ما بعد النسوية في العصر الحديث! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما بعد النسوية في العصر الحديث!

  نشر في 21 غشت 2020  وآخر تعديل بتاريخ 27 غشت 2020 .

لكلّ عصر من العصور سمته التي تأخذ دور اللاحقة المعرّفة له، وإذا أردنا النظر في هذا العصر الذي نعيش فيه لاستنباط سمةٍ تمهره، أستطيع من موقعي أن أحلل بضعةً من الظواهر التي رصدتها مؤخراً بعينين من خشيةٍ لا أدري مبعثها على وجه التحديد، غير أني أستطيع مشاركتها مع القراء فنقتسم هواجس المرحلة.

في مطالع القرن الماضي ظهرت إلى العلن فكرة النسوية، بوصفها نظرية أو منهجاً أو خطّة نسائية للخلاص من السيطرة الذكورية على الواقع بتجلياته التي تشترك معه المرأة بها شراكة مناصفة.

أنا لست ضد المرأة..

أنا من مناصري هذا التوجه، ومن مناصري النساء منذ المرأة الأولى على وجه الأرض وإلى آخر امرأةٍ ستكون، كي لا يقول قائل متصدّر للدفاع والحديث من المنبر النسوي أني أهاجم فكرة أنا عضو أصيلٌ فيها، وأن نساءً كثيرات قد لا توافقني الرأي فيما أنا ذاهبة إليه.

كثرت الأصوات المنادية بالحرية الكاملة للمرأة قبالة الرجل، أنا مع هذه الحركات والدعوات جميعها، ومع أية امرأة من نساء الأرض تقدم شيئاً يمكن أن يكون ذا فائدة للمرأة والرجل على السواء، النظريات والأفكار كلّها ذات فائدة، إذا سلّمنا بهذا لماذا تنهار بعض المناهج والنظريات ولا تستقيم لها الحياة لتخلد في الزمن؟ الأمر متروك للمناهضة.

من يقدّم فكرة جديدة لا يقبل أن يناهضه أحد، أو يختلف معه وينازعه ويكون في شقاق رأيٍ مع ما طرحه من الأفكار، غير أن هذا لن يجدي نفعاً، فالأصوات المقابلة يجب أن تُسمع، فقد نجد فيها سدادَ رأيٍ يصوّب ما فات صناعة النظرية من اجتهاداتٍ قد تكون حجر العثرة في نموها، والنسوية ليست المثال الوحيد على ذلك، فالتاريخ يقدم أمثلة كثيرة، ونظرياتٍ منها أدبية حتى، تقول إنّ البقاء للأسلم، وليس لصاحب الصوت الأضخم.

ما أرغب الحديث فيه أمرٌ مختلف للغاية، أمرٌ راح يظهر بلبوس آخر غير ما اعتدنا رؤيته من الحضور النسائي أو الأنثوي في الحياة الاجتماعية، فقد خرجت إلى الحضور العلني مشاهد تحرج الحضور الأنثوي.

ما أفتش عنه في مظاهر الحياة هو الأنوثة بكل تفاصيلها، بصرف النظر عن قيادة الحركات والنشاطات النسوية وسواها، إذ على ما يبدو أن المفاهيم المرتبطة بالحركات الناشئة أو القديمة انحرفت عن مسارها المعرفي واتخذت حضوراً آخر في الحياة الاجتماعية أقل ما يقال فيه وعنه أنه سيءٌ، وإذا استمر الأمر على هذا النحو قد نحصل على نتائج كارثية فيما هو مرتبط بحضور الأنوثة في ملامح الحياة التي هي بلفظها مؤنثة أيضاً.

ما أرغب الحديث فيه على وجه التحديد هو هجرة المكونات الأنثوية في طبيعة النساء والفتيات؛ انزياحها أو انحرافها أو انقلابها، فهناك مجموعة من المفاهيم النسوية القائلة بالمساواة مع الرجل راحت تأخذ حلّة جديدة في الفهم النسائي، مثلاً: المرأة مساوية للرجل في كل شيءٍ في الحقوق والواجبات، والفتاة أيضاً مساوية للصبي، أنا أقابل هذه الفكرة بالقبول فيما يتعلق بمختلف جوانب الحياة؛ في العمل والتعبير عن الرأي والحرية الشخصية وسواها من المقولات المرتبطة بهذا التوصيف للتساوي.

لكن ألا تلاحظون معي أن هناك هجمةً للصفات الرجالية على ملامح الأنثى، فإذا أخذت الفتاة حقها في التعلم والعمل وممارسة حياتها الشخصية، فإنّ قساوة الحضور النفسي تأخذ هجمة مرتدة في ملامحها، على المرأة أن تبقى أنثى..

أود أن أسوق مثالاً آخر للدلالة على ما أرغب بقوله: الفتاة التي تمارس الرياضات العنيفة أو القتالية تحمل ملامح قاسية أو فجّة إذا ما قيس الأمر بامرأةٍ أو فتاة، هناك أمر آخر يتعلق بهذا الموضوع، وهو أن وسائل التواصل الاجتماعي سمحت بحرية التعبير المسرفة عن الرأي والحضور بالصورة الكاملة، ثمّة ترويجٌ لتغيير النعومة واللطافة التي هي سمة الأنثى، وتفريغ الأنوثة من مضامينها الرقيقة، وتنحيتها لصالح الطغيان الرجالي على الوجوه والأشكال.

من هذا الموقع لا يمكن لي بشكلٍ من الأشكال أن أعدّ الأمر على أنه استجابة نفسية مبررة للمساواة التي نادت بها النسوية والقائلون بها والمناصرون لها من الرجال والنساء على السواء، يجب أن تتساوى مع الرجل في كل شيءٍ تقريباً باستثناء الشكل الخارجي، فالعضلات المفتولة والأكتاف العريضة لا يمكن أن تضيف تصنيفاً مهماً لكِ بالجانب الشكلي، بل على العكس تماماً، قد يحضر الأمر بوصفه إعاقةً في العمل والحياة.

ثمّة أمر آخر لا يقل أهميةً عما قيل قبلاً، وهو أن المرأة وحدها من تستطيع القيام بأمور الحمل والولادة والإرضاع والتنشئة الأولى للطفل، لا يمكن للنسوية في هذا أن تنادي بالمساواة، تلك مهمة أزليةً منوطةٌ بها منذ أن قضت المشيئة أن ينقسم الجنس البشري إلى رجلٍ وامرأة؛ ذكرٍ وأنثى.

من هذا الباب في تصنيف العمل الأمومي، يجب علينا أن لا نغفل أن أمر المورثات الجينية لا يمكن لها أن تقتصر على الأشكال والأحجام والأطوال والألوان، فالمورّثات النفسية داخلةٌ بطريقة أو بأخرى في التركيبة الجينية للمولود القادم، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الجنين يبدأ في السماع في رحم أمه منذ بلوغه الشهر الرابع، لذلك يمكنني أن أذهب في اعتقادي حول المورثات إلى مكان أبعد من ذلك، وهو أن الحبل السري الذي يربط الأم بجنينها لا ينقل إليه غذائه العضوي فقط، إنما غذاءه النفسي أيضاً.

لذلك دائماً ما يؤكد الأطباء على المرأة الحبلى أن تبتعد عن الشجار وسواه من الانفعالات العنيفة، ويؤكدون أن ذلك لسلامة الجنين؛ إذاً: علينا أن نأخذ بعين الاعتبار بوصفنا أمهات أن ما نتخذه في حياتنا نهجاً سنورثه لأطفالنا، لذلك علينا أن نحسن اختيار ما سنصبّه فيهم، وما هو القالب أو التكوين الذي نرغب في رؤيتهم عليه.

في اعتقادي أن الأنثى بملامح صلبةٍ أو قاسية يمكن لنا أن نعدّها تشويها لما اعتاد أن يكون عليه التكوين البشري المنقسم في أساسه إلى ذكرٍ وأنثى، لكل منهما سماته وملامحه التي تحدد الطريقة التي يجب أن يكون عليها في الحياة..

فتياتنا هنّ حرثنا وزراعتنا، فلنحسن أداء مهمة الحرث والزرع كي نجني ما نرغب به حقيقة، وأرجو أن يتمّ تعديل الفكرة القائلة بأحقية المساواة على مستوى الشكل مع الرجل، فإن في المحافظة على الشكل الأنثوي ما يحفظ ماء وجه الأنوثة في العصر الحاضر، لكي نستطيع التأكيد أننا لم ننحرف بها نحو غاياتٍ مصحوبةٍ بالخلل الكبير..

تحية لكل نساء الأرض، ولكل الحركات المطالبة بأحقية المرأة في المساواة، لكن كفى انزياحاً شكلياً عن مواضعات الأنوثة التي عرفها وحافظ عليها التاريخ.

شيرين علوش


  • 1

  • شيرين علوش
    من مواليد حمص سوريا 1988، حصلت على ليسانس الآداب في اللغة الإنكليزية من جامعة البعث عام 2011، ودبلوم التأهيل التربوي من جامعة دمشق عام 2012، عملت في مجال الترجمة الأدبية والمراجعة اللغوية.
   نشر في 21 غشت 2020  وآخر تعديل بتاريخ 27 غشت 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا