زرياب الفنان و الصانع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زرياب الفنان و الصانع

  نشر في 20 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 21 يناير 2017 .

تعلق الكرد مند القدم أشد التعلق بالفنون، فقد رعوها و أبدعوا فيها بشكل كبير ، و من بين تلك الفنون التي اهتموا بها على وجه الخصوص، الموسيقى و الغناء . و حسبي في ذلك أن من أهم و أشهر المقامات الموسيقية التراثية ، مقام الكرد و مقام النهاوند ، اللذان يدلان على أسماء مناطق بكردستان، فالنهواند مثلا اسم مدينة من المدن الكردية (مدينة نهاوند). و من جهة أخرى، يرجع جل المهتمين و المتتبعين للشأن الفني و الموسيقي على وجه التحديد ، الموسيقى الأصيلة الى الأصول الكردية، فإذا ما تتبعتها ستجد أن أصول جل أقطابها ينحدرون من كردستان و على سبيل الذكر لا الحصر مولانا جلال الدين الرومي؛ زرياب... كما انك إذا ما تأملت في مجموعة من الأعمال الموسيقية ستجد أن روح الموسيقى الكردية تسري في العديد منها ، و بالخصوص الأغاني التركية و العربية و الفارسية ، و هذا راجع بالدرجة الأولى الى أن أقطاب الأغنية الكردية قاموا في إحدى الفترات التاريخية بالمساهمة في تطويرها . والتي يصنف فيها الموسيقي الملقب "زرياب" كأحد أبرز أقطابها ، بحيث كانت لديه يد في تطوير الموروث الموسيقي الإسلامي.

هو أبو الحسن علي بن نافع ، مولى الخليفة العباسي المهدي أبو الخليفة هارون الرشيد، عرف بالنبوغ و فصاحة اللسان، و حبه للفن و الشعر و الأدب، كما عرف بعشقه للآلات الموسيقية و على رأسها العود و الناي. و عرف أيضا بصوته العذب الشجي الذي يطرب أذن السامع ، و يرقى بمواجيده في مدارج الجمال الروحي ، فقد كان لقوله حلاوة ولعزفه طلاوة .

يرجع سبب تلقيبه بزرياب الى جمال صوته الذي يشبه صوت الطائر المسمى زرياب ، و هذا الأخير طائر اسود له صوت عذب ، و يسمى في الأوساط الشامية -حيث يوجد بكثرة- بطائر الشحرور .

لقد عاش زرياب في بداية حياته في بغداد ، و قد ترعرع مند كان صغير بين الفنانين و الشعراء و الأدباء، و تربى على نظم الشعر و التغني به في قصر مولاه الخليفة المهدي. و تعلم على يد أستاذه إسحاق الموصلي أصول العزف و صناعة الموسيقى و الغناء، و اشتهر بذكائه و فطنته و سلاسة أسلوبه و حسن تعامله و جمال صوته، ما جعله يفوق أستاذه، دون أن يشعر الأخير بذلك، الى أن جرى للخليفة الرشيد مع إسحاق خبره المشهور في الاقتراح عليه بمغنّ غريب مجيد للصنعة، لم يشتهر مكانه إليه، فذكر له تلميذه زرياب، وقال: (إنه مولى لكم، وسمعت له نزعات حسنة، ونغمات رائقة لصيقة بالنفس، وأحدس أن يكون له شأن). فقال له الرشيد: (هذا طَلَبَي، فأحضره إلي لعل حاجتي عنده).

وأحضر إسحاق زرياب، فأمر الخليفة بإحضار عود أستاذه إسحاق، فلما أُدني إليه العود لم يتناوله، وقال: لي عود نحتَه بيدي، وأرهفته بإحكامي، ولا أرتضي غيره، وهو بالباب، فليأذن لي أمير المؤمنين في استدعائه.

فأمر الرشيد بإدخال العود إليه، ولما تأمّل الخليفة العود وجده شبيهاً بعود إسحاق، فقال له: (ما منعك أن تستعمل عود أستاذك؟)، فقال زرياب: (إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنّيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي فلا بد لي من عودي. فقال له: (ما أراهما إلا واحداً). فقال زرياب: (صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غير ذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده، ومن جنس خشبه، فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يُكسبها أناثة ورخاوة) .

فاءستبرع الرشيد وصفه لعوده ، و أمره بالغناء ، فجس الأوتار ثم اندفع فغناه : " يا أيها الملك الميمون طائره... هارون راح إليك الناس و ابتكروا "، فطار الرشيد طربا و قال لإسحاق: " و الله لولا أني أعلم من صدقك لي، على كتمانه إياك لما عنده، و تصديقه لك من انك لم تسمعه من قبل، لأنزلت بك العقوبة..." . حينها أيقن الأستاذ أن زرياب أصبح ينافسه في مكانته عند الخليفة فقام بتهديده و ترحيله من بغداد إلى المغرب.

و بعد أن فر زرياب بجلده من بغداد ، قضى ايام عند امير القيروان ، ثم سار و أولاده الى الأندلس ، ليجدوا أبواب قصر الأمير عبد الرحمن الثاني مشرَّعة تنتظر حضورهم ، فقد أكرم الأمير وفادته و بالغ في إكرامه و أهله ، فقد أمر له بمنزل فخم و بضياع و بساتين و حدائق و راتبا شهريا ، و ما لبث أن أصبح من خاصة الامير ، فأمر بفتح باب خاصة له يدخل من خلالها الى الامير متى شاء.

و أشتهر زرياب بالإضافة الى جمال صوته و رقة أداء عزفه و شغفه بالنظم ، بصناعة الآلات الموسيقية ، فقد زاد في العود وترا خامسا، خلافا لما كان معهودا لدى الموسيقيين، إذ لم يزل العود بأربعة أوتار على الصنعة القديمة ، فزاد عليها وترا اخر متوسط ، فاكتسب به عوده ألطف معنى و أكمل فائدة، كما قام باختراع مضرب العود من قوائم النسر، بدل مرهن الخشب. و أبدع في تنسيق الألحان ، و في تعليم الجواري الغناء و العزف على العود ، فمن أشهر تلميذاته غزلان و هنيدة ومنفعة، اللواتي كن يضرب بهن المثل في الطرب و الغناء .

خلاصة القول لقد كان زرياب صلة وصل بين حضارة المشرق و حضارة المغرب الإسلاميين، فقد جمع بين محاسن الحضارتين و قام بإنتاج تراث فني راقي و مكتمل ، عجز على مواكبته موسيقيي عصره ، وعرض عن الاستفادة منه فنانو عصرنا . 


  • 2

   نشر في 20 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 21 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا