مسلسل في كل أسبوع يوم جمعة - رَد الفضل لصاحبه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مسلسل في كل أسبوع يوم جمعة - رَد الفضل لصاحبه

هذه السطور ليست دفاعًا عن العم "إبراهيم عبدالمجيد"

  نشر في 07 نونبر 2021 .

استقبال مسلسل "في كل أسبوع يوم جمعة" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للروائي القدير "إبراهيم عبد المجيد" بكل تلك الحفاوة؛ يُبهج ويُسعد المخلصين للنص الأدبي، لأنهم يعتبرونه الأصل، ولأنهم تربَّوا بأسلوب: "أسامة أنور عكاشة الساعة عشرة بعد التراويح".

لكن هذه السعادة بُترت من الجذر، عندما خاب توقعنا بحفاوة أكبر بالنص الأصل، بالرواية الأم، اعترافًا بفضل صانعها، وردًا لجميله علينا. من سؤال "جوجل" عن آراء القراء - لا المشاهدين - في "في كل أسبوع يوم جمعة"، يُحيلك فورًا لموقع المراجعات الشهير good readers؛ فتُصدم.

السمة الظاهرة على بعض مراجعيّ الموقع، الانفعال اللحظي المنفلت. وبلا مواربة، هذه السطور ليست دفاعًا عن العم "إبراهيم عبدالمجيد"، هذا عبء لا يُطيقه هاوٍ، ومن أكون أنا لأقوم بذلك؟ هي فقط إيضاحات، أو قراءة مغايرة، أو نقاشًا مفتوحًا مع أحباب، ولذا قد لا اقتبس من الرواية، ولن أتطرق لأحداثها، خاصةً وأنا استرجع أحداثها من الذاكرة؛ فلقد قرأتها للمرة الأولى منتصف العام 2010م، ثم مرة ثانية بالعام 2012م. لعل ذاكرتي لا تخونني.

من استفزتهم الحلقات الأولى من المسلسل فقرروا قراءة الرواية، معروفون من تواريخ تعليقاتهم، وهؤلاء لن ننشغل بهم؛ فإن كان هذا الاستفزاز محمودًا، وهدفًا ساميًا للمعالجات الدرامية، إلا أن الوقوع في فخ المقارنة بين الرواية وبين الدراما المرئية لا يجوز. في المعالجات كل شئ جائز، إلا شئ واحد، تغيير الرؤية العامة للأديب، وما عدا ذلك من إختزال وإسهاب، من إضافة وحذف، يجوز، حتى إنه لمن الممكن تبديل جنس الأبطال أنفسهم، واستبدال الرجل بالأنثى والعكس؛ فالأهم أن تدور تعاملاته الاجتماعية وتظهر خبيآته النفسية وتتطبع سماته الشخصية وفق رؤية الأديب وفقط، لا أحد غيره.

أصحاب التعليقات الأقدم، لا شك قرَّاء، وهم الأولى بنقاش المحبين. لكن قبله، ضروري التركيز على تاريخ الإيداع بدار الكتب والوثائق القومية، 2009م، لأنه نقطة ارتكاز محورية، خاصةً مع تخمين تبلور الفكرة وبدء العمل عليها قبله بعام على الأقل، إن لم يكن أكثر.

لكل رواية مسرحًا للأحداث، واختيار العم "إبراهيم" في العام 2009م العالم الافتراضي مسرحًا، سابقة فريدة ومبكرة جدًا، وقتها كان العالم الافتراضي يتسلل إلى حياة الناس اليومية ببطء ورتابة، ولم يتصور أحد طغيانه وانعكاساته الحالية. ومع ذلك قيل إن العم "إبراهيم" أغفل الإلمام بأبجديات الانترنت قبل الكتابة، والحجة أنه تارة يُسمى مسرح الأحداث مدونة، وتارة موقع، وتارة شات.

بدايات التكنولوجيا بالحياة كانت ضبابية، حتى فيسبوك 2006م، لا يشبه أبدًا فيسبوك اليوم فيما يتيحه من تقنيات. مع تلك الضبابية الرقمية التي سيطرت على الجميع، سافر العم "إبراهيم" للمستقبل، وعاد ليحدثنا وقتها عما سيكون، واصفًا مواقع التواصل الاجتماعي بما آلت إليه الآن، وبما فيها حقًا، مدونات للتدوين، غرف للدردشات، وأصلها بالطبع مواقع إلكترونية.

قفز آخر وقرر انفعالًا أن أسماء الشخصيات مصطنعة. رغم أننا لا نرى لهذا الانتقاد أساس، لكن هاك الرد، لعله سفر جديد للمستقبل سافره العم وعاد. نحن نعاني الآن من تزييف الهويّات الرقمية، ولا نقصد التزييف الفج المكشوف: "ساحرة الجنوب" و"نبع الليل الصافي"....، بل التزييف الحكيم، المستهدف ترسيخ صورة ذهنية معينة عن صاحب/صاحبة (الأكونت) عند (الفولوورز)، من أولويات هذا التزييف استبدال الاسم الرسمي بآخر فخيم يعكس صورًا وانطباعات زائفة عن الشخص بالنفوس. هكذا توقع العم مآسينا مع الهويّات الرقمية الآن منذ زمن.

على نفس النهج الانفعالي، وبدون ذكر أسباب أو استشهاد بمواضع، لمَّح أحدهم إلى سطحية الشخصيات وحواراتهم، هكذا قال، وأظنه نسي من الكاتب. ومع ذلك؛ لو تأملنا العالم الافتراضي وتعاملاته، بالأخص العربي، نكتشف أن السطحية سمة النقاشات الإلكترونية، إما لتفاهة العقلية، ومنها الكثير، وإما لاكتشاف خداع تلك المواقع لنا متأخرًا، فقد صُوّرت على أنها ساحات للنقاش الحر الفعّال، وقد كانت لمدة، ثم تحول ذلك إلى محض وهم، فالمُناقش الجاد مطرود من رحمة (الفولوورز)، بينما صاحب/صاحبة التفاهة تنهال عليه بركات طلبات الصداقة والمتابعة. على صعيد آخر، سهَّلت العوالم الافتراضية الهروب من جدية الواقع القاتمة إلى هزل - قاتم أيضًا – جذاب بطريقة عرض مبتكرة. وبديهي من يهرب للحديث مع أغراب، يتسطح كي لا ينكشف ضعفه، أو يهزل كي يصير (كيوت ودمه عسل)؛ فيستقطب المعجبين. ولو افترضنا صحة الإدعاء؛ لكان جرس إنذار أطلقه مبكرًا جدًا العم "إبراهيم عبدالمجيد" محذرًا من الانخداع بسمات وطباع وطريقة مصطنعة تناقض واقع الشخصية تمامًا.

أحدهم (ضرب كرسي في الكلوب) معلنًا أن الاشتراك في موقع إلكتروني لا يقبل الطلبات إلا يوم الجمعة فكرة لا تستساغ. السطحية تنساب من هذا الطرح. خيال المؤلف يا سيدي طائر حر، ومَنْطَقة الخيال وهم، الخيال ليس درس تاريخ تُضبط مروياته وتواريخه، هو سباحة في الفضاء. ناهيك عن أن كل من درس التبعات الإدمانية لمواقع التواصل الاجتماعي أسندها للغموض والغرابة، وأنه لولاهما ما تهافت عليها أحد، فقالوا إن "الاسكرول" لأسفل فعلًا لا شعوريًا، تنفرز معه كميات أكبر من الدوبامين (هرمون السعادة) بالمخ، لتوقع العثور على مفاجآت سارة يومًا ما. بالرواية؛ غموض الموقع وغرابة طريقته في قبول الاشتراكات أصل، وقد نُسج على يد العم "إبراهيم" ببراعة، بل وبتضمين الآثار النفسية لتلك المواقع قبل أن تُكتشف. أفرز العم الدوبامين بأدمغة الشخصيات قبل الزمان بزمان.

نأتي إلى بيت القصيد؛ حشر المنغول حشرًا، ولما لم يستبدلهم بأسوياء. لو اختارهم العم "إبراهيم" أسوياء بدلًا من المنغوليين، كنا كقراء سنقبل منهم الخير والشر راضين، ولن نستغرب منهم فعلًا، حتى ولو كان القتل، لأنها الطبيعة البشرية. بينما اختيار مصابي متلازمة داون عاد بالفوائد، على القارئ وعلى العمل. وقتها بالعام 2009م لم تكن المعرفة كاملة بطبيعة مرض هؤلاء، ولا بتركيبتهم العقلية والنفسية، على الأقل على الصعيد الشعبي لا الأكاديمي، ومن ثَم الرواية جرس تنبيه آخر دُق مبكرًا لمعرفتهم وقبولهم. ثم إن اختيارهم قارن بين طريقتين في التعامل، الأولى طريقة الحماة، التي بان من أسلوب كلامها وطعامها وجلستها وملبسها أنها نالت قدرًا وافرًا من التعليم، ولذا اختارت راحة ابنها المنغولي، ولكن مع ذلكم الاختيار المثالي كان شكل الأسرة اجتماعيًا هو المستهدف الأول، وليست راحته كما يظهر، ولذا جاء التنفيذ منحطًا، العكس تمامًا بالمنطقة المهمشة والمتندية اجتماعيًا وتعليميًا وماديًا، عانى المنغولي هناك من نعته بالجنون، وربطه بالسلاسل، والأدهى النوم في (بير السلم) كالكلب. ولا أظن العم بجلاله الإنساني والأدبي لم يتعمد تلك الملامح، ولم يسعى لإبراز المظلومية التي يتعرض لها هؤلاء في مجتمعاتنا، عاليها وسافلها، سواءً مع من أراد راحتهم، أو مع من أهملهم؛ فالكل لا يهمه أمرهم في الحقيقة مهما أظهر من اهتمام، إنهم ضحية للجميع يا سادة.

والأهم أن اختيار أصحاب متلازمة داون أظهر قدرتنا نحن الأسوياء على تدنيس كل جميل، قدرة شنيعة؛ فبزيادة العلم عن هؤلاء، تأكدنا أنهم أطهار القلوب وبيض النفوس، وأن معاشرتهم لنا قادرة على تدنيسهم بكل خبيث. هذه زوجة مُدنسة بالخطيئة تأزَّ زوجها المنغولي النقي السَريرة لفعل المحرم، وتزينه له، وتساعده فيه، وأخرى لم تستوعب حب منغولي رعبًا، أو بالأحرى تقززًا. إنه إعلان كاشف لولع الأسوياء بصبغ الأبيض الناصع بالسواد.

هناك مراجعة أخرى، قرر صاحبها – ولا أدري كيف – أن الحبكة منعدمة، ولا مبرر للقتل والتمادي فيه على الإطلاق. مرحى مرحى، امنحوا هذا الفتى منحة تفرغ وعلبتين كيلوباترا سوبر كل يوم، وانتظروا نوبل في الأدب سنويًا طوال بقاءه على (وش الدنيا).

سيدي؛ إن فكرة الهروب للعوالم الافتراضية بحثًا عن أفضل، وإن كان سيئًا أو محرمًا، لا تصدر إلا من عاجز أو غاضب أو متمرد أو ناقم أو نمرود، مع فقدان تام للقدرة على تغيير الواقع، أو حتى التصالح معه، وهذا عين الرواية، وقلب الحبكة.

نحن أمام 19 شخصية معيبة، ومليئة بالعوار، كلهم لم يقدروا على التعايش ولا على التغيير، اللهم إلا "مختار كحيل" المثقف، غاضب وعاجز أيضًا، غير أنه يجاهد في مصالحة نفسه؛ فاختار زيارة المتاحف افتراضيًا ليستبدل قبح الواقع بقبس من جمال، جمال افتراضي نعم، ولكنه بشكل أو بآخر أفضل مقارنةً بالآخرين، بل وأبقى هذا الجمال على بعضٍ من توازنه، فلما سنحت فرصة كان واثقًا ومنفتحًا، راجع حديثه مع شباب مقهى التكعيبة، الحديث الذي أبهر وغيَّر، بينما البقية هربوا للافتراض بعللهم، "روضة" نفسها لما أطلقت منتداها للتعارف، أطلقته بغضب، واستهدفت منه ضحاياها بغضب. الغضب مبرر كافي لكل قبيح، كافي جدًا أيها القارئ العزيز.

لا أخفيك سرًا إن تاريخ الإيداع والنشر الأول تُحمل معه الرواية على وجوه عديدة، وهنا تبرز الصنعة، الكاتب الحق يُقدم عملًا يُقرأ لسنوات، ومع نكبات الدهر يظل النص يقدم رؤية لكل نكبة، ويكأنه مكتوبٌ لها وحدها. من أخبر العم "إبراهيم عبد المجيد" انتقال الناس بغضبها واختلالاتها من الواقع للافتراض؟ ثم من أخبره بأن تجميع هذا الغضب هناك لن يجعله ينفجر هناك، بل حين انفجر، انفجر على أرض الواقع؟

أخيرًا، لا تستغرب لقب العم الذي يسبق اسم كاتبنا القدير، عم "إبراهيم عبد المجيد"؛ فلهذا قصة تطول، لا مقام لها هنا، لكن إن كنت صعيديّ المولد أو النشأة، ستعرف وحدك، وإن لم تكن؛ فسنلتقي مرة أخرى بإذن الله تعالى.



   نشر في 07 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا