الجنازير المقدسة الجزء الثالث - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الجنازير المقدسة الجزء الثالث

رواية تحكي عن مآسى الرقيق في ع

  نشر في 28 فبراير 2015 .

أعطيت السماعة لليليان وقالت:

- يا لها من لحظة تاريخية يا بروفسير هديل. رحم الله والدتنا الشول وصبرنا على فقدها. نحن سعداء بقبولكم الدعوة. وألف شكر لدعم مشارعنا الهادفة لمحاربة العنصرية.

- انا اسعد يا ليليان واتطلع لمقابلتك في الأسبوع القادم. صورتك التي أرسلها دكتور خالد تظهر روعة شابة مخلصة لزوجها ولقضيته. اهتمي بخالد فهو رقم هام في حياتك وحياتي.

- لا تهتمي فانا أعيش من اجل خالد.

- الي اللقاء في السبت القادم. وستصلكم تفاصيل وصول الطائرة. ومع السلامة.

بعد انها المحادثة التلفونية مع عمتي هديل، لم نستطع النوم. صعدت مع ليليان للسطوح، جلسنا على طرف بركة السباحة نجتر ما سمعناه. بدأت الأمور تكبر امامنا. تقديم كتابي سيكون غير عادي بلا شك، بوجود عمتي وزوجها، وشخصيات هامة من المجتمع الأمريكي والكتاب العرب. في زخم الاحداث، وجدنا اننا قد أهملنا حياتنا الشخصية وحياتنا الرومانسية. قالت ليليان:

- ثلاثة أيام يا خالد ولم نباشر أي نشاط حميمي، ماذا اصابنا!!؟

- ماذا أقول يا ليليان !!!؟ ... لك ألف حق. واللوم علي. ما رأيك تحت الماء بدل السرير خاصة وان البركة مدفأة.

- "Yes"موافقه.

لم تتردد ليليان لحظة في خلع ملابسها بالكامل، ووقفت امامي تستعرض جسدها البلوري المتقن العاري تماما، وقفزت برشاقة داخل الحوض. بسرعة جنونية فعلت نفس الشيء. مارد اسود عاري. وقفزت بعدها. لم ننطق بكلمة واحدة لمدة نصف ساعة حميمية الامتاع. شعرنا بعدها بالنعاس ورجعنا لحجرة النوم وكانت الساعة الرابعة صباحا، ونامت ليليان ورأسها على صدري بينما انسدل شعرها الذهبي على كتفي في استسلام ملائكي.

استيقظت منزعجا في العاشرة صباحا على رنة التلفون. كان من محمود مدير مكتبنا ببيروت:

- صباح الخير دكتور خالد. متأسف لإزعاجك

- خير يا محمود.

- شرين من مكتب الشيخ الشمهري جاءت عندنا في المكتب هنا ومعها مدير مكتب الشيخ في بيروت. معها مظروف هام جدا قالت ان الشمهري وصى مدير مكتبه الذي يرافقها بتسليمه لك.

- من اين تعرفت على عنوان المكتب.

- قالت انها ذهبت الي الجامعة وتحصلت على العنوان.

- سأكون عندكم بعد ساعة، شكرا ومع السلامة.

لم تتحرك ليليان من نومتها على صدري ولكنها غيرت وضع رأسها على المخدة، وتوسدت شعرها دون ان تفتح عينيها. فكيت الاشتباك بيني وبينها بحزر وتسللت من السرير الي الحمام. وذهبت للمطبخ حيث حضرت ام محمد الإفطار. بدأت كتابة مذكرة لليليان لأوضح لها انني ذاهب للمكتب، وقبل اكمال المذكرة، دخلت ليليان المطبخ بقميص النوم الشفاف، وبدت عيونها الزرقاء الناعسة تناور بين النوم والصحيان وكأنها عروس بعد يوم دخلتها. احضرت لها ام محمد الروب والبستها وهي ملتصقة بجسدي. بدأنا سويا الإفطار واخبرتها بالمهمة التي ذاهب من اجلها الي المكتب. طلبت منها مرافقتي لكنها اعتذرت ولم تعلق وهي تعرف انني سأقابل شرين الملعونة.

في اقل من ساعة كنت في المكتب. اول من استقبلني بالترحاب كانت شرين. قدمت لي مدير اعمال الشيخ الشمهري في بيروت الأستاذ مؤيد العجلان. من لهجته عرفت انه لبناني من أصول سورية. قدم لي المظروف وذكر لي ان الشيخ كان حريصا لمقابلتي لكنه اضطر للسفر الي بريطانيا لموضوع هام يخص اعماله. فتحت المظروف المكون من ثلاثة خطابات. خطاب لي شخصيا، خطاب لمكتب محاماة في بيروت، وخطاب لمحمد خميس. اندهشت غاية الاندهاش ولم أتمكن من تخمين أي غرض قد تكون هذه الخطابات الثلاث.

فتحت الخطاب المعنون لي بلهفة، وخرجت من حجرة المكتب التي ضمت محمود وشرين والأستاذ مؤيد. جلست في الحجرة الثانية بجانب فتحية، وبدأت قراءة الخطاب:

المحترم الدكتور خالد

بعد التحية.

ربما يدهشك هذا المكتوب، ولكن لثقتي في شخصك الكريم وبدون معرفة كاملة تمت بيننا، أقول لك منذ تريخ مقابلتنا في الطائرة ستة أشهر مضت، كنت أقول لنفسي انني وجدت ضالتي لحل المشكل الذي اعيشه.

في ذلك اليوم الذي تقابلنا بالصدفة معا في الطائرة، كنت راجعا من عزاء رجل سوري يسمى العجلان يعيش بلبنان كان ذلك الرجل، هو مدير اعمال ابي الشيخ عبد الله الشمهري. تسلمت بعد وفاته دفترا أوصى ابنه مؤيد العجلان مدير مكتبي في بيروت بتسليمه لي، كان ذلك الدفتر يحمل تاريخ عائلتنا بالتفصيل منذ القرن الماضي حيث عمل والده أيضا كوكيل لأعمالنا. اتضح لي من ذلك الدفتر بالأدلة والبراهين انني ابن جارية شركسية من ملك اليمين، كانت تعمل في قصرنا جلبها جدي من شمال سوريا. اعترف والدي بي كأكبر أبناءه السبعة والعشرين. وأما محمد خميس سائقي الذي تعرفه، هو اخي الغير شقيق لم يعترف ابي بأبوته، امه جارية جلبت من زنجبار. تربيت في قصرنا. وطيلة حياتي، لم اعرف محمد خميس غير انه عبد يعمل في قصرنا بجوار والده الغير حقيقي خميس.

بعد معرفتي لحقيقة مسكوت عليها ثلاثون سنة، بان محمد خميس هو اخي الغير معترف به في القصر، كان من الصعب علي حسب الأعراف المتبعة عندنا ان أشهر نسبي له وهو يعمل معي كعبد وكسائق. لكن ضميري يؤنبني بعد ان عرفت الحقيقة. فلذلك قررت ان أنصف محمد، لعلي امسح عنه عذاب السنين المرة التي عاشها كعبد وليس كأخ. اريد تصحيح ما أفسده الدهر وأفسده العرف القبلي.

محمد الآن في الصومال يبحث عن زوجة. وفرت له ما لزم من المال للزواج ولكنه لم يرجع حتى الآن. قررت انصاف محمد لعل الله يغفر لي، بعيدا عن الاهل الذين لا يعترفون بما أقوله لك الآن. فلذلك اريد مساعدتك جزاك الله فيما يلي:

1- البحث عن محمد واحضاره لبيروت ليعيش قريبا منك.

2- إتمام تسجيل خمسة عمارات وثلاثة فلل في بيروت باسمه.

3- فتح حساب باسم محمد بشيك قدره ثلاثة ملايين إسترليني تستلمه من مدير مكتبي ببيروت مؤيد العجلان.

4- ان تقبل إدارة مكتبي ببيروت براتب شهري يساوي عشرة ألف جنيه إسترليني شهريا وتدريب محمد لاستلام العمل وهو شخص ذكي جدا.

5- مقابلة مكتب المحاماة الذي نتعامل معه في بيروت ليقوم بتسجيل كل توكيلاتي في بريطانيا وأمريكية باسم محمد بجانب تسجيل العقار ببيروت.

6- بما يخص المدير الحالي مؤيد العجلان والانسة شرين، الامر متروك لك ولمحمد في الاحتفاظ بهما او فصلهما عن العمل ودفع مستحقات كل منهما.

7- مرفق نسخة لعلمك من الخطاب الصادر منى لمكتب المحاماة.

8- خطاب موجه لمحمد خميس شخصيا، اريدك ان تفتحه امامه وتقرأه له.

في طريق عودتي من لندن سامر ببيروت لمقابلتك وأتمنى ان يجمعنا الله بمحمد خميس الذي انقطعت اخباره. مرفق كرتي الشخصي وبه ارقام هواتفي.

لك منى الود والاحترام.

الشيخ الشمهري محمد الشمهري.

قرأت الخطاب مرتين لاستيعابه. الدهشة تملكتني بصورة انستني كل جداول اولوياتي. سلمت الخطاب لفتحيه، وطلبت منها ان يقوم محمود اليوم بأنهاء ما ورد فيه، خرجت من عندها ورجعت لمكتب محمود. اتصلت بمكتب الأستاذ بكري الجعلي، واخبرت سكرتيرته باني في طريقي له، واريده ان يفرغ نفسه كل هذا اليوم لموضوع هام جدا. اخذت معي شرين والأستاذ مؤيد وتوجهنا لمكتب بكري وطلبت من محمود وفتحيه الحضور فورا معي بالسيارة الأخرى.

في غرفة الاجتماعات جلست مع الأستاذ بكري والأستاذ مؤيد ومحمود مدير مكتبنا، وطلبت من فتحية الجلوس مع شرين في حجرة سكرتيرة بكري لحين الانتهاء من اجتماعنا. جمع بكري المعلومات من خلال الخطاب الموجه لي من الشيخ الشمهري ونسخة الخطاب الموجه منه أيضا لمكتب المحاماة. واتضح ان بكري يعرف جيدا مكتب المحاماة الذي يتعامل معه الشيخ الشمهري. تركنا فتحية وشرين في مكتب بكري وتوجهنا لمكتب الشمهري وهو عباره عن مربع كامل يتكون من أربعة طوابق. استلمت الشيك المشار له وهو ثلاثة ملايين جنيه إسترليني. توجهنا بعد ذلك لمكتب المحماة. استقبلنا المدير بالترحاب بعد ان عرف اننا برفقة الأستاذ بكري الجعلي. تم توثيقي امام مدير المكتب بتوكيل الأستاذ بكري ليقوم بما هو مطلوب لحين حضور محمد خميس. تركت مكتب المدير وامامه بكري ومؤيد ومحمود للقيام بما لزم.

رجعت للفلا حيث انتظرتني ليليان بتشوق لمعرفة الاخبار. سردت لها القصة وقالت لي ان قصة محمد خميس، أقرب الي الخيال من قصة عمتي هديل. لم تزد أكثر من الحمد لله. اتصلت بمحمد خميس وطلبت منه هو وزوجته الحضور فورا لفلتي. بعد تناول المرطبات جلست معه منفردا في مكتب الفلا وفتحت الخطاب امامه وقرأت:

اخي العزيز محمد

سامحني، عليك ان تعلم بانك اخي، ووالدي هو والدك. ولكن قدر الله ما حصل لك. اتركك مع الدكتور خالد ليشرح لك كل شيء. أتمنى ان تكون قد وفقت في زواجك. انا في انتظار اخبارك. ومرة أخرى أقول لك سامحني.

اخوك الشيخ الشمهري محمد الشمهري.

قرأت لمحمد هذا الخطاب القصير. قال لي لا افهم هذا المكتوب. وبدأت له الشرح المطول وبدأ يستوعب الموضوع بهدوء. اخذ الخطاب منى وقرأه بوضوح وبصوت مسموع حينها نزلت دمعات من عيونه وقال:

- "حسبي الله" لماذا اردت يا الله بي هذا التاريخ المر !!؟. لان امي كانت جارية سوداء ولان الشمهري كانت امه جارية بيضاء!!؟ تبا للأديان. وأقول لك يا دكتور خالد برغم الأموال التي اعطاني لها الشيخ فانا لا اسامحه وانا مرتد الى الابد. سأبحث عن الدين الذي يحترمني ويقبلني بسواد لوني.

- يا محمد انا مقدر لموقفك، لكن لنترك الموضوع اليوم الى الغد، وإعطاء نفسك الفرصة للتفكير والتمعن. ثقتك بالله وبنفسك يا رجل.

- عن أي إله تتكلم يا دكتور !!. انا لا أصلح للعيش في أي قطر عربي او اسلامي، ارسلني لأي بلد في افريقيا. ارسلني الي حيث ولدت امي. سأنفق كل هذه الأموال الفاسدة لحرية اهلي السود.

بارتعاش مفاجئ، أجهش محمد يبكي، بحرقة سيطرت على جسمه. قمت من مكاني، وطبطبت على ظهره وقلت:

- تروى يا محمد ولا تنفعل. أراد الشيخ لك الخير، ويريد التسامح معك. دعنا ننتهي أولا من استلامك لممتلكاتك ومكتبك، ووضع الثلاثة مليون في حسابك. بعد ذلك سأساعدك، في كيفية التعامل مع عالمك الحر الجديد، ومع اموالك الضخمة يا رجل.

قام محمد من الكرسي وتوقف عن البكاء وسألني:

- هل قابلت يا دكتور القوادة شرين؟ لا اريد ان اراها ابدا. سأقتلها إذا ظهرت امامي.

- نعم قابلتها. وليست هي أصلا طرفا في الموضوع ولا تعرف عنه. الأستاذ بكري كمحامي متخصص، سيقوم بكل ما لزم لمصلحتك.

تفاديا لذكر الشيخ، اردت الترويح عن محمد. سألته:

- كيف تسير دراستك هذه الأيام.

- صدقني يا دكتور، انني أكثر علما من الذين يدرسونني الآن. ولذلك، طلبت من الأخ محمود تعيين أساتذة جدد. بحمد الله الان يمكنني قراءة الجرائد العربية والانجليزية بكل سهولة. اما الرياضيات، ربما تكون انت الوحيد الذي يتحداني فيها.

- ما شاء الله. أنك رجل عبقري، وهبك الله ذكاء غير عادي. سأتعاون معك في إدارة مكتبك واعمالك لفترة، وانا متأكد، أنك تملك المقدرة الكافية، لإدارة اعمالك بمفردك. اعتقد أنك تعلم، انشغالي في الأيام القادمة، بتقديم كتابي "الجنازير المقدسة" في المركز الثقافي الأمريكي. وبعد ذلك، سنقوم معا باستلام المكتب، وبداية الاعمال باسمك.

- انا أتطلع ليوم الخميس القادم، لحضور الاحتفاء بكتابك. لحين تفرغك لمساعدتي، سأقوم بالتشاور مع زوجتي حليمة، لاستيعاب وضعنا الجديد.

- دعنا نذهب للمطبخ لتناول ما أعدته ام محمد.

محمد خميس الذي نجحت في تحريره من جنازير العبودية التي فرضت عليه في موطنه العربي، ولد من جديد. لكنه لايزال حتى نهاية اجتماعي به، في جلباب العبودية القديم. المسكين يحتاج لبعض الوقت، لاستيعاب وضعه الجديد، لكي يلبس جلباب الحرية الجديد. انها اول مرة، يعرف فيها انه ابن شيخ، وليس عبدا، كما عاش الثلاثين سنة الماضية. كيف يتعامل مع هذه الأموال الضخمة، التي نزلت عليه من السماء.

بعد ساعة انصرف محمد وزوجته وبقيت مع ليليان لوحدي. دارت فصول مسلسل محمد خميس، داخل شاشة الذاكرة. محمد السائق البسيط، الذي أراد له القدر ان يظل عبدا، وخادما لمدة ثلاثين سنه، وضرب الرق عليه جنازيره كل هذه المدة، واليوم أصبح حرا وصاحب أموال. يا لله كيف مكنت السلطات والأديان لأصحاب الرقيق التحكم في مصائر ارقائهم. وكيف تلاعبوا بأنسابهم. ما أشبه قصتي بقصة محمد. جدتي مستورة تحملت آلام ومزلة السنين، في بيت الجيلي ثم بيت الناير. اين كان فرج الله من هذا كله!!؟

تذكرت جملة قالها لي محمد خميس عندما قابلته اول مرة وكان يبكي بمرارة. "يا دكتور خالد كم صليت وطلبت من الله ان يفك أسرى ويخلصني من العبودية، لكنه لم يستجب لي. ثلاثون عام من عمري ضاعت، ماذا يريد الله مني" وبينما انا في دوامة التفكير في قصة محمد خميس وقصة جدتي، تحركت ليليان الجالسة لصقا لي، وإذا بصدرها الدافئ يضمني وقالت:

- حبيبي خلود ... اممانا ثلاثة أيام للتحضير للاحتفاء وتقديم كتابك "الجنازير المقدسة"

- نعم ... وأيضا علينا مراجعة الكلمة التي سأقرأها امام الحاضرين. وعلينا بتحضير الطابق الثالث بالفلا لاستقبال عمتي هديل وزوجها وابنها بعد الغد، ووضع برنامج زيارتهم للسودان.

- لا تنس يا حبيبي حصر نسخ الكتب التي ستقدم كهدايا للحضور وحصر النسخ التي ستعرضها دار النشر للبيع.

- لنترك هذا الموضوع لمحمود وفتحيه. لا عفوا انهما مشغولان مع الأستاذ بكري في تثبيت حقوق محمد خميس. دار النافذة للنشر ستقوم بما يلزم ولا يهمك.

- خالي وحده كفيل بالمهمة، لكن فتحية عليها مساعدتنا. الوقت قد ازف.

- اتصلي بها الآن يا ليليان ووضحي لها البرنامج.

تركت ليليان في المطبخ ودخلت مكتبي لمراجعة الاحداث التي تراكمت حولي وانهمكت في تدوينها. اثناء ذلك وصلني فاكس يوضح مواعيد وصول الطائرة الخاصة بأسرة عمتي هديل من مدينة تورونتو كندا.

وبعد ساعتين، خرجنا انا وليليان، اذ كان على تسجيل الكلمة التي سوف أقدم بها كتابي امام المستمعين، للمركز الثقافي الامريكي الذي يريد تسجيلها لصالح "صوت أمريكا للشرق الأوسط". ومكتب البعثة السودانية ببيروت، يريدون تسجل كلمتي لإذاعة "هنا امدرمان".

أول مرة نخرج ومعنا السائق السوداني الجديد، إبراهيم يعقوب من أبناء الجزيرة أبا. سلمه محمود مفتاح غرفته بجناح الخدم. كان قوي البنية، متمكنا يعرف بيروت جيدا. قليل الكلام. في الطريق طلبت منه تعريف نفسه. خرج من السجن قبل ستة أشهر. جريمته انه سبب إعاقة مستديمة لمخدمه اللبناني ، اجلسته على الكرسي المتحرك. نعته مخدمه بالعبد الأسود وصفعه. فرد عليه ابراهيم بلكمة اردته على الأرض مشلولا الى الابد. وقتها تذكرت حادثتي مع الخنزير توني فنار النائب البرلماني، قصة تتابعني في هذه المدينة المعدومة الأمان.

في مقر البعثة السودانية قبل تسجيل كلمتي لإذاعة هنا امدرمان، كنت محظوظا بمقابلة أوّلَ سفيرٍ سوداني غير مقيم في بلدانِ الشّامِ والمشرق. كان نوبي الاصل حضر وقتها لتلبية دعوتي له بحضور تقديم كتابي. كان رجلا مثقفا من الدرجة الأولى، تبادل معي الآراء عن موضوع العنصرية، وعبر لي عن تشوقه لقراءة كتابي بعد استلام نسخته في يوم الاحتفاء.

بعد رجوعنا الي الفلا، اتصل بي الأستاذ بكري ليوضح لي:

- يا دكتور، لقد انتهيت من كل الإجراءات اللازمة بخصوص محمد خميس. تسجيل الفلل، والعمارات، والتوكيلات التجارية، وحساب البنك. وحضرنا مكتبه ومكتبك في عمارة الشيخ الشمهري التي اصبت الآن من ضمن ممتلكات محمد خميس.

- شكرا، سأتصل مساء اليوم بالشيخ الشمهري وأوضح له ما تم. سأكون معكم جسما وعقلا بعد الانتهاء من تقديم كتابي بعد الغد.

- اكيد يا دكتور ومع السلامة.

في الساعة العاشرة مساء بتوقيت لندن، اتصلت بفندق ريتس في لندن وخابرت الشيخ الشمهري:

- الو ... انا دكتور خالد من بيروت.

- يا هلا ... حياك الله يا دكتور.

- اهلا بك شيخ الشمهري. تحصلت على مكتوبك وبحمد الله قمت بتنفيذ ما طلبته مني.

- هل استطعت إيجاد محمد خميس!!؟

- نعم ... كان هو أصلا معي في بيروت، وهذه قصة طويلة سأخبرك بها عند مرورك ببيروت.

- هذا عظيم يا دكتور. انا ممنون. وهل تزوج فعلا.

- نعم ... زوجته الصومالية من أجمل ما تتصور.

- حمدا لله وانا متأكد أنك خير من يرعى مصالح محمد خميس. ولعلك أدركت الآن ماذا كنت اريد منك.

- سأبدأ فورا في مساعدة محمد بعد الانتهاء من تقديم كتابي " الجنازير المقدسة" بعد الغد في المركز الثقافي الأمريكي ببيروت.

- قرأت اول أمس في جريدة الشرق الأوسط اللندنية نبذة عن كتابك بقلم الناشر "دار النافذة". ولو تمكنت من إيجاد حجز لبيروت سأحضر معكم في ميعاد الاحتفاء.

- يشرفني وجودك معنا وفخر لي ان يكون شخصك بين الحاضرين.

- فرصة سعيدة يا دكتور خالد. تصبح على خير.

لم أجد ليليان في حجرة النوم ولا المطبخ. أخيرا وجدتها في المكتب بالدور الأرضي. قامت برسم جدول ينظم الاستقبال بالمطار لعمتي هديل القادمة من كندا مع اسرتها بطائرة خاصة، نظمت عدد المدعوين لاستقبالها، وحفل الاستقبال في الفلا بحضور ضيف الشرف السفير السوداني. بجانب تنظيم السائقين والعربات. كانت على الهاتف باستمرار تنسق مع خالها محمود وزوجته فتحية. شعرت بالارتياح. جلست بجانبها اعيد قراءة ورقة التقديم التي سأرتجلها بعد الغد امام الضيوف.

الساعة العاشرة صباحا، تجمعنا في صالة كبار الزوار الخاصة بمطار بيروت لاستقبال عمتي هديل واسرتها ومعنا كل الاصدقاء. محاسن وليليان وفتحيه وأيضا الدكتورة صوني الامهرية، لبسن الثوب السوداني، مريم وحليمه لبستا القنتينو الصومالي. انا ومحمود ومحمد خميس لبسنا الجلباب والعمة السودانية. وصلت الطائرة الكندية المؤجرة في مواعيدها. بمجرد دخول هديل لصالة الزوار وكأني اعرفها منذ عشرات السنين، لونها الأسمر الفاتح وشعرها المسدل على كتفيها هي صورة تطابق جمال امي، ومن خلفها يسير زوجها كلوني، هرعت وضممتها بالأحضان الي صدري ودموع الفرح والشوق على خديها وهي تردد اسمي. عانقت بعدها مستر كلوني زوجها، وبعدي عانقتها ليليان ثم بقية الأصدقاء. اعتذر كلوني لعدم تمكن ابنه من الحضور. قام محمود بتخليص جوازات السفر والحقائب.

توجهنا حسب البروتكول، الذي أعدته ليليان الي الفلا. كان كلوني زوج عمتي يجلس بجوار السائق وجلست عمتي بيني وبين ليليان تقبلني تارة ثم تقبل ليليان تارة اخرى، ولاتزال الدموع على عينيها. في الدور الثالث هيأت ام محمد لهما أسباب الراحة من عناء السفر الطويل من تورونتو عن طريق لندن. ظلت ام محمد معهما تعد حمام الجكوزي وما طاب من مشروب واكل.

مجموعة الاصدقاء انتظروا معنا في الطابق الأرضي نأكل ونشرب ونتبادل النكات. وعندما اكدت لنا ام محمد بان عمتي وزوجها قد افاقا من النوم في الساعة الثامنة مساء، انتقلنا كلنا للسطوح حول حوض السباحة، حيث اعد متعهد المناسبات عشاء فاخر، ادارت فتحية تنظيم الحفل، ونيابة عنا القت كلمة ترحيب قصيرة رد عليها المستر كلوني باقتضاب.

جلست عمتي بجانبي طيلة الوقت تتحسس وجهي وكفي واصابعي بفرحة وحزن معا. طيلة الوقت كانت تسألني "هل اشبه امي يا خالد؟" اين امي الآن؟ هل يمكنني زيارة قبرها بمكة؟ هل ماتت ومعها ورقة حريتها؟ جستن ودكتوره صني الامهرية جلسا حول المستر كلوني يتناقشون في أوضاع افريقية وأثر المجاعة التي ضربت المنطقة. محمد خميس جلس مع ليليان والأستاذ بكري يناقش وضعه الجديد ويشكرها على المجهود الذي اعطيناه له. فتحية تتفقد الجميع لتطمئن على راحتهم. محاسن استأذنت وذهبت لفلة بكري، لكي تسلم بنتها الي مربية بنت الأستاذ بكري لتنام، ورجعت لتواصل معنا.

نبهني محمود علي انهاء الحفل مبكرا، لكي يستعد الجميع ليوم الغد، وانا بالذات. اليوم المشهود لتقديم كتابي "الجنازير المقدسة". وفعلا انصرف الجميع الساعة الحادية عشر. قمت ومعي ليليان، اوصلنا عمتي هديل وزوجها المستر كلوني للطابق الثالث، واطمأنينا على راحتهم وتمنينا لهم نوما هنيا، ثم ادلفنا الي حجرة نومنا في الطابق الثاني. محمود وفتحيه بعد تصريف الضيوف والسائقين، ناما في الطابق الأول بعد مراجعة البرنامج المرسوم ليوم الغد.

كانت الساعة التاسعة صباحا، عندما فتحت ستارة حجرة نومنا، ورأيت عمتي وزوجها في حديقة الفلا، يتجولان بين الزهور والأشجار النادرة، التي لم يعرفاها في جو كندا البارد. يبدو انهما قد افاقا مبكرا، لفارق الوقت بين تورونتو وبيروت. لبست بسرعة ونزلت للحديقة لأصبح عليهما. وجدت فتحية بثوبها الأخضر الجذاب في المطبخ، تحضر باهتمام الإفطار مع ام محمد، اما محمود كان مشغولا داخل مكتبي يراجع اجندة اليوم. جلست على اريكة تتوسط الحديقة مع عمتي هديل، وارتجلت الخطبة التي سوف أقدمها عصر اليوم امام الضيوف. قدمت لي بعض التوجيهات المهمة، لكي اجعل المستمعين أكثر شغفا وانتباها للرواية بصفتي الراوي.

بعد نصف ساعة ظهرت ليليان، تحمل على يدها باقة من الازهار النادرة وقدمتها لعمتي وقبلتها بالأحضان. أقدم من الركن الشمالي للحديقة المستر كلوني، يحمل أيضا باقة متنوعة من زهور حديقتنا، قطفها بيده وقدمها لليليان وطبع قبلة على خدها. امسكنا بأيدي بعضنا ودخلنا المطبخ. استقبلتنا فتحية ومحمود، بدأ الإفطار وكلنا نستمع لمستر كلوني الذي سرد لنا تاريخه باختصار، مع عمتي هديل منذ مقابلتها بجامعة ميلانو، وحتى زواجهما وسفرهما الي كندا. صعدت عمتي للطابق الثالث، واحضرت معها البوم كبير عرضت علينا صور عائلتها ومنزلها الضخم الذي يقع على مشارف بحيرة أونتاريو.

وانا منهمك بالصور ولأول مرة نرى وقتها صوراً ملونة. احضر محمود التلفون وسلمني السماعة:

- الو

- صباح الخبر دكتور خالد ... انا الشيخ الشمهري، حضرت مساء الامس خصيصا لحضور الاحتفاء بتقديم كتابك اليوم.

- اهلا بالشيخ يا لها من مفاجأة جميلة ... ولي عظيم الشرف. اين انت الآن.

- انا بفلتي الواقعة في منطقة غدير.

- يشرفني حضورك معنا هنا في جونيا ... سأرسل السائق لإحضارك.

- هل يا ترى سأقابل اخي محمد خميس اليوم ... لا ضرورة لأرسال سائق، معي سائق قدير سيوصلني.

- محمد ليس بعيدا عن فلتي ... حالا ساخبره. وسأتصل بك إذا وجدته... العنوان معاك وانا في انتظارك. بالسلامة.

بعد ان وضعت السماعة، شعرت بإحساس غريب. قررت عدم الاتصال بمحمد خميس، تخوفت من النقلة المفاجأة التي تجمع الاثنين، في هذا اليوم وفي منزلي كأخوة بعد ثلاثين عام، كسيد وعبد، نعم ... تذكرت انفعال محمد، عندما قرأت له رسالة الشيخ الشمهري ثم اخذها منى وقرأها بوضوح وصوت عالي امامي، ثم قال لا افهم هذا يا دكتور خالد ثم قال:

- "حسبنا الله" لماذا اردت يا الله بي هذا التاريخ المر. لان امي كانت جارية سوداء ولان الشمهري كانت امه جارية بيضاء!!؟ تبا للأديان. وأقول لك يا دكتور خالد برغم الأموال الضخمة التي اعطاني لها الشيخ فانا لا اسامحه وانا مرتد الى الابد. سأبحث عن الدين الذي يحترمني ويقبلني بسواد لوني.

بعد هذا الهاجس، الذي سيطر على تفكيري، اتصلت بالشيخ الشمهري:

- الو ... هلا بالشيخ متأسف ... لم أجد محمد في سكنه. ولبعد المسافة ايه رأيك ننظم اللقاء مباشرة في المركز الثقافي الامريكي.

- لا مانع وانا لا أزال متعب من السفر. سأرتاح قليلا.

- ألف سلامه ولنا اتصال.

حمدت الله على افشال اللقاء بين الاخوين عمدا، لكن شعوري باني كذبت أزعجني. تشاورت مع ليليان فقبلت تبريري مما اراحني. علي ان اجمع كل طاقاتي وهدوئي لارتجل كلمتي عصر اليوم دون ضجر. طلبت من محمود وفتحيه الذهاب الي محمد خميس في بيته والتحدث معه بحضور زوجته وأخطاره بان الشيخ الشمهري سيحضر بروح طيبة للقائه اليوم وحضور الاحتفال بكتابي. استمرت جلستنا مع عمتي وزوجها ثم خلدنا للراحة لمدة ساعتين.

تولت ليليان ساعة الصفر بعد الغداء. لبس الجميع، وتهيأوا للذهاب الي المركز الثقافي الأمريكي. كان لزاما على الذهاب، قبل الضيوف بنصف ساعة، اما ليليان ستحضر بصحبة عمتي هديل وزوجها المستر كلوني واجلاسهما في الصف الامامي. محمود وفتحيه عليهما ملازمة محمد خميس وزوجته، في المقاعد الخلفية تحسبا لأي تهور، يقوم به نحو الشيخ.

بعد وصولي بربع ساعة، وتنسيقي الكامل مع مدير المركز، ومدير دار النافذة للنشر، وتوقيعي على كل النسخ التي سوف توزع، على الضيوف بالمجان، افاجأ بطاقم السلك الدبلوماسي، يتوسطهم السفير الأمريكي ومعه ضيف الشرف، عميد الكتاب الأمريكان ذوي الأصول الافريقية. ويليه ضيف الشرف الثاني عضو الكونجرس ومدير قلم الشرق الأوسط، وبجانبه قنصل السفارة التي تعمل بها محاسن والذي لا يغبي علي وعلى يمينه زوجته النكدية ومعهم الشيخ الشمهري، ومن خلفهم جلست محاسن تلوح لي بيدها وبجانبها الأستاذ بكري. دخل سفير السودان وتسالمنا بالأحضان واجلسته في مكانه بين سفير مصر ومدير الجامعة الامريكية ببيروت، اغتنمت الفرصة وسلمت علي الشيخ الشمهري بالحضن ثم القنصل وزوجته.

وصلت ليليان ومعها عمتي هديل وزوجها المستر كلوني، جلسوا في الصف الامامي بجوار السفير الهولندي وابنه جستن وخطيبته الدكتورة صوني الامهرية. وفي الصفوف الخلفية رأيت محمود وفتحيه ومحمد خميس وزوجته حليمة واختها مريم مع خطيبها الأمريكي "روبرت بترسن". تمنيت لو كان ابي وامي في الصف الامامي ولكن اعرف انهما لا يهتمان كثيرا بموضوع جدتي، فضلا على ان ابى عارض كتابة القصة أصلا.

في المنصة جلست في النصف، وعلي شمالي مدير دار النافذة للنشر، وعلى يميني مدير المركز الثقافي الأمريكي. بعد ان اكتظت الصالة بالمدعوين، وقف مدير المركز ورحب بالضيوف وقال:

- أيها السادة، يسر المركز الثقافي الأمريكي في بيروت، ان يقدم الدكتور خالد إبراهيم الناير عميد شعبة الرياضيات بالجامعة الامريكية، ليسرد لكم ملخص مختصر لروايته "الجنازير المقدسة" التي ستنزل رسميا يوم الغد للمكتبات، ويسر المركز ان يقدم لكل ضيف معنا هنا، نسخة مجانية تبرع بها الناشر "دار النافذة" والتي يشاركنا مديرها الأستاذ جيلاني هذا اليوم. أرحب بأعضاء السلك الدبلوماسي وضيوف الشرف المستر جاك هيلي عميد الكتاب الأمريكان ذوي الأصول الافريقية وعضو الكونجرس الأمريكي ومدير قلم الشرق الأوسط المستر روبرت هيل. من كندا أرحب بالسيدة هديل كلوني عمت الدكتور خالد وزوجها رجل الاعمال الشهير قلبر كلوني. كما أرحب بممثل الكتاب العرب، ومديرة النادي السوداني للكتاب. وجميع ضيوفنا الكرام. أتمنى لكم جميعا وقتا ممتعا معنا.

وقف السيد جيلاني مدير دار النافذة للنشر وقال:

- لدار النافذة السبق دائما، في تبني معظم الكتب، والروايات التي تحارب العنصرية بشتى انواعها. ولحسن حظي، كان لي الشرف بالتعرف شخصيا، على دكتور خالد مؤلف هذه الرواية "الجنازير المقدسة" منذ سنين إذا نشرناها في حلقات بمجلتنا النافذة. أتمنى ان تحوز اعجابكم. وقبل ظهور الرواية للسوق، اتصلت بنا عدة دور للنشر والترجمة للتشاور في ترجمتها الي لغات عدة وأيضا مخرجين سينمائيين ومسرحين لإخراجها في مسلسلات او فلم. دون إطالة سيداتي سادتي، اترككم مع المؤلف نفسه وشكرا.

وقفت امام الضيوف، احمل عاليا بيدي اليمنى كتابي، "الجنازير المقدسة". على يدي اليسرى رفعت الثلاثة حلقات، من الجنزير الحقيقي، الذي احضرته من حجرة جدتي، حيث كانت تربط مع بقية ما ملكت ايمانهم من المسترقات، خوفا من هروبهن في الليل وقلت:

- سيداتي سادتي، الضيوف الكرام، انظروا أولا لهذه الحلقات الثلاث. انها من أصل الجنازير المقدسة. الجنازير التي كانت تقيد بها جدتي داخل منزل سيدها المسلم، لكيلا تهرب وتطالب بحريتها. يغلب على الحزين والفرح اليوم، بتقديم روايتي التي تطاردني احداثها حتى هذه اللحظة، سعيد بتكوين "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" "Free Slaves International Net” “F.S.I.N" بمساعدة زوجتي ليليان الشاهر. وقبل اصدار كتابي الذي بين ايديكم، فتحنا فرعنا الأول في بيروت والثاني في الخرطوم والثالث في اتلانتا جورجيا بالولايات المتحدة والرابع في تورونتو ولاية أونتاريو بكندا. ونأمل في فتح المزيد من المكاتب في جميع انحاء العالم لمساعدة الارقاء المملوكين، الذين عانوا فظاعة التفرقة والقسوة والمزلة والهوان كجدتي مستورة بطلة روايتي. الارقاء الذين يعانون حتى الآن في جميع انحاء العالم بلا رحمة، وبمباركة الحكام والحكومات، ومباركة الأديان. "الجنازير المقدسة" ستكشف لكم الكثير الذي لا تعرفونه عن الرق، وما ملكت ايمانكم. ستكشف لكم ظلم الانسان لأخيه الانسان.

استمريت في ارتجال كلمتي امام الحضور لمدة نصف ساعة. وبعد ذلك بدأ مدير المركز في الاستماع للأسالة والتعليقات. كانت عمتي هديل اول المعلقين. تقدمت للمنصة بصحبة زوجها المستر كلوني. حكت قصتها باختصار ثم اثنت على فكرة "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" وأعلنت عن فتح مكتب تورونتو الذي سيقوم بترجمة الرواية، ثم قدم زوجها امام الحضور تبرع بمبلغ مليون دولار امريكي باسم شركات كلوني، لدعم الشبكة في الشرق الاوسط. واهتزت القاعة بالتصفيق.

اعتلى المنصة بعد عمتي الشيخ الشاهر. سرد قصته التي أذهلت الجميع، اذ كيف اكتشف ان عبده أصلا اخاه من صلب ابيه من جارية سوداء وهو من جارية بيضاء. قرر امام الحضور بفتح مكتب "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" في بلده الخليج العربي وقدم شيك بقيمة نصف مليون إسترليني لدعم رئاسة المنظمة وفروعها في افريقيا.

في اللحظة التي استلمت فيها الشيك، من الشيخ الشاهر، اسمع طلق ناري موجه من الصفوف تجاه المنصة. أصاب الطلق زراعي الأيمن. لم افق بعده الا صباح اليوم الثاني وانا في العناية المركزة بمستشفى المركز الامريكي، وحولي ليليان وعمتي هديل وزوجها المستر كلوني ومحمود وفتحيه ومحاسن والأستاذ بكري. حاولت التحرك فوجدت يدي يلفها الجبس. وقبل ان انطق بكلمة قالت ليليان:

- الحمد لله يا حبيبي على سلامتك.

- يا لله ماذا حصل.

- تمهل قليلا يا خالد ... ستعرف ... من فضلك اشرب هذا العصير.

قبل ان أكمل العصير، بدأ الأستاذ بكري في سرد ما دار في تلك الليلة وقال:

- انبهك بان ضابط من المارينز ينتظر في خارج الحجرة لاستجوابك. ولعلمك ان من أطلق النار، هو محمد خميس وهو الآن في الحبس الانفرادي داخل المركز. لكني طلبت منه بعدم الحديث الا بحضوري.

- يا الله لا اصدق ان الفاعل محمد خميس.

- نعم انه محمد خميس ... لكنه كان يقصد قتل الشيخ الشاهر.

- لا حول ولا قوة الا بالله ... لماذا؟ وماذا حصل للشيخ.

- الحمد لله لم يحصل له أي شيء. وسافر للندن مساء الامس. وعليه، بعد استجواب ضابط المارينز لك، سأذهب لمساعدة محمد.

- ماذا تريدني ان أقول إذا سألوني عن محمد؟

- لكي نخفف عليه الحكم ... قل: أنك اثناء سفرك للخليج، تحرشت بهذا الرجل في مشادة كلامية، وهددته... وقل: ربما أراد الانتقام منى. القصة كلها ورطة تحتاج لفبركة.

قبل ان يأذن بكري لضابط المارينز باستجوابي، اتصل بالدكتورة صوني ووضح لها التفاصيل وعليها بالحضور سريعا، وكتابة تقرير يقلل من خطورة الإصابة، بصفتها دكتورة العائلة.

انتهى استجوابي. كتبت دكتورة صوني التقرير المطلوب. أسرع بكري للوقوف بجانب محمد خميس قبل استجوابه. من هول المصيبة نسيت آلام زراعي المجبس. محمود لم يفارقني دقيقة واحدة. حرص على كتابة تقرير كامل عما حصل في تلك الليلة. وضع التقرير امامي وخرج لتصريف أمور المكتب والفلا نيابة عنى.

قرأت التقرير الذي وضح:

- ان محمد خميس اخذ خفية المسدس المرخص من سائق عربته. وقال بوضوح انه سينتقم من الشيخ الذي استعبده ثلاثون عاما. وانه لا يرى أي تعويض لما فقده تحت وطأة العبودية طيلة تلك الفترة غير مقتل سيده الذي أصبح له اخا بالصدفة. طفح يصرخ ويبكي عندما أصابتك الطلقة. كان يعتقد أنك قد مت. ولولما تخليصنا بسرعة للشيخ الشاهر وتسفيره في نفس الليلة، لكان في حساب المفقودين. لحسن الحظ تمكنت فرقة من المارينز السيطرة على الموقف واستلموا المسدس واعتقلوا محمد خميس ولم تتدخل الشرطة اللبنانية.

كان أسبوعا حزينا بالنسبة لي، ولكل من كان حولي، وخاصة زوجتي وحبيبتي ليليان وعمتي هديل وزوجها. الحادث غير برنامج عمتي وزوجها ورجعا حزينان للغاية مما شاهداه. الغيت رحلة السودان الي وقت انسب في المستقبل. تولى بكري هندسة التحريات مع الضباط الأمريكان والذين عرفتهم عن قرب وتعاملت معهم في المركز. أطلق محمد خميس من محبسه الانفرادي وتم مصادرة المسدس.

تسرب الخبر للصحافة اللبنانية، وكتبت صحيفة الحياة في صفحة الجريمة منشية متوسط. "سودانيون يصفون خلافاتهم العرقية في بيروت" ورد اسمي واسم الرواية "الجنازير المقدسة" مما زاد الاقبال عليها في جميع البلدان العربية. لحسن الحظ لم يرد اسم محمد خميس. إذا جاء الخبر بان الجاني مجهول الهوية.

تماثلت للشفاء وازيل الجبس من زراعي. نظم بكري جلسة مقفلة معي في الفلا تضم محمد خميس ومحمود. اعتذر محمد امامنا حتى سالت الدموع من عينيه. تفهم ما قام به بكري من تغطية لتخليصه من سجن محتوم. ولولا ذلك لقدم للمحاكم اللبنانية وكانت ستأخذ من عمره على الأقل خمسة سنوات. تفهم الورطة الحرجة التي وضعنا فيها، نحن من قمنا لنصرته وتحريره من العبودية، وبعد سماعه بإنصات لما ذكرناه، قال محمد:

- لن اصفح عن الشيخ الشمهري. ان طال الزمن او قصر، لي حساب معه. هل ممكن ان يتخيل واحد منكم يا أساتذة، ثلاثين عاما في العبودية. هذا يساوي حكم بالإعدام. لقد أعدمني الشاهر، وعلى إعدامه. بعد كل السنين التي قضيتها في جنازير الرق، فانا لا أخاف من شيء في هذا العالم الظالم. سامحوني ... انا صاحب ثأر.

تدخلت من جانبي وقلت لمحمد:

- يا محمد، الرجل لم يعرف أنك اخاه طيلة هذه المدة.

- ليس هذا مهما يا دكتور خالد. بصرف النظر عن أنى أصبحت اخا حقيقيا له، مرارة الهوان الذي ذقت، أحس به في حلقي حتى الآن. انا لست بشرا عادي. الشمهري، خلق منى مسخا شيطاني عليه بتحمل تبعته. انت الذي حررتني من الرق يا دكتور خالد. ليت الشمهري لو ظل بعيدا عني. بوجوده لا اشعر بالحرية، فزواله من هذه الدنيا لابد منه.

تدخل الأستاذ بكري وقال:

- لا يا محمد، انت لست مسخا شيطانيا. عليك بابتلاع مرارات الماضي كما فعلنا نحن، ما ينتظرك اهم، زوجتك واطفالك في المستقبل. ونحن اصدقاءك. تذكر من يحتاج لوجودك.

- يا أستاذ بكري انا اتعلم منكم. لكنكم لم تلبسوا جلباب الرق الذي لبسته ثلاثين عاما.

- لا يا محمد. كلنا مرينا بنفق العنصرية. وذقنا مرارته وتسامحنا مع أنفسنا. وقررنا العيش لمحاربته.

- اعطوني فرصة التفكر مع نفسي ومع زوجتي، لعل الوقت يلعب دوره في تغيير المواقف.

- الله يوفق الجميع، تذكر غدا موعدنا في مكاتبك للقيام بتسليمك المهام الجديدة.

- نعم أتذكر، لكن الرجاء حضورك يا دكتور خالد. ترى بدنوك انا لا اسوى شيء.

انصرف الجميع وتفرقت للجلوس مع عمتي وزوجها ومعنا ليليان. سألتني عمتي:

- هل يمكنني الجلوس مع محمد خميس لمدة ساعتين ؟. اريد التعرف على قصته مع الشيخ. الفكرة هي انني اريد اخراج فلم او مسلسل للتلفزيون الكندي بعنوان "ثلاثون عاما من العبودية"

- حقيقة الفكرة رائعة، لكن محمد خميس يعيش هذه الأيام في وضع غير طبيعي بعد محاولته قتل أخيه يوم أمس.

- هذا ما احتاجه. إذا قبل الحديث معي وهو بهذه الحالة، فسيكون صادقا. وانا معي جهاز تسجيل الصوت.

- لا مانع وسيكون معكم مساء الغد لأنه سينشغل في الصباح باستلام ممتلكاته ومكاتبه.

في هذا الاثناء دخل السائق واحضر الصحف اليومية كالعادة. وقرأت في الصفحة الاولي "سقوط طائرة الخطوط الجوية البريطانية رقم 99 بعد إقلاعها مساء أمس من مطار بيروت" اتصلت فورا بمحمود، الذي أكد لي انها نفس الطائرة التي سافر فيها الشيخ الشاهر ليلة أمس. اصابني ارباك تأسفت على الشيخ.

خرجت من الفلا واتجهت لمكتب بكري لمرافقته مع محمد خميس ومحمود لإتمام عملية استلام المكاتب وتنصيب محمد بديلا عن الشاهر. لحسن الحظ لم يكن هنالك أحدا سمع عن سقوط الطائرة وحتى موت الشاهر لم يؤكد بعد.

بإشراف الأستاذ بكري الجعلي، تمت عملية التسليم والتسلم. وتم محضر يوضح ان محمد هو صاحب المكتب ورئيس مجلس الإدارة واعتماد توقيعه لدي الدوائر المختصة والبنوك. حضر مع محمد عديلة المستر "روبرت بترسن" المعيد بالجامعة الامريكية. اوكلت اليه بعد الاجتماع مراجعة الحسابات. لأقوم بإعانة محمد في ترتيب اموره وتدريبه على الطرق الإدارية وحسب طلب الشيخ الشاهر استلمت قمة الهرم الإداري للشركة.

انتهي اجتماعنا في الثامنة مساء. وحسب طلب عمتي هديل اخذت محمد معي للفلا لمقابلتها والتحدث معها عن تاريخ الثلاثين سنة التي أمضاها في عبودية أخيه. تم اللقاء بصورة درامية، اذ فضفض محمد بكل ما يجوش في صدره لمدة ثلاثة ساعات وباللغة الإنجليزية الواضحة. واستعملت عمتي المسجل الصوتي على شريط ممغنط. في نهاية التسجيل، طلبت عمتي من محمد التوقيع على تفويضها بإخراج فلم سينمائي بعنوان "ثلاثون عاما في العبودية" يكي مأساته. وقع محمد على التفويض بكل سرور.

مما لفت النظر في اعترافات محمد خميس اثناء سرده، البكاء عندما ذكر انه اُمر ثلاثة مرات من جانب آل الشاهر بقتل بشر. ومن ضمن الذين اُمر بقتلهم، كانت شقيقة الشيخ الشاهر نفسه التي ارجعوها بعد هروبها الي لندن مع السائق الهندي، ولكن رفض محمد الانصياع وعُقب بالجلد والسجن.

بعد الانتهاء من الجلسة وخروج محمد، اتفقنا جميعنا ان محمد يحتاج لعلاج نفسي للخروج من اهوال الماضي القديم كعبد يؤمر، الي سيد يأمر حسب وضعه الجديد. وعلى ضوء ذلك اتصلت بصديقي الدكتور حسن عبيد المتخصص في علم النفس، وطلبت حضوره لبيروت بأسرع ما أمكن لمعالجة محمد. وطلبت منه احضار عمي أبكر تلميذه بكلية الطب جامعة الخرطوم لزيارتي في بيروت، لأنه لا يعلم أي شيء عن السفر بالطائرات. وفعلا حضرا بعد ثلاثة أيام. استمر علاج محمد، وتعرف على عمي الذي يقاربه عمرا اثناء مرافقة دكتور حسن في جلسات العلاج.

علي وعد حضور الكريسمس القادم مع عمتي هديل في كندا، ودعناها في الصباح الباكر وزوجها المستر كلوني في مطار بيروت بالدموع. واقلعت طائرتهما في تمام العاشرة صباحا. ومن هنالك اتجهت فورا لمكاتب محمد خميس حيث عرف الجميع بموت الشيخ الشاهر في حادث الطائرة بعد ظهور التفاصيل بأسماء المفقودين في الصحف.

دخلت على محمد وقد سمع الخبر، فقال لي: اول مرة يستجيب الله لدعائي. لم اسايره في الكلام. استلمت منه مذكرة كتبها بخط يده. امر فيها بأنهاء خدمات كل من شرين الباز والأستاذ مؤيد العجلان مدير عام الشركة. اقنعته بإيقاف الامر حاليا، اذ لابد من معرفة ملفات المذكورين والتحري عنهما قبل اخلاء الطرف، فلبرما هنالك أشياء هامة جدا يجب الوقوف عليها قبل التخلص منهما، بحكم انهما كانا الاقرب للمرحوم الشيخ الشاهر.

بعد ساعة من التشاور مع محمد، دخلت علينا السكرتيرة، وقالت ان السيد نكولا زكي المحامي رئيس مكتب المحاماة التابع للشيخ ينتظر في قاعة الاجتماعات ولديه موضوع هام جدا. ذهبت مع محمد لمقابلته. بعد الترحم علي المرحوم، احضر نكولا مظروف وقال ان الشيخ وصاة بفتحه امام محمد في حالة مرضه او وفاته. وعلى الفور استدعيت الأستاذ بكري للحضور قبل فتح المظروف. وعند حضوره فتح نكولا المظروف وكانت فيه وصية الشيخ، قرأها امامنا. نصت الوصية على ان يرث محمد خميس كل ممتلكات الشيخ في وطنه والخارج بعد وفاته. تفاصيل الممتلكات ملحقة مع الوصية. استلم بكري الوصية بصفته مدير مكتب المحاماة الجديد الذي يدير اعمال محمد خميس.

تقاطيع وجه محمد لم تتغير بعد قراءة الوصية، التي ربما تضيف عشرات الملايين لثروته. من الواضح ان محمد لايزال يعيش في جلباب عبوديته ولا يستوعب الأوضاع المالية ولا اهميتها وسط المجتمع، من هذا تأكدت ان الإسراع في علاجه أصبح ضرورة.

رجعت مع محمد للمكتب وطلبنا بعض الملفات من ضمنها ملف شرين الباز وملف المدير العام الأستاذ مؤيد العجلان للدراسة. طلب محمد عديلة المستر "روبرت بترسن" المعيد في شعبة المحاسبة وإدارة الاعمال بالجامعة الامريكية استلام قسم الحسابات فورا وعليه أيضا مراجعة الفيلات التي طلبناها. وجلسنا لساعة متأخرة من الليل نراجع الملفات ومعنا الأستاذ بكري الجعلي.

بعد اسابيع من المداومة في مكاتب محمد خميس، وحسب المراجعات التي قام بها مستر روبرت، اتضح ان لدي مؤيد العجلان عهدة مالية في بنك بارك ليز فرع نيقوسيا تساوي نصف مليون جنيه إسترليني لتنفيذ مشروع الكناري للشاليهات الفاخرة في جزيرة قبرص. تمت مراجعتها وتم إيقافه عن مواصلة المشروع وعين شخص آخر لإدارته وأحيل مؤيد للتحقيق المالي لعدم ثبوت منصرفات وصلت الي المائة والخمسين ألف جنيه. اما شرين فاتضح انها تعمل كجاسوسة على مكاتب الشيخ في بيروت بتفويض منه بمسمى سكرتيرة خاصة. والشقة التي تملكها كانت هدية لها من الشيخ. أوقفت من العمل بأمر من محمد بدون حقوق، لعدم ثبوت اسمها في جداول الشركة.

ردا لجميل قامت به الآنسة جوليا في احضار والدة ماجدولين وهي الشابة الجميلة التي قابلتها في الهلتون الخليجي ووعدي لها بإيجاد وظيفة شريفة، استدعيتها للحضور للمقابلة ومعها اوراقها الثبوتية والصحية. دخلت جوليا مكتب محمد خميس. سلمت بكل ادب على وعلى محمد بالحضن وكانت على عينيها دمعة فيها مزيج من الفرح والحزن. لاحظت انها لم تعد ضامرة كما عرفتها سابقا، قام بمعاينتها المستر روبرت وعينها في قسم الحسابات كمساعدة له.

ونسبة لان محمد خميس رفض العودة الي بلده لأسباب نفسية، بالإضافة انه يواصل جلسات العلاج مع الدكتور حسن، فلقد تقرر ان يسافر بكري الجعلي مع روبرت الي موطن محمد خميس في الخليج العربي لاستلام الورثة التي وصى بها الشيخ الشمهري، اذ لا يوجد له أي وريث آخر غير محمد.

تمر الشهور وليليان على أبواب الوضوع فلزمت البيت في الايام الأخيرة. وبما ان تاريخ حملها يرجع الي شهرين قبل زواجنا الشرعي، قررنا السفر الي تورونتو واستقبال المولودة في كندا لعدم لفت انظار معارفنا واهلنا وأيضا لحضور الكريسمس مع عمتي هديل حسب وعدنا سابقا. تولي محمود وفتحيه كل اعمالنا في بيروت بجانب مكتب محاربة العنصرية "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" "Free Slaves International Net".

كان في استقبالنا في مطار بترسون بمدينة تورونتو عائلة عمتي، ولأول مرة اقابل ابنها روبير وبنتها سلين. كلاهما يحمل جمال عمتي ولون ابيهما الإيطالي الأصل، وشعر اسود سبيبي ابعد عنهم الجينات الافريقية. كان الاستقبال دافئا، ودرجة البرودة كانت عشرة تحت الصفر. اتجهنا الي منزل عمتي الفخم المطل على بحيرة اونتاريو. مع فارق الوقت بين بيروت وتورونتو لم ننم طول الليل وعمتي وعائلتها حولنا نتبادل الحديث. ألحت سلين علي ليليان ان تنام معها في غرفتها عندما شعرت انها متعبة وهي حامل. اما انا فاستمريت مع البقية نتكلم حتى الفجر.

بعد انتهاء أعياد الكريسمس، قام نادي الكتاب ذوي الأصول الافريقية في أمريكا الشمالية بدعوتي للتحدث معهم وجه لوجه عن روايتي "الجنازير المقدسة" التي ترجمت الي ستة لغات عالمية. قامت زوجتي ليليان بتقديمي ورفعت كتاب كارل ماركس "رأس المال" ومعه قلم الحبر الشهير. وقالت تعرفت على زوجي بهذا الكتاب وهذا القلم في مطار الخرطوم وسردت قصة زواجنا.

تلتها عمتي، التي أصبحت جزء من الرواية، عند إعادة طبعها باللغة الإنجليزية. ثم ختمت حديثها. أعلنت عن تقديم فلمها التلفزيوني الجديد الذي تناولت فيه قصة محمد خميس بعنوان "ثلاثون سنة في العبودية" والذي سيعرض بسينما سنتر تورونتو الشهر القادم بحضور محمد خميس بنفسه. من جانبي، اهديت لمتحف العبودية بنادي الكتاب، الثلاثة حلقات من الجنزير الحديدي الذي قُيدت به جدتي كجارية في مدينة الدامر.

انا وليليان، شعرنا براحة البال والهدوء في كندا، فلذلك اشترينا مزرعة في ضواحي لندن اونتاريو بها منزل كبير استقبلنا فيه يوسف ابن ليليان وامها وكذلك امي ووالدي ومحمود وفتحيه. وفي عيد رأس السنة استقبلنا فيها مولودتي الجديدة وسميناها "ليليانه" تيمنا بجدة ليليان والتي سبيت من البانيا وعاشت كجارية من ملك اليمين في بيت هاشمي في الاردن. يوسف واصال دراسته في كندا واقنع جدته بالإقامة معه، امي من جانبها قررت ملازمة حفيدتها واقنعت والدي. فأصبحنا اسرة ممتدة تنعم بالسعادة والحب. اما محمود وفتحيه فرجعا الي بيروت لمواصلة العمل.

خوفا من جرح مشاعره والدي واحراج والدتي لم تصارح هديل ابي بانها اخته ومن اب واحد وهو الجيلي. استمرت في دورها كابنة للشول رحمة الله عليها، تم تعيين ابي مديرا لمكتب "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" "Free Slaves International Net” في تورونتو وأصبح روبير ابن عمتي مسؤولا عن مكتب ديترويت متشجن.

ليليان لم تنس دعوة تلميذتها مجدلين من اتلانتا جورجيا ومعها طفلها الأول خالد وزوجها مايكل جير وامها مسيلا. اقاموا معنا شهرا كاملا أعدنا فيه ذكريات بيروت. في حفلة اقمناها بمزرعتنا لكل الاهل والاحباب، قدم المستر كلوني زوج عمتي، وظيفة لمايكل جير. قبل مايكل الوظيفة واشتري منزلا بالقرب منا مما شجع ليليان ومجدولين للخروج معا بالأطفال ليليانه وخالد للعب معا. بعد مرور سنة واصلت ليليان دراسة الطب في الجامعة.

محمد خميس تم علاجه. أصبح امبراطورا في مملكته، التي امتدت الي افريقيا حيث تمكن من معرفة اهل امه، في احدى قري تنزانيا، غمرهم بالعون المالي المستدام في تطوير زراعة الشاي. بنى لهم المدارس والمستشفيات. وفي الصومال وفي مدينة هارجيسا مسقط راس زوجته، قام ببناء قصر لنسيبه وشيد مدرسة ثانوية مختلطة ومستشفيي وشركة مواصلات برية.

قبل يومين من تدشين فلم "ثلاثون سنة في العبودية" الذي اخرجته عمتي هديل والذي يحكي قصة محمد خميس، حضر محمد وزوجته حليمة لمدينة تورونتو اونتاريو بصحبة الدكتور حسن عبيد لحضور اول عرض، حجزت ثلاثة اجنحة لضيوفي في هولي دي اين التي لا تبعد كثيرا عن مزرعتي، فُجأت وانا استقبلهم في المطار، بحضور عمي أبكر والانسة جوليا معهم.

في طريقنا من المطار، عرفت من محمد خميس انه عين عدة مستشارين وخبراء لكنه عين عمي أبكر كمعلم خاص وحافظ سره بعد سفري، على ان يواصل عمي دراسته في الجامعة الامريكية بدلا عن جامعة الخرطوم. اما جوليا فلقد طلب عمي أبكر مرافقتها له، لأنه ينوي الزواج. كدت اجن عندما عرفت من محمد موضوع عمي وجوليا.

لم أستطع الانتظار. وفي نفس اليوم وفي جلسة خاصة مع عمي أبكر في احدى قهاوي لندن أونتاريو التقليدية تناقشنا في موضوع جوليا، وقلت له:

- ارجوك يا عمي الابتعاد عن هذه البنت.

- لماذا ... هل يوجد فيها عيب!!؟

- قرأت في سيرتها الذاتية ان لها مولود!!؟

- اعرف ذلك ... وهل هذا عيب!!؟

- اتعرف من اب الطفل؟

- هل هذا يفرق!!!؟

- اعتقد ذلك.

- يا دكتور بعد كل الذي ورد في روايتك "الجنازير المقدسة" عن امي مستوره، فهل تعتقد ان علاقات جوليا السابقة، مشكلة بالنسبة لنا!!!؟

- اكيد ... ارجوك الابتعاد عنها. مهما كانت الأسباب.

- حتى إذا حبتني وحبيتها!!؟

- نعم حتى إذا حبيبتها.

- بعد كل هذا الزخم والنضال ضد العنصرية الذي تقوم به، ما كنت اعتقد أنك عنصري حتى الآن. هل تتذكر يا دكتور، السنة الماضية حين قابلتها في الهلتون.

- هل قالت شيء عني !!!؟

- نعم يا دكتور

- ماذا قالت لك؟

- قالت ان طفلها هو ابن محمد خميس، نعم ... هو ابنه. وسمته خلدون تيمنا بك.

- ابن محمد خميس!!!؟ ... ماذا تقول يا عمي!!؟

- أقول لك ... انه ابن محمد خميس.

- كيف عرفت ذلك

- لأنها قالت لي فضلا على انه يحمل تقاطيع محمد خميس.

تسمر جسمي في الكرسي تماما. طأطأت راسي امام عمي أبكر، وتمنيت ان تخسف بي الأرض في تلك اللحظة. كان متأكدا من نفسه ويتكلم بكل جدية. راودني شعور انني على حافة الهاوية ونهاية كل ما بنيته من عز واسم. وان ليليان زوجتي سترفضني حتما إذا عرفت. ولابد لها ان تعرف كما عودتها.

فقدت المنطق تماما امام عمي، فطلبت منه ان نذهب سويا ونأخذ معنا جوليا لمنزل عمتي هديل في تورونتو لنتحدث معها في هذا الموضوع. رفض عمي طلبي وأصر ان نذهب الي هولي دي إن ونتكلم مع جوليا انا وهو فقط أولا. دخلنا الجناح الذي يسكن فيه عمي معها، وكانت وقتها في الحمام. خرجت علينا وهي في روب الحمام، وكأني ارى الماضي بعيني امامي الآن. يا للهول. ماذا أقول!!؟ سلمت على بكل ادب وجلست. فجمعت شتاتي وقلت لها:

- عفوا ... لماذا لم تخبري محمد يا جوليا بالمولود.

- لم ار داعي لذلك لكيلا اهز مضاجعه وهو في عالم امرأة حبته واحبها.

- هذا نبل منك. لكن امر المولود اهم يا جوليا.

- لقد قررت ان أعش معه على قدر حالي ...بعد ان طردتني اسرتي انا وخلدون من المنزل، والسبب بكل اسف كان لونه. لكن لك الشكر ان تذكرتني وعوضتني بهذه الوظيفة الكبيرة. حبيت أبكر دون مقدمات وحباني، وحقيقة لم اعرف انه هو عمك الا بعد فترة.

بكت جوليا واستمرت دموعها على خدودها المحمرة. استأذنت وذهبت للحمام لتجفيف دموعها ورجعت مرة أخري. طبطب عمي على كتفها، وواصلت الكلام معها دون ان اجرح مشاعرها. وسألتها:

- كيف خالدون وأين هو الآن؟

- يعيش مع خالتي في الضيعة ... انه طفل جميل والله انه جميل.

- صدقيني يا جوليا، لو علم محمد لما تركك لوحدك لحظة واحدة.

- كيف يا دكتور وهو متزوج. هل يضمني كزوجة ثانية؟

- لا اقصد ذلك يا جوليا.

- هل تمانع إذا تزوجت عمك أبكر؟

- لا امانع.

التفت الي عمي أبكر والذي كان مستمعا ولم يشاركنا النقاش، وسألته:

- ما رأيك يا عمي؟

- أولا انا لست متدينا ولا علم لي بالشرع. شرعي هو المنطق. جوليا تريد الزواج منى وانا اريد الزواج منها. امي او جدتك يا دكتور، التي كتبت عنها روايتك "الجنازير المقدسة" هي المرجع الذي تعلمت منه منهجي. لم يكن لها حول ولا قوة فيما فعلته في الحياة فقد كانت ملك يمين فلا يمكن ان تحاسب على فعل أي شيء آنذاك. ولكن بعد الحصول على حريتها وزواجها بابي فهي مسؤولة عن افعالها. بالرغم من تغير الزمن، فجوليا ليست ملك يمين ولكن أرغمها المجتمع والبيئة التي تربت فيها مع الحاجة لأفعال انت تعرفها يا دكتور. لكن حررتها الوظيفة التي تشغلها الآن. فهي الآن مسؤولة عن نفسها وافعالها.

- انت على حق يا عمي أبكر. كيف يكون نسب خلدون في المستقبل.

- ليس هذا مهم في نظري، لأنه ابن محمد خميس، او كان ابن غيره. فهل الزنوج الذين تدافع عنهم وباعوهم تجار الرقيق الي أمريكا او للعالم العربي يحملون شجرة نسب؟ هل انت بنفسك يا دكتور تحمل شجرة نسب؟ انا احمل شجرة نسب من ناحية ابي بالمفهوم الديني في قريتي "عد الفرسان" التي ولدت فيها ويرجع تاريخها لألاف السنين. لكن هل هذا مهم.

- اقتنعت بمنطقك يا عمي وابارك زواجك.

فقامت جوليا من مكانها وضمت عمي أبكر لحضنها وقبلته قبلة طويلة. وقالت لي:

- لا اريد مصارحة محمد خميس، في هذا الامر يا دكتور. سأظل مخلصةٌ لزوجي وصديقة لأسرتك ولاسرته إذا قبلتوني.

- سامحيني يا جوليا إذا أخطأت في حقك.

- لا ... لقد كنت رجلا كريما وعطوفا. ولولاك لما وجدت أبكر، هذا الرجل العظيم. سأصلي اليوم في الكنيسة المجاورة لأشكر الرب علي توفيقي، واطلب غفرانه فيما اغترفت في حق نفسي سابقا.

- لنذهب معك انا وعمي للكنيسة، وبعد ذلك لنذهب سويا لزيارة عمتي هديل.

بعد حضور القداس في الكنيسة، ذهبنا لعمتي وبعد شرح موضوع عمي أبكر وجوليا، تفهمت الوضع بصدر رحب، وطلبت منى اخطار زوجتي ليليان في نفس اليوم. لكنني طلبت منها مرافقتي ومساعدتي. اقنعتني ان أقوم بمفردي لمواجهة ليليان بالحقيقة دون تدخل طرف ثالث.

وصلت المزرعة مـتأخرا ووجدت ليليان منشغلة بإرضاع ليليانه. انتظرت قليلا واسترجعت الماضي، عندما أصرت ليليان علي، بمصارحتها بالتفصيل عما فعلته في سفرتي الخليجية مع شرين وجوليا. وبنفس العزم جمعت شجاعتي وصراحتي وسردت موضوع مشروع زواج عمي أبكر من جونيا، والقصة بأكملها بالتفصيل. استمعت دون مقاطعة وفي النهاية، بكت بحرقة وقامت من مكانها واخذت طفلتها الى حضنها وقالت:

- مرة أخرى يعود كابوس جوليا وشرين يا خالد؟ كيف تسمح لعمك بالزواج من مومس!!؟

- ماذا يمكنني ان افعل؟.

خرجت ليليان من الحجرة وابنتها في يدها واتصلت بعمتي هديل. تكلمت معها لمدة طويلة، لم ترجع لغرفتنا وجلست في الصالون وبنتها بين يديها. تذكرت قصة محاولة انتحارها ورحيلها لحجرتها في بيت محاسن في بيروت، تخوفت ان تعيد نفس السناريو مرة أخرى استمريت ارغبها بحزر شديد.

بعد ساعة صمت مرت كأنها دهر، وصلت عمتي هديل. جلست معها لمدة نصف ساعة ثم استدعتني وجلسنا سويا. يبدو ان عمتي قد تمكنت من تطويع ليليان لحد ما. سار النقاش منطقيا وصريحا. غيرت مكاني وجلست ملاصقا لزوجتي. سمحت لي بأخذ ليليانه ووضعتها في حجري. بعدها، ذهبت ليليان للمطبخ واحضرت قهوة وفطائر ومشروبات. رجعت لمكانها بجانبي. حاولت ضمها بزراعي، لكن شعرت بانها لا تزال تعيش صدمة الحدث. اكتفيت بوجودي ملاصقا لها.

اقترحت عمتي أ نرافقها سويا الي بيتها لقضاء الليلة. ومعنا ليليانه الصغيرة، فوافقت زوجتي. في بيتها الكبيرة، هيأت عمتي حجرة في الطابق الأعلى واخذت ليليانة لتنام معها. وقصدت ان تتركني وجها لوجه مع زوجتي، وسيطر الصمت لعشرة دقائق وبعدها قالت ليليان:

- ما اغضبني في كل هذا، يا حبيبي، أنك لم تخبرني ان جوليا هي التي احضرت مسيلا والدة ماجدولين للفلا. ام الباقي حقا كان مؤلما لمشاعري، لكن سامحتك يا خالد. تذكر انني انثى تقتلها الغيرة على زوجها.

- أوافقك. لم أتكلم في موضوع جوليا معك. لان ام ماجدولين كانت الهدف وحققناه ... الوضوح يا حبيبتي هو شعارنا. وكيف أخفى عنك، وانت تملكين الحاسة السادسة!!؟ حبيبتي. سامحيني. انت وليليانة وامي، اعز ما يملكه قلبي في هذا الوجود.

ارتمت ليليان علي وضمتني الي صدرها. بكت في صمت ثم طلبت منى احضار ليليانه للرضاعة. نامت في هدوء عميق في الجانب الأيمن من السرير تفصلني عنها طفلتنا الصغيرة. في الصباح اتصلت بأمي وصبحت عليها وذكرتها مناسبة العرض السينمائي. اكدت لي ان الجميع على استعداد كامل. رجعت للحجرة ووجدت ليليان انشغلت بتغير ملابس بنتها. ضممتها الي صدري وقبلتها بعمق وكانت طيعة ودافئة. زال الحزن عن وجهها الجميل ورجعت تتألق كنجمة صبح تسري داخل وجداني. وفي طريقنا من تورونتو الي مزرعتنا، قالت لي:

- اريد رؤية خلدون ربما يكون ابنك.

- لا اعتقد ذلك وامه هي التي قالت ان اباه محمد خميس.

- اريدك ان تتأكد يا خالد. اذا خو ابنك، انا أولى به.

- عمي أكد اهتمامه بخلدون ولا يريد مصارحة محمد خميس.

- جوليا ستظل صديقتتنا. سأقابلها اليوم لأول مرة في دار العرض.

- ليليان حبيبتي سامحيني لأني احرجتك كثيرا بتصرفاتي الرعناء.

- يا خالد انا اقتنعت ان الرجال من كوكب آخر. لا تتركني في هذا الكوكب لوحدي لأني احبك.

- لا يفرقنا حتى الموت سندفن سويا.

وصلنا المزرعة. انتظرتنا والدتي في الباب. فطرنا جميعنا كالعادة. ثم بدأنا تجهيز أنفسنا لحضور العرض. ركبنا السيارة العائلية الكبيرة. وتوجهنا الي منزل مجدلين وتركنا ليليانه معها. ثم توجهنا الي تورونتو. الجميع كان في انتظرنا في الصالة، يتقدمهم محمد خميس وعمى أبكر وجونيا ودكتور حسن. وصلت عمتي وعائلتها بعدنا. من بين الحضور جاء الممثلون وبطل الفلم بتقاطيعه المقاربة لمحمد خميس. حضر أيضا المخرجون الامريكان. ودور النشر الكندية. التفوا جميعهم حول محمد الذي ظهر بلبسه الخليجي الذي لفت انظار الجميع.

لأول مرة وجها لوجه تقابل ليليان، جوليا. تم اللقاء في انسجام تام. عندما دخلنا دار العرض جلستا سويا. قرأت عمتي المقدمة. اعقبها ابنها روبيرتو وبجانبه محمد خميس وصفقت الصالة بالترحاب. بكلمات مقتضبة تكلم روبرتو عن محمد. بعدها تكلم محمد بنفسه بالغة العربية وقام بالترجمة عمي أبكر. أصر محمد خميس ان يعلن تبرعه بثلاثة ملايين دولار ل "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" "Free Slaves International Net” صفق الحاضرون ثم لزموا الصمت وبدأ فلم "ثلاثون عاما في العبودية". لمدة ساعة ونصف، في نهاية، الفلم صفق الجميع. بالفرحة والبهجة، ودعنا بعضنا البعض وانصرف الجميع.

بعد أسبوع كتبت صحف تورونتو عن الفلم. حقق إيرادات قياسية بلقت عشرة ملايين في أسبوع واحد. حسب العقد كان، نصيب محمد خميس صاحب القصة عشرة المئة، لكنه رفضها وتبرع بها لنادي الكتاب السودانيين.

تم اقناع ابي بزواج عمي وأقمنا لهما حفل عرس حضرته الجالية السودانية في تورونتو وتبرع محمد خميس لهما بمبلغ كبير وكذلك للجالية السودانية. سافر محمد وحاشيته الي بيروت، وشعرنا جميعنا بالوحشة بعد رجوعنا للمزرعة.

مرت السنين، ولزم والدي المستشفى لمدة سنتين تعالج فيها من مرض القلب والشرايين وبعدها بمدة قصيرة توفى. حسب وصيته ان يدفن في مقابر احمد شرفي. سافرت مع الجسمان الي الخرطوم وقابلني هناك عمي الدكتور أبكر قادما من بيروت ومعه ابنه بالتبني، المهندس خلدون وابنته المحاسبة مستوره. خلدون يعرف ان والده هو أبكر حسب الاتفاق مع جوليا. مستورة ابنته كانت آية من الجمال الرباني، تهافت اهل عمي على زواجها لكنها فضلت ان تنتظر حتى تجيد وظيفتها.

قبل وفاة ابي بثمانية سنين، اتمت داليا كلية الطب لكنها فضلت البيت بدلا عن العمل لمساعدة ابنتها وابنها. اتمت ماجدولين معهد التمريض لكنها واصلت لإتمام كلية الطب. مايكل جير أصبح من اهم مدراء شركة كلوني واشتري مزرعة تلاصق مزرعتي. ابنه خالد وابنتي ليليانه دخلوا الجامعة سويا في تخصص واحد لدراسة نظام الحاسوب. بعد التخرج تدربا على نظام IBM.

تعين خالد ابن مايكل جير، في السفارة الكندية بإسرائيل. مسؤول عن أنظمة الاتصالات والحاسوب. ليليانة سافرت الي دارفور كمتطوعة مع المعونة الكندية. استقر بها المقام كما ارادت في قرية عد الفرسان كمدرسة للغة الإنجليزية في معهد جدتي مستورة. ونجحت في توجيه المعونة الكندية لتطوير المعهد. بالإضافة للاموال التي تبرعت بها والدتها ليليان لتوسيع مباني المعهد.

مؤسسة محمد خميس الخيرية، تبرعت ببناء جامعة نيالا. تحت اشراف ليليانه وابنه المهندس إبراهيم محمد خميس. يوسف ابن زوجتي التحق ضابطا في الجيش الكندي بعد تخرجه من كلية الهندسة بجامعة ميغيل في مونتريال مقاطعة كوبيك. اجاد اللغة الفرنسية. عمل بالقاعدة الجوية بأونتاريو وواصل السكن معنا في المزرعة.

تشتت الأبناء والأصدقاء في انحاء العالم. ظل الكريسمس يجمعنا كل سنة في مزرعتنا. ومزرعة صديقي مايكل جير. اثناء وجودي في كندا تمكنت من تأليف عشرة كتب وبعدها قررت إحالة نفسي للمعاش. توفت ام داليا في السنة الماضية ودفناها حسب وصيتها في مدينة لندن اونتاريو. الكريسمس الأخير كان حزينا ولم تشاركنا فيه امي لأنها كانت طريحة المستشفى. توفت في رأس السنة فسافرنا جميعنا الي الخرطوم ودفناها في مقابر احمد شرفي بجوار قبر ابي. أثناء تواجدنا في السودان، أقمنا جميعنا بمنزل ليليان والذي يشغل شق منه مرجان واسرته. حضر المأتم محمد خميس، الذي غير مركز اعماله الي تنزانيا بدلا عن بيروت. معه ابنه المهندس إبراهيم وعمي الدكتور أبكر الذي يدير مكاتب شركات محمد خميس في بيروت. حضر أيضا محمود وزوجته فتحية وابنه المهندس طلال.

بعد رفع الفراش طلب محمد خميس منى زواج ابنتي ليليانه لابنه المهندس إبراهيم. بعد التشاور مع زوجتي قررنا ان يتم الزواج في السنة القادمة مع أعياد الكريسمس في لندن اونتاريو. تمت الخطوبة في شكل متواضع. بعدها بأيام سافرت ليليانه الي نيلا، لماصلة عملها مع المهندس إبراهيم محمد خميس لانشاء جامعة نيالا. وسافر الجميع من حيث أتوا. بعدهم سافرت مع زوجتي ليليان الي كندا.

وبما ان مسؤوليتنا المنزلية قد تغلست، انتهجت ليليان طريق السياسة وانضمت للحزب اللبرالي الكندي ورُشحت في دائرة لندن أونتاريو ونجحت في دخول البرلمان في أتوا. اما انا فواصلت مكان ابي في إدارة "الشبكة الدولية لتحرير الرقيق" "Free Slaves International Net”.

في مناسبة زواج ابنتنا المهندسة ليليانة، من المهندس إبراهيم محمد خميس، في أعياد الكريسمس. لم نترك أحدا من أصدقائنا، الا واحضرناه وعلى رأسهم أبو العريس المليونير محمد خميس من تنزانيا. جاري وصديقي مايكل جير وعائلته، دكتور قاسم الجرافي وزوجته كرستين من مالمو في السويد، الأستاذ المحامي بكري الجعلي وزوجته محاسن من بيروت، عمي أبكر وزوجته جوليا وابنه خلدون وابنته مستوره، المستر كاسبر من قاعدة البطين في السعودية، صديقي المهندس بشرى الطيب والدكتور حسن عبيد، وسفير السودان في أتوا وزوجته الاثيوبية حتى مرجان وزوجته ووكيل ابي في الدامر عبد العال واسرته.



  • عبدالله الأسد
    من دولة السودان. حاصل علي ماجستير هندسة سباكة المعادن من جامعة وارسو بولندا عام 1967. عمل مستشار سابقا بهيئة اليونيدو التابعة للامم المتحدة. انشأ اول موقع الكتروني في الانترنت عام 1994. بعنوان al-nafitha.com/vb
   نشر في 28 فبراير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا