سلطة الكهنوت في الاسلام - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سلطة الكهنوت في الاسلام

  نشر في 09 نونبر 2016 .

قد وقع في الإسلام ما وقع في المسيحية، واقترف المسلمون تمام ما اقترفه أصحاب الأديان السابقة، فقد فسّروا القرآن وهو المُيَسّر الجَليّ، وجعلوا من تفاسيرهم أصناماً وأفكاراً يقدّسونها ويقدّسون أصحابها، ثم ها هم يحاربون كل تفسير يخالف أفكارهم وقناعاتهم السابقة، ويتسارعون في الهجوم علي جُلِّ فَهمٍ يعارض آراءهم السالفة ..

فقصروا التفسير علي كهنتهم ورهبانهم وقساوستهم، والذين تنكّروا في زيّ "أهل العلم و"علماء التفسير" فلا يبرح هذا المكان غير "أهل الاختصاص" وهو القرآن المُنَزّل للناس كافة لا لفئة من الناس، فاحتكروا السلطة الدينية، وقصروا سلطة التفسير علي أئمتهم وعلماءهم الذين لا يتغيّرون ولا يتبدّلون ولا يلوون عن تفسيراتهم الأحادية وعقولهم السطحية.

وحتي إذا أخذتَ بشروطهم ودرست علومهم وحفظتَ، عن ظهر قلبٍ، كتبهم ومأثوراتهم، في محاولة منك لكي تدخل بينهم فتتمتع بسلطتهم وتهنأ بالخوض في أحزابهم وطوائفهم، فلا ينبغي لك أن تقول غير الذي يقولون، ولا أن تزيد علي الذي يقررون، وليس لك أن تحيد عما وصلوا إليه منذ قرون، بل يجب عليك أن تتّبعهم سادداً أذنَيْك مغمّياً عينيك مطبقاً فمك حاجراً علي عقلك وذهنك وقلبك، فتقبل بما قالو وقرروا بلا تجديد أو ابتكار.

فإذا قلّدت وحفظت كل ما قالوا، وإذا ذكرت محاسنهم وتغاضيت، عمداً، عن الجَسيم من أخطاءهم والغليظ من ذلاّتهم; عجبتهم وسررت قلوبهم وباعوا لك صكوك الغفران وصرت واحداً منهم تمتلك سلطة الدين وتصفق لك الجماهير الغافلة، وتمسي وقد تجمَّعَ حولك المريدون السُذّج.

وكأنهم هم المالكون الوحيدون للشريعة الإلهية، وكأنهم هم وُكلاء الرب الأجدرون بفَهم كتابهِ وتفسير كلماته، حتي أنّك عندما تتوغل في كتب التفسير تري أشياء من لدن "وأقسم فلاناً علي أن (لهو الحديث) هو كذا وكذا"، فمن أين جاءوا بذلك اليقين المخيف، ومن أين أتوا بتلك الثقة المفرطة !! حتي ولو كانوا من أتقياء الصحابة، أو من زُهّاد التابعين ومن تبعهم.

ولم يقتصر هذا علي التفسير فقط، بل تطرق إلي الفقه والحديث والسيرة وكافة العلوم الدينية.. فأمسي المسلمون وقد أدخلوا سلطة الكهنوت علي الإسلام كما كان في المسيحية، ربما من أجل ذلك قد ناضل مارتن لوثر في القرن السادس عشر، ومن بعده باروخ سبينوزا في القرن السابع عشر ، ومن اجل ذلك قد جاهد كل لبيب.

وهذا المشهد نراه يتكرر في اليهودية، فقد اعتقدوا – وما زالوا يعتقدون – بأنهم شعب الله المختار، وبأن الله قد خلق هذا الكون الفسيح وهذه النجوم والمجرات اللامتناهية من أجلهم ومن أجل عيونهم، وبأنهم "الفرقة الناجية" وغيرهم علي خطاً بيّن ! فأنت ناجي وستتمتع في الجنة وسط الحور العين إذا اتّبعتني وإذا انضممت إلي فرقتي وجماعتي وحزبي، وإذا أبيتَ فلا مكان لك غير النار.

وفي المسيحية نري البابا الذي هو ممثل الرب، والقسّ الذي تعترف له بخطاياك وتخبره بما اقترفت يداك، وليس لأحد أن يفسّر الكتاب المقدّس غيرهم ولا لأحد أن يحيد عن الطريقة التي فهموه بها، كأنهم ترجمان الرب.

وبلغوا في ذلك مبلغاً غاية في العمي والضلال، فنري في القرون الوسطي وقد عُلِّقت المشانق ونُصبت المقاصل وجهزت الخوازيق وأُعَدّت المحارق، فيسيمون كل من خالفهم أشد العذاب ويذيقون كل من عارضهم أعظم الألم حتي يرجع عن أفكاره، وأصبحت كلمة "زنديق" تطلق علي كل أحد يخالف آراءهم وتقاليدهم وكل أحد يخرج عن حظيرتهم المقدّسة، وما أدراك ما عقوبة الزندقة .. وقد سجنوا غاليليو غاليلي لأنه قد خالف آراءهم، وحرقوا جرديانو برونو الذي هو من قساوستهم لأنه قد عارض، كما يظنون، كتابهم المقدس.

وصار رجال الدين قضاة يحاسبون كل من يُعمل عقله ويستخدم هذه الأداة التي وهبَ اللهُ، ورُفعت شعارات من مثل "من تمنطق تزندق" كما كان في حقبة من حقب الدولة الإسلامية - والذي اضطهد فيها ابن رشد الفيلسوف وثلة من المفكرين والمجتهدين -، كل ذلك يحدث تحت وطأة “محاكم التفتيش” ربما سُمّيَت بذلك لأنهم يُفتّشون عن أفكارك ومشاعرك ويحاولون الولوج إلي أعماق عقلك.

فما أشبه اليوم بالأمس وقد تستّرت محاكم التفتيش في المحاكم القضائية، وتنكّرت عقوبة "الزندقة" في زيّ عقوبة "إزدراء الأديان" فمن عارضهم في "الفكر" يهاجمونه "بالسجن" وأحياناً بالإعدام او الاغتيال .. وحسبنا أن نذكر أسماء مثل "سيد القمني" و”إسلام البحيري” ومن قبلهما “فرج فودة”، "حسين مروة"، و"مهدي عامل"، و"نصر حامد أبو زيد"، وغيرهم الكثير والكثير- حتي نُصدّق علي ماذكرناه من تشابهٍ بين أزمنة القرون الوسطي وعصرنا الحالي، وإن كان عصرنا أقلّ حدة وأعظم تستُّراً.

(وإن كنا نختلف مع ما قرره هؤلاء سواء في الجزء أو في الجملة أو في الطريقة، لكن كما قلت، لا يجوز مواجهة الأفكار بالهرّاوات)


  • 1

  • Mahmoud Maher
    قارئ نَهِم ، شَغوف بالعلم ، مُصاب بحمّي الكتابة.
   نشر في 09 نونبر 2016 .

التعليقات

بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد." قال الشيخ الألباني : صحيح.
1
Mahmoud Maher
تركتكم علي البيضاااء ..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا