ الفعل الفوري وأنصار المواقف الحدسية. آخذ وقتي في كلّ شيء حتّى يوقعني الوقت في مأزق أو يتصرّم في نعومة كحبّات الرّمل من بين الأصابع... كيف انتهى خمستنا اليوم، بعد خمس وثلاثين سنة ؟ الصفاقسي مدير عام بوكالة الاستثمارات الصناعية، والجربي صاحب أوّل إذاعة خاصّة وقد ورثها عن الطرابلسية، والبوزيدي صاحب معمل لمواد التنظيف تارة في صعود وتارة في هبوط، والقفصي ولد بلادي معلّم وعضو في المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد. وأنا مدرّس جامعي تزوّج بعد الخمسين ومعار في دولة خليجية من أجل شراء شقّة بتونس عجز عن امتلاكها بعد ثلاثين سنة من العمل.

كانت الجامعة تعيش زخما مثيرا من النشاط السياسي والحراك الثقافي. يتمثّل النشاط السياسي في تعليق نصوص حائطية وتوزيع بيانات وعقد حلقات تكوينية للمنتمين إلى الخط على مستويين (حلقات متعاطفين وحلقة مناضلين) وتوزيع الكتب الإيديولوجية، وعقد الاجتماعات العامّة والتجمّعات الكبرى meeting وتنظيم حلقات نقاش هي عبارة عن آغورا للمطارحات الفكرية والمنازلات النظرية وتنظيم الإضرابات الطلاّبية والمشاركة في المسيرات الطلاّبية أو الشعبية وخوض انتخابات المجالس العلمية.

أمّا الحراك الثقافي فكانت واجهته الكبرى عروض الموسيقى الملتزمة التي يتخلّلها إلقاء قصائد لشعراء معروفين بالتزامهم السياسي وبتقدّميتهم. وكان الطلبة أيّامها ينشطون بكثافة في نوادي السينما، فيتجمّعون عشية كلّ سبت بشكل لافت أمام دار الثقافة ابن رشيق. كان نجوم النشاط الثقافي لتلك المرحلة هم الشيخ إمام وفؤاد نجم (بأشرطة الكاسيت التي كنّا نحفظها ونردّدها في مرحلة أولى وبالحضور إلى تونس في مرحلة لاحقة)، فرقة البحث الموسيقي، فرقة أولاد المناجم، فرقة الكرامة، بلقاسم اليعقوبي، آدم فتحي، محمّد الصغيّر أولاد أحمد، كمال غالي، كمال بوعجيلة، عبد الجبّار العش (فرقة الحمائم البيض ظهرت في وقت لاحق).

كنت لا أتخلّف عن حضور الاجتماعات والتجمّعات العامّة وأتابع بانتباه حلقات النقاش وأقرأ بتركيز المعلّقات الحائطية الطويلة جدّا. لكنّني كنت تائها بين ماركس وأنجلز وكاوتسكي وفيورباخ ولينين وزينوفياف وستالين وتروتسكي وبليخانوف وجدانوف وماو تسي تونغ وشان كاي تشاك وهو شي منه وروزا ليكسمبورغ وجورج ديمتروف وأنور خوجة، وميشيل عفلق، وعصمت سيف الدّولة، وجورج طرابيشي وفيصل درّاج، ومنير شفيق، وسمير أمين، إلخ.

لم يسعفني إصراري على قراءة الكتب الإيديولوجية المترجمة ولا تركيزي أثناء حلقات النقاش وجدّيتي في قراءة النصوص الحائطية، لم يسعفني كلّ ذلك بما يساعدني على الفهم والاستيعاب بل كان على عكس ذلك يعمّق المتاهة ويزيد من تشابكها. لم يدم شكّي في حقيقة قدراتي الذهنية على الفهم والاستيعاب طويلا. فقد كانت ترجمات تلك الكتب التي يسلّمني إيّاها الرّفاق من الرّداءة في التركيب والتعبير وغياب التنقيط بما ينفّر أيّ قارئ ذي حسّ لغوي سليم من قراءتها. جمل بحجم فقرات لا تعرف لها بداية ولا نهاية، أخطاء مطبعية، مصطلحات غريبة وملغزة. أشرع في القراءة لكنّني سرعان ما أفقد التركيز وأتوه فتواصل عيناي ملاحقة الأسطر ولكن لاشيء ينفذ إلى الدّماغ. أكرّر العملية أكثر من مرّة دون جدوى، ويحصل أحيانا أن أجرّب القراءة بصوت مسموع عساي أنجح في التركيز، ولكن دون فائدة. وكنت أعاني من نفس الشيء في النصوص الحائطية التي كانت تمتاز عن الكتب بنبرتها التحريضية الواضحة وبلغتها الخشبية المحنّطة، فلا يذكر النظام إلاّ متبوعا بالكمبرادوري الرجعي العميل ولا تذكر السياسة التعليمية إلاّ منعوتة بالانتقائية ولا تذكر تونس دون ربطها بمصطلح القطر. وكنت أستغرب اهتمام بروفسور العلاقات الدولية الذي سيصير لاحقا أحد أبرز وزراء بن علي بتلك النصوص الحائطية. فقد كان كلّما حضر إلى المشربة ووجد بالصّدفة نصّا حائطيا إلاّ وقرأه من الأوّل إلى الآخر وناقش أصحابه فيه مثيرا فضول الطلبة ومتسبّبا في تجمهرهم حوله. هل كان يريد أن يفهم كيف يفكّر الطلاّب؟ أم هل كان يتجسّس عليهم؟ ربّما كان كلّ همّه معاكسة الفتيات لا غير... كنت أتحدّث عن الأستاذ عبد الوهاب عبداللّه.

أمّا الاجتماعات العامّة A.G.، فكانت فضاء للمناورة بأتمّ معنى الكلمة. يقتضي العرف أن يترأّس الاجتماعَ الطّرفُ الدّاعي إليه. ولكنّ ترتيبات الاجتماع من تحديد للرّئيس والموضوع وتوزيع للكلمة وأوقات التدخّل بل وتحديد لأماكن الجلوس. تذكّرني دائما بحنّة العروس، ينظّمها ليجمع الرشوق (الرّمو) فهو الذي (عن طريق أقاربه) يوجّه الدعوات ويترأّس الحفل ويوزّع المأكولات والمشروبات ويراقب حلبة الرّقص ويقصي الدخلاء والمتطفّلين. وككلّ سهرات الحنّة، يكون هناك دائما متطفّلون عربيدون يحضرون دون دعوة ويتظاهرون بالفرح للعروس وينزلون إلى حلبة الرّقص ف"يبردلونها" ويفسدون العرس. وتنفضّ السهرة بضارب ومضروب وبشنعة.

كنت أواجه مشاكل يبدو أنّها لم تكن تزعج غيري إلى حدّ جعلني أتساءل عمّا إذا كنت حالة شاذّة تُحْفَظُ ولا يقاس عليها. مشاكل كان رفاقي في البداية يعزونها إلى عدم نضجي السياسي والتكتيكي وإلى ضعف تكويني النظري. كانوا يبدون تفهّمهم لي ولكن لا أحد كان يقاسمني مشاكلي. كنت مثلا عاجزا على تلخيص كتاب لم أنجح في تجاوز صفحته الأولى والحال أنّني مطالب بعرضه أمام حلقة المتعاطفين يوم الأحد بالمبيت الجامعي... كنت كذلك لا أحتمل أن أغضّ النظر عن تجاهل رفيقي رئيس الاجتماع العام، لطالب بعثي ظلّ رافعا يده وقتا طويلا حتّى يسجّل اسمه في قائمة المتدخّلين أو عن تغيير ترتيب المتدخّلين بتقديم طالب إسلامي وتأخير رفيق يساري حتّى يسمع ما يقوله الإسلامي ويردّ عليه... كنت أعترض على هكذا سلوكيات علنا وأثناء الاجتماعات العامّة، ممّا جعل رفاقي يضيقون ذرعا بشطحاتي ويدعونني إلى الكفّ عن هذه الطيبة المسيحية البلهاء وينبّهونني إلى ضرورة الانضباط والتضامن الحزبيين...

فإذا أضفنا إلى كلّ ذلك أنّني من أنصار النّادي الإفريقي وأرغب في حضور مقابلاته بملعب المنزه يوم الأحد، وأنّني كنت واقعا في شراك تلميذة محجّبة عرفتها في مشربة المعهد، فهمنا حجم ورطتي تجاه رفاقي وأسباب تخاذلي في الوفاء بما أُلزِمْتُ به.

كيف وقعت في شراك تلك المحجّبة؟؟ كان معهد الصحافة يقع في تلّة مونفلوري قريبا من عدّة معاهد ثانوية كمعهد محسن العياري لترشيح المعلّمات الذي كانت قاعاته تطلّ على ساحة معهدنا ومعهد العلوية ومعهد أبو القاسم الشابي. وكان لاختصاص المعهد بريقا جذّابا للمراهقين والمراهقات من تلاميذ تلك المعاهد الذين كانوا يتقاطرون على معهد الصحافة في ساعات فراغهم كلّ لغرض في نفسه. هذه تأتي لتدخين سيجارة في فضاء من الحرية وذاك يأتي لحضور الاجتماعات وسماع الزعماء وتلك يهمّها أن ترى بعض الوجوه التلفزية المعروفة. وكان حضور التلاميذ يلاقي استحسانا لدى طلبة المعهد، كلّ لغرض في نفسه أيضا. فهؤلاء لمعاكسة المراهقات وربط علاقات بهنّ، وأولئك لاستقطاب قواعد جديدة...

قالت لي في جلسة بوح بعد سنوات من تخرّجي، وقد تخلّت عن حجابها: "كان إحساسي نحوك أقرب ما يكون إلى الشفقة منه إلى اي شيء آخر. فقد كانت جمّازتك الزرقاء ton bleu de travail التي لا تفارقك أبدا، وأسنانك الصفراء وبشرتك المحروقة وشعرك الأشعث كلّها تنبئ عن انحدارك من وسط شعبي وفقير." داريت الجرح الذي سبّبته لي بحديثها عن مظهري، ورددت عليها: "أمّا أنا فأكثر ما كان يشدّني إليك، هو تدخينك وأنت متحجّبة، ولمعة الجرأة في نظرتك التي لا تنسجم مع مظهرك المتديّن. كنت واثقا أنّ شخصية وتجربة فريدة تختبئان وراء ذلك الحجاب. سامحك اللّه فقد شتّتت تركيزي وجعلت رفاقي يرتابون في أمري ويحتاطون منّي"

وقد زاد من ارتياب الرّفاق في أمري أنّني لم أكن أساوم في حبّي للنّادي الإفريقي ولا أخفيه. بل تجرّأت مرة على الاعتذار صراحة عن حضور الحلقة التكوينية الإيديولوجية لأنّني ذاهب إلى مشاهدة مباراة الدّربي. كنت أذهب إلى حديقة النادي الإفريقي لمتابعة التمارين وأتأمّل عضلات اللاّعبين وهو يجرون وأصغي لأنفاسهم لمّا يقتربون من السياج السلكي الذي أقف وراءة لالتقاط كرة تائهة. كان هؤلاء يسمّون الخلصي والعبدلّي ورضا بوصحيح والهادي البيّاري ولطفي الرويسي... ومنها أنتقل إلى حديقة الترجّي الرياضي غير بعيد، لأتلصّص على تمارين الفريق المنافس وأقارن بين سرعة حسن فدّو ونبيل معلول وعادل لطرش وخالد بن يحي من ناحية والأولاد من ناحية أخرى. ولكنّني أبدا ما كنت أستسيغ أغاني الجمهور وأمتنع عن ترديدها لما ألمسه فيها من تملّق للّه الذي لا يمكن أن يكون إلاّ محايدا في مثل هذه المسائل (يا ربّي يا عالي، انصر الإفريقي) وبذاءة لغوية وذوقية ومزايدة في الفخريات...

أحمد اللّه أنّني شفيت من هوسي بالنّادي الإفريقي الذي لا يستحق أيّ إعجاب. ولكنّ ذلك تمّ بشكل متأخّر بعدما حسم الرّفاق في أمري ونزّلوا تصنيفي الإئتماني إلى درجات دنيا. ولكن ما حيلتي؟ فقد كان يجب أن أشفى من حبّ النّادي الإفريقي ليس بأمر حزبي، ولكن بقناعة ذاتية تدرك العقم الرياضي لهذه الفرق وأنّها فقّاعة عملاقة لإلهاء النّاس.

نفض منّي أغلب قادة الخطّ أيديهم، إلاّ رفيقي ابن بلدي، أو لعلّهم كلّفوه بمتابعة تأطيري معتمدا على قربه منّي... أذكر كيف أعلمني مرّة أنّه تقرّرت دعوتي إلى حضور حلقة المناضلين بكلية الآداب منّوبة، على بعد عشرة كيلومترات من وسط العاصمة. رأيت في ذلك تشريفا لي وأحسست بقيمتي لدى رفاقي واستجبت إلى الدّعوة كذلك بدافع الفضول. وجدنا حال وصولنا حلقة نقاش تضم جمعا غفيرا من الطلاّب المتحلّقين على العشب. فانضممنا إلى الحلقة في انتظار أن يتصرّف أحد رفاقنا من كلية الآداب ليوفّر لنا قاعة آمنة وسرّية للاجتماع فيها. ورغم أنّ مستوى المداخلات كان أرفع بكثير ممّا عهدته في معهد الصحافة، إلاّ انّ الحلقة بُرْدِلَتْ كالعادة وتحوّلت إلى حلبة كاراتيه بين الإسلاميين والوطد سطع فيها بالخصوص نجم أحد رفاقي من الساحل التونسي حيث وجّه ضربة رشيقة بخلف قدمه إلى متديّن مهتاج في مستوى الرّقبة طرحته أرضا. التحقنا بقاعة الاجتماع التي كانت في قسم التاريخ على دفعات صغيرة حتى لا نجلب الانتباه تحت حراسة عم الفاهم منظّف المبنى الذي اشتراه الرفاق بعلبة سجائر كريستال فسلّمنا مفتاح القاعة وأمّن وصولنا إليها. خرجت من تلك الحلقة وأنا على قناعة تامّة بأنّه لا مكان لي فيها. فأنا لم أقرأ حرفا واحدا حول القضايا التي ناقشها الرفاق. أحسست بالخزي والحنق على نفسي بأن وضعت نفسي في ذلك الموقف المحرج. وقرّرت أن أعرف قدري مستقبلا...

وجدت نفسي نتيجة لذلك أميل إلى الأنشطة الثقافية خصوصا بعدما حصلت على وظيفة مكتبي مساعد بالمعهد العالي للموسيقى في قلب العاصمة. وصرت أقضي أغلب وقتي في ما يسمّيه أصدقائي اليوم بمثلّث برمودا، يعلق فيه كلّ من يدخله. مثلّث مقهى الأونيفار ومقهى تونس ومقهى الزنوج والروتوندة وستوديو 38 ودار الثقافة ابن رشيق ودار الثقافة ابن خلدون والمسرح البلدي ومقهى باريس...


(3)

مثلّث بارمودا

يتبع لاحقا...


  • 1

   نشر في 10 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا