بركان ألم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بركان ألم

بركان ألم

  نشر في 14 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 نونبر 2019 .

أين أنتم؟ أين ذهبتم؟

صوت أُمي لا أعلم هل هي تبكي أُم تصرُخ أُم ماذا؟؟؟

أفقتُ شيئاً فشيئاً بين رُكام , دُخان, دماء, صراخ.

أصوات من كل مكان ليس ناس بل قصف, صواريخ!!

أشلاء هُنا وهُناك.

- أُمي لماذا أخي يضحك هكذا بشكل هستيري اليوم منذ الصباح الباكر.

- لا أعلم يا طفلتي.

- حسناً, سوف ألعب وألهو معه قليلاً لأنني مُشتاقة إليه لأني كُنت عند منزل أخوالي في اليومين السابقين.

- حسناً ولكن انتبهي جيداً فالوضع غير طبيعي بالخارج.

" هيا بنا نلهو ونلعب تحت صواريخ الاحتلال, هيا بنا يا أخي لا تهتم ولا تخف فما كتبه الله سنراه"

أهربُ منهُ للغرفة خوفاً من أن يجدني وتُفسد لعبتنا ويصبح دوري بِملاحقتهٍ, أجدها جالسة وكتابها في يدها ,

- هل تدرسين بهذا الوقت ألم تقرأي أو تسمعي الأخبار لا يوجد مدارس لقد أُغلقت بسبب ما حدث اليوم حتي إشعار أخر.

- لا أهتم تأجلت المدارس بل يهمني عندما تبدأ وتفتح المدرسة أكون مستعدة لها جيداً ليس عديمة الجدوي مثلك إذهبي وأكملي لعبك و إتركيني أُذاكر بهدوء .

صوت يصرخ من الخارج

- أُمي إنني جائع, أُمي أُريد أن أأكُل.

- ما بك الوقت مازال جداً باكراً للغذاء, قبل قليل أفطرت.

- ما شأنك أنتي, أكملي اللعب مع الصغير ودعيني.

لم يتجاوز الإثني عشر ربيعاً من عمره لكنه أشبه برجلٌ تجاوز الخامسة والعشرين من عمره خجله, رجولته, شهامته, كلامه , تصرفاته.

يحلُ بقلبي بركان من الغضب ويتمزق قلبي أشلاءً كلما اتذكر أنني تعثرت بك وانت مُلقي علي الأرض هرباً ولم أستطع أن أفعل شيئاً وكان همي الوحيد أن اذهب واحتضن أُمي بهذه اللحظة لكني أجدها مُحتضنة أحداً أخر.

- أوه صحيح, ألم أُحدثك ما الذي حل بنا البارحة لولا رحمة ربنا علينا لكُنا اليوم في عداد الشهداء الأن.

لم أكن أدري بأنك بعد سويعات من الوقت سوف تكون شهيداً.

- حقاً و مالذي حدث يا عزيزي؟

- عندما ذهبنا أنا وأخي الصغير للعمل مع أبي قامت الطائرة بالقصف بالقرب منا لم يبعدُ عنا بضع أمتار.

كنت قد ألمتَ قلبي بكلامك هذا يا أخي وتمنيت ألا يحدث معكما هذا الشيء, ولم أكن أدري أنها سوف تعود وتُغير عليكم مرة أخري, وأنتما الثلاث سوف يخطفكما الموت.

- أهُ يا قلبي لقد ألمني جداً ألف سلامة عليكم حبيبي, ربُنا لطيفٌ جداً.

بعد العصر بعدما لعبنا ولهونا كثيراً بين خوف وضحك, قنابل, صواريخ....

ولأول مرة ألهو مع الصغير هكذا كأنه يريد أن يشبع من الحياة قبل أن يُغادرها, كأنه يعلم أنه بعد قليل لن يلعب ويلهو معي, كأنه يقول لي إشبعي من اللعب معي فإنني مغادر الحياة بعد قليل.

صوت أبي من الخارج جهزي لي الحمام سوف استحم.

إستوقفني أخي الصغير وهو بجالس بجانبي:

- تصدقين,

- ماذا يا عزيزي؟

- أشعُر بأنني مللت من هذه الدنيا

- أنت صغير جداً يا شقي علي هذا الكلام والحديث أيوجد صغير مثلك يملُ من الدنيا.

كأن كلامه كان إشارة له بأنه سيغادرنا عن قريب.

- وهل تحسبينني صغير, لا فأنا كبير, كبرت جداً يا أُختي, سترين أنا سوف أذهب للسماء وأنظر إليك من فوق وألقي لك فواكه.

قام من جانبي وهو يردد مللت من هذه الدنيا اكثر من ثلاث مرات.

أُمي " والدك يشعر بأنه عريس اليوم"

- ما بالكم اليوم واحدٌ ملِلَ وأخر عريس؟ ماذا يحدث هل أنتم علي ما يرام؟

في الحديقة الخلفية للمنزل تتوضأ للمغرب وهي التي لم تقطع فرضاً ولا سُنة, ذهبت لخالقها وهي طاهرة وهي جاهزة لتُصلي المغرب عندهُ.

بين أذان المغرب وإقامته سمعنا صوت انفجار يهزُ المنزل

أقدامي ترتجف من الخوف وقلبي يخفق خفقان ليس طبيبعاً

- أُمي, أبي ما هذا؟ هل استهدفونا؟

أبي" لا تخافي إنه صاروخ بجانبنا هيا تجهزوا لنهرب من المنزل"

لم يكمل أبي جملته سمع صراخ أختي الكبيرة:

أبي أٌختي فداء تصاوبت في قدمها.

أسرعنا لنراها هل هي بخير, حمدنا ربنا بأن إصابتها لم تكن بالغة بل كانت خفيفة, لم نكن ندري بأن هذه الإصابة تمهيداً لجسدً سوف يتمزق أشلاء بعد قليل.

تجهزنا لنهرب جميعنا وقفنا أمام المنزل نتفقدُ بعضُنا البعض,

ثم جاءت الضربة القاضية, انفجار هز كياننا, انفجار لم أصحو منهُ, يا ليته ما كان انفجار, لقد أخذ مني كل شيء, لقد أخذ مني ضحكتي وسندي وقوتي, حرمني من لعبتي الصغيرة.

توقف الزمن بي, تمنيتُ لو يعود بي للوراء ساعة أو بضع ساعات, توقف الزمن ليجعلني أري ما لا تصدقهُ عيناي, فتحتُها وعدتُ أغلقُها مرة أخري لعلي أحلم ليتني أبقيتُها مُغلقة.

كل واحد منا مُلقي بناحية,, دخانُ كالغيمٌ , شظايا تتناثر كأنها أمطار تزخُ علينا, دماء كبركة الماءُ.

صراخ أختي وأُمي تُنادي علينا بالدور كأنها تحصي بنا من هو حي ومن استشهد, جعلني أفيقُ أكثر.

أفقت علي أكبر كارثة لعلي أغمضُ عيني ويكون هذا مجرد, كابوس أراه في منامي, صوت أُمي للمرة الثانية أفاقني.

أين أنتم؟ إبراهيم, فداء, ركان,,, أين أنتم؟

بعد دقائق قليلة.

أبحث عن أُمي لأحتضنها لكني أجدها مُحتضنة إبراهيم من خوفي تعثرت بكَ لأُخبئ خوفي في حضن أُمي, لكنها كانت مُتأملةً تبتسمُ وهي تُردد ( إنا لله وإنا إليهُ راجعون) (إنا لله وإنا إليهُ راجعون) الحمد لله, الحمد لله , اللهم أجرني في مُصيبتي واخلفني خيراً منها.

أختي الكُبرى أُمي فداء استشهدت, ذهبت لأراها وأُحدثها

أُمي تنادي عليها فداء تشاهدي ي بُنيتي تشاهدي, تُتمتم لم أفهم ماذا تُتمتم أخفضتُ رأسي لعلها تريد أن تقول لي شيئاً لكنها لم تقول شيئا.

كانت تقرأ المعوذات وعندما انتهت منها تشاهدت وذهبت روحها إلي خالقها, أخبرنا أُمي بانها فارقت الحياة, وإبراهيم يا يما استشهد.

أبحث عن لعبتي الصغيرة, عن عصفوري الجميل لم أعرفه لماذا عصفوري الجميل هكذا, لم أعرف ملامحهُ, لماذا أنت مُلقي علي الأرض بلا قدمين ويدين, أين وجهك الجميل, أين ملامحك الفاتنة....

- أُمي استشهد ركان.

- يارب إلهمني الصبر لأٌلملم أشلاء فلذة كبدي أمي تقول.

لا أعلم كيف صبرت أُم أمام شيئاً بشعاً كهذا, لا أعلم كيف تحملت أن تجمعَ أشلاء فلذة كبدها بيدها التي اعتادت أن تُطعمهما, تسقيهُما, تُداويهما, واحداً تلو الأخر , كأنها أصبحت بفيلم رعب مخيفٌ جداً .

ما هذا يا إلهي لم أري ولن أري إمرأة كهذه في حياتي, كان الله بعونك يا أُمي.

أين أنت يا محمد؟ تعال وانظر ماذا حل بعائلتك؟ هيا ساعدني لأُكفن أبناءنا لكن لا يصدر صوته ولا حس له, إنهالت علينا الصواريخ والقذائف من كل ناحية أخذنا فداء وإبراهيم وزوجة أخي التي كانت مصابة اصابة بالغة جداً , ولم نستطع أخذ عصورنا الجميل, بسبب الصواريخ والقذائف. لم يستطع إسعاف أن يصلنا لانها أعلنت المنطقة منطقة عسكرية مغُلقة شرق غزة

إختبئنا عند بيت الجيران ليحلُ الصباح علينا وتنُشر ما هي اللعنة التي حلت بنا, في صباح اليوم التالي استشهدت زوجة أخي.

هكذا أصحبت بين أحضان عائلتي, وأمسيت بنصف عائلتي بلا أحضان.

أمضينا الخمس أيام لا نعرف ما هو الليل من النهار لا أكل لا ماء لا نوم كلاً منا يُفكر ماذا سيحل بِنا بعد قليل أو في اليوم التالي, جاؤوا لنا اليهود وهم خلف دباباتهم وجرفاتهم أمامهم تمهد لمهم الطريق,

قالو لنا: هيا أمامنا للمدينة, هيا غربوا ولا تلتفتوا خلفكم.

ذهبنا وتركناهم خلفنا لا نستطيع الالتفات اليهم ولا توديعهم ولا حتي تكفينهم, انطلقنا بين زخات الرصاص, ووابل القذائف حوالينا لنصل المدينة جميعُنا بأمان ونصف عائلتي ليست معنا.

لهذه اللحظة لا يوجد أي أثر عن أبي, وقد بدأت الفرقان بالاجتياح البري اول شهدائها هم اخوتي , بعد إعلان الهُدنة وذهبوا الأقارب للمنزل وقاموا بدفن أخوتي نحسبهم عند الله شهداء وبحثوا عن أبي فلم يجدوه,

بعد كم متر من المنزل هناك لوحً زينقو ملقي علي الأرض نصفهُ مرفوع عن الأرض والصف الأخر علي مستوي الأرض ذهب احد أقاربنا ورفع اللوح ليجد أبي بنصف جسداً مُلقي شهيداً علي الأرض, الخبر جاء ليصعقني صاعقة أبدية, ليجعلني يتيمة للعمر كُنت علي أمل أن أب مُصاب ولم يسمعنا من إصابته أو هرب طلباً للإسعاف لنا هذا كان أملي, لكنهُ أمل خائب.

رحمكما الله وجعل مثواكم الجنة.

لم ألد يتيمة بل عشتُ بين أحضان عائلتي إلي أن حدث هذه المجزرة أصبحتُ يتيمة بين صباحٌ ومساءٌ بسبب صاروخ لم يتوقعه أحدً مِنا, ولكن حنان أُمي وأخواتي لم يشعرني بالفقد.


  • 4

  • سناء
    سناء محمد من فلسطين قارئة اليوم وكاتبة الغد
   نشر في 14 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 نونبر 2019 .

التعليقات

BAKEER DALLASH منذ 1 شهر
لا حول ولا قوة إلا بالله...مقال رائع يحكي قصة معاناة شعبنا في فلسطين ..رب يفرج هم شعبنا
ابدعت اخت سناء ..دام مداد
3
سناء
شكراً لك عزيزي.
BAKEER DALLASH
تحياتي اختي الفاضلة الكريمة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا