باب الفتوح .. نص يناسب أزمان ويفسده إعداد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

باب الفتوح .. نص يناسب أزمان ويفسده إعداد

بقلم - أمل ممدوح

  نشر في 15 غشت 2015 .

كثير من النصوص تلك التي تصلح لكثير من العصور والفترات وتتحمل تطورا في الرؤى وأيضا بعض التغيير بالإعداد ، لكن يظل الفيصل إلام صارت وكيف تطورت وكيف جاء إعدادها أو معالجتها وليس العبرة بالتغيير وحسب ، ومن النصوص الهامة التي تناسب فترات مختلفة وقد حظيت أيضا باهتمام وإشادة كبيرين نص مسرحية " باب الفتوح " للكاتب المسرحي المصري الراحل محمود دياب (1932 ـ 1983) وهو اسم له ثقله في المسرح المصري ، وقد عرضت المسرحية على المسرح القومي عام1971 بعد خمس سنوات من منع الرقابة لها ، لتعود حاليا بأحد عروضها المعدة مع فرقة الإسكندرية على مسرح السامر ضمن عروض المهرجان الختامي لفرق البيوت من إعداد وإخراج محمد عبد الصبور .

من خلال أربعة شباب وجدّهم تتفجر أحداث المسرحية ، لا عن رؤية بقدر ما هي عن لعبة وصدفة ، فهم أربعة من الإخوة شابان وفتاتان كل منهم له شكل تغييبه وطيشه فهناك الشاب المستهتر ذو العلاقات والفتاة المسترجلة مدمنة السجائر والفتاة " الروشة " غربية الأزياء والأسلوب ، أما رابعهم فهو شاب مثقف بدأت به المسرحية وهو يقرأ كتابا عن الفتوحات العربية فعُرض لنا من خلال شاشة خلفية بمصاحبة قراءته الصامتة لقطات فيلمية للحروب الصليبية ، ليدفعهم الملل من الواقع الذي يهربون منهم للعبة آلة الزمن والرجوع لعصر يختارونه يغيرون فيه التاريخ الذي يرونه ملفقا بطريقتهم ، وقد رأوا أنه لكي يحدث ذلك فلابد من شخصية ثائرة لتحدث تغييرا حقيقيا في التاريخ ولتكن في زمن صلاح الدين الأيوبي فصلاح الدين وإن كان صالحا فذلك لا يكفي ليغير بل يجب أن يكون ثوريا أو ثائرا ولكنه لم يكن ، فكان اختيارهم لعصر الفتوحات العربية في وقت حكم صلاح الدين الأيوبي في مدينة القدس بعد استردادها إثر معركة حطين ، واخترعوا للثائر الزائر اسما هو أسامة بن يعقوب من مدينة إشبيلية التي لم تسقط في يد العرب وقد أتى بكتابه " باب الفتوح " لمقابلة صلاح الدين ، لننتقل بهذه المرحلة لديكور مختلف يمثل ساحة سوق للنخاسة والعبيد بعمارة ذات طراز إسلامي قديم يناسب هذه الفترة وقد وفقت في تصميمه مصممة الديكور دنيا عزيز وتوافقت معه الإضاءة المائلة للاصفرار مضفية به تجسيدا لبنائه البادي حجريا ، إلا أن المكان لم يوح بأنه سوقا للنخاسة لكن الحديث الدائر عن البيع والشراء لأي أحد وإن كانت زوجة أحد الأشخاص ، وقد بدا حديثا مجتمعيا سائدا لا يخص المكان فقط ، وهو ما لم تتسم به تلك الفترة .

وقبل ظهور أسامة نجد الشباب الأربعة غير مرئيين يستعرضون كما نستعرض هذا الزمن والمكان فنرى مبدأ النخاسة سائدا وتناثر الجند في كل مكان وقسوتهم وقبولهم للرشاوى ونرى الشيخ عماد الدين مؤرخ الدولة أو السلطان مثالا لاستغلال الدين وتلفيقه للانتفاع منه أو الانتقام من المخالف لرأيه ، يهتم بالسجع في كتابته وفي هذا مؤشر لاهتمام بالشكل على حساب الجوهر يعيدنا لنقطة التشكيك في التاريخ التي كانت إحدى النقاط التي انطلق منها الشباب الأربعة ، ونجد امرأة يهودية تدعي ملكية منزل فيعاونها أحد التجار حين أعجبته كامرأة برشوة أحد الجنود ، وفي هذا إشارة لفساد طبقة رأس المال وتعاونها مع السلطة وما توازي الآن فئة رجال الأعمال ، فالعرض يرينا أنه حتى في زمن صلاح الدين الحاكم الأشهر في صلاحه تاريخيا وبطولته هناك ظلم وفساد ترجعه وجهة نظر العرض لأنه لم يكن ثائرا ليغير فقد غير تغييرا سطحيا ظاهريا بينما بقي الداخل كما هو وأحوال الناس كما هي فالإصلاح لم يطل الداخل ، ليأتي التقديم للثائر الزائر أسامة من خلال أغنية بدت فيها حركاته ضعيفة خافتة لا توحي بقوة أو كبرياء أو ثقة أو ثورة وما كان أغنى العرض عنها في الحقيقة بل عن كثير من اللوحات الاستعراضية إن جاز تسميتها ، وإن كانت كتابة الأشعار موفقة لكنها لم تضف شيئا .

يشارك الأربعة في الرؤية لأمور وتوجيهها ، ورغم أن المسرحية جعلت الأمل في شخص لكنها أيضا ليست مع سلطته المطلقة فالأربعة يساندونه ويدافعون عنه ولهم رأيهم ، وإن كانوا من وجهة نظري ثوارا بالصدفة فقد دخلوا الأمر مللا وفراغا ومن باب التغيير حتى أن أحدهم أراد الانسحاب حين اقترب الخطر ، وبكلمات معدودة ساذجة أكمل المغامرة ، لنكمل استعراض مجتمع دولة صلاح الدين ونرى سارة اليهودية أفلحت بالحيلة والغواية في أخذ بيت الشيخ العجوز وابنته صاحبا الحق فيه ، كما فشل أسامة داعي السلام وقهر الفساد والعدل والاهتمام بالفقراء ولم يفلح برسالته السامية في الوصول لمقابلة صلاح الدين وما كان سوى اضطهاده والحكم بحرق كتابه ثم محاصرته وكل مؤيديه بما فيهم جماعة الحاضر ، فما يحدث اليوم كان يحدث بالأمس باختلاف المسميات والعصور فجوهر الحكم وأسلوبه واحد وإن كان الحاكم صلاح الدين ، وربما مشهد الحصار بالحراب ضمن دائرة لكل الجماعة المعارضة في نهاية العرض كان في رأيي أفضل مشاهده .

احتوى العرض على مستويين زمنيين هما الزمن الحاضر والزمن التاريخي وهو زمن صلاح الدين ، ومستويي لغة هما الفصحى والعامية وهو قد يكون مفهوما حين يتكلم كل عصر بلغته أو لهجته أما أن يتنقل شباب الحاضر الأربعة بين المستويين فلم يكن أمر مفهوم أو مبرر ، وقد أحدث تنقل الأربعة في الزمن التاريخي نوعا من التغريب لتأمل أكثر حيادا للتاريخ بنظرة أكثر موضوعية بما في ذلك من اختلاف لغتهم عن لغة العصر التاريخي في أغلب الأحوال وكذلك ملبسهم العصري ، فقد عادوا بنظرتهم الحالية وكيانهم الحالي ليغيروا وفقهما وهذا أمر جيد يحسب للعرض بينما التغيير الفعلي كان بيد ابن العصر أسامة وإن لم يحدث ، فقمع كما تقمع كثير من الثورات في العصر الحالي وإن تميز أسامة بالمسالمة الحقيقية وبراءة الأهداف الإنسانية ، من جهة أخرى كان لا بد من مراجعة لغوية أفضل لعرض ثلاثة أرباعه بالعربية الفصحى ، فلا يجوز مثل هذه الأخطاء اللغوية أو النحوية التي يفترض من بديهيتها تجاوزها تماما ، إضافة لذلك فقد ترهل إيقاع العرض في مناطق عديدة وكان هناك إطالة في بعض الحوارات والأجزاء دون ضرورة ، ليتجدد تأكيد أن النص الجيد لا يصنع دائما بالضرورة عرضا بنفس جودته ، أما في التمثيل فقد أجاد الشباب الأربعة الذين قام كل منهم بدور الراوي أدوارهم وإن كان في الإمكان أفضل مما كان إضافة لرضوى حسن التي أدت دور اليهودية بشكل جيد ، وأخيرا كان من الجيد عدم ظهور صلاح الدين الذي قدم العرض في زمنه وتنقل الأربعة بين زمنهم وزمنه ، فاضطهد من اضطهد وسجن من سجن ولم يظهر صلاح الدين الذي ينتظر ويتمنى الكثيرون ظهوره من جديد في كل وقت .


  • 3

   نشر في 15 غشت 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا