ما بين السفر طوعاً والسفر إجباراً .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما بين السفر طوعاً والسفر إجباراً ..

هنا قطاع غزة!

  نشر في 25 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 26 ماي 2019 .


"مَن استطاع منكم السفر خارج البلاد فليفعل، ومَن لم يستطع فليذهب إلى الحدود أو يقتل نفسه!"

هذا هو الشعار الأبرز الذي كاد أن يقتحم أغلب مواطني قطاع غزة في فلسطين– الشباب خصّيصاً-، ولاسيما خلال الفترة الأخيرة من معيشته المضجَرَة بكل ضنكٍ وعُسر وسوء الأحوال على كافة الأصعدة لديه، خاصتها وعامتها. ويا لكثرة أشكال قتل النفس المتوافرة في مجتمعٍ لا يعرف الحياة أمام العجز عن سفرٍ أو هجرة للخارج!

وفق موقع Index Mundi نجد بأن إحصائيات العام 2018 لسكان قطاع غزة فئة (15 – 24 سنة) تصل إلى 21.25% (بواقع 192.292 ذكر، و 189.166 أنثى). بينما السكان فئة (25-54 سنة) تصل إلى 28.02% (246.518 ذكر، و 256.543 أنثى).

الإحصائيات جلية الأرقام بمعنى فتيّ للمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، وفقاً لكون فئة الشباب فيه بارزة بشكل واضح. وبالرغم من أنّ أرقاماً كهذه في صالح أي مجتمع، لكنه ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2017، ارتفعت معدلات البطالة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية على السواء، بنحو نصف بالمئة عن العام الذي سبقه، وبلغت بالمعدل 27.4% في كلا الجانبين (قطاع غزة والضفة) بنسبٍ متفاوتة. حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل في السوق الفلسطينية 377.3 ألف فرد في كل منهما. إذ بلغت 18.1% في الضفة الغربية، و43.6% في قطاع غزة. بواقع 220.2 ألف عاطل عن العمل في قطاع غزة لوحده!

عزيزي القارئ.. لك بأن تتخيل هذا، جيلاً بأكمله من العمر الخصب المفعم طاقة وحيوية، يُقابل حياته بأسوأ كوابيس المجتمعات البشرية في أي مكانٍ وزمن! (اللا عمل .. الفراغ، اللاشئ، اللاانجاز، عدم تحقيق الذات، الخنق الاجتماعي، التبلد السياسي، الشلل الاقتصادي، وعدم القدرة على تحمل تكاليف معيشته وحياته وحتى ذاته).

وكما يجب أن نتساءل هنا، مجتمعا من الشباب عاطلاً عن العمل، ماذا نفعل به!؟ نُعطيه بضاعةً فاسدة من "الحلوى" كي يلعب بها مع أجياله (العاطلين) في الشارع، أم ندحش له قتات "الحِكَم" العظيمة التي لاكت بكبار السن دهوراً طويلة من تجارب وخبرات وأعمال وأشغال وسفر وعلاقات وأشياء كثيرة أخرى وأخرى .. كيّ يضعها هو على حائط جدرانه أو نرسمها نحن له في سقف غرفته يتأملها (ساخراً) ليل نهار ثم يمسح بها مؤخرة واقعه!!

الحقيقة، بأن تقضي ريعان شبابك في دوَّامات الفراغ لَهو أمرٌ كارثيّ، أمرٌ يضع كل مشاكل المجتمع وتحدياته وأزماته في كفّة، وأزمة الفراغ والعطل والبطالة التي تأكل روحك وعقلك وكل سنين عمرك الخصبة – التي كان من المفروض أن تكون خصبة- في كفةٍ أخرى تماماً.

(السفر/الهجرة) .. النتيجة المنطقية لكل ما سبق، هو أن يصبح حلم المواطن الفلسطيني الغزيّ الخروج من بلادٍ لَم تعرف له سبيلاً في كرامة عيش واحدة، أو أي مَنجى ممكن، أو محاولة شعورٍ بآمان يتيح له فرصة فهم أن هناك حيوات أخرى غير (الموت)، وأنّنا بشر خُلقنا لنمتلك (حقنا) في العيش الكريم والحصول على عمل جيد وتعليم مناسب وصحة آمنة، وعلى بيئة قادرة على استيعابه واحتوائه وفهمه، وضمّها إليه وضمه إليها بكل مفاهيم التآلف والاحترام والتقدير الممكنة، ومن حقه بأن يمتلك دولة أو حتى شبه دولة تمنحه أساس العدل في الحُكم عليه والتعامل معه ويمنحها – بالمقابل- واجباته اتجاهها. بأن تكون أسس (الحقوق والواجبات) متوافرة كي يستطيع العيش والتنفّس، كي يستطيع ممارسة كونه (إنسان) بالشكل الأمثل أو المناسب، لا الكائن الزومبيّ الذي سحقته المشاكل من كل حدبٍ وصوب، وسحقه عجز القدرة على فعل شيء حتى الحصول على عمل أو تحقيق الذات الممكنة ولو بأدنى مستوياتها!


مركز الدراسات وقياس الرأي العام بجامعة الأقصى في قطاع غزة أعلن في العام 2018، نتائج الاستطلاع رقم (6) حول أسباب هجرة الشباب وتداعياتها على المجتمع الفلسطيني والذي تم تنفيذه في الفترة الواقعة بين 5– 7 /10-7 /2018م في محافظات قطاع غزة.

أ.إبراهيم خليل صالحة مدير مركز الدراسات وقياس الرأي العام في جامعة الأقصى، أكّد بأن العينة الخاصة بهذا الاستطلاع والذي كان بتمويل ذاتي كامل من الجامعة، كانت عينة عشوائية منتظمة بلغ حجمها (1280) شخص ممن بلغت أعمارهم 18 سنة فأكثر. وقد تم توزيع هذه الاستمارة في جميع مناطق محافظات قطاع حيث بلغت نسبة فئة الذكور 60.9% ونسبة الإناث 39.1%، أما عن نتائج الاستطلاع فقد توصل الاستطلاع أن نسبة 92.2% من أفراد العينة يعتقدون أن هجرة الشباب أصبحت ظاهرة في قطاع غزة، في المقابل 7.8% يعتقدون عكس ذلك.

كما ويُضاف بأن 83.7% من أفراد العينة أكدوا أن الأسباب الاقتصادية هي أهم الأسباب والعوامل التي تؤدى إلى رغبة الشباب للهجرة, بينما تشكّل العوامل السياسية نسبة 12.4% من أفراد العينة والتي تؤدي إلى رغبة الشباب للهجرة, فيما يرى 0.8% من أفراد العينة أن أهم العوامل التي تؤدي إلى رغبة الشباب للهجرة هي عوامل اجتماعية, وأما العوامل الثقافية فقد وصلت نسبتها إلى 3.1% من أفراد العينة الذين يعتقدون بأنها أهم الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى رغبة الشباب بالهجرة.

*****

حينما يصبح السفر للمواطن في قطاع غزة حُلم، فليس ذلك واقفاً على أن هناك أنياباً بارزة الأطراف تشتهي لحم عمره وسنينه كي تفترسها في مجتمعه الغزيّ، وأنه يود بناءً عليها التملّص منها والفرار .. حينما وجد بأن لحمه (طريّ) أكثر مما ينبغي، وكان لابدّ عليه بخطوةٍ لا خيارات واسعة فيها، بأن يقرر السفر أو الهجرة لخارج البلاد. لا، الأمر لا يقف على هذا! فما لا يدريه الكثيرون بما فيهم الغزيين أنفسهم بأنه وإن كان في داخل البلاد والمعيشة فيها أنياباً بارزة الأطراف لاهثة لقضم كل قطعة من عمره وكيانه، فإنَّ طريق الخروج والسفر من تلك البلاد فيها من أنياب (المعبر) و (أموال التنسيق) و(المعاملة اللعينة) و(مرارات الطريق الطويلة) ما يكفي لسماع دويِّ قضم لحمَ كرامته عالياً عاليا!

ارحَل بِنَفسِكَ مِن أَرضٍ تُضامُ بِها *** وَلا تَكُن مِن فِراقِ الأَهلِ في حُرَقِ

فَالعَنبَرُ الخامُ رَوثٌ في مَواطِنِهِ *** وَفي التَغَرُّبِ مَحمولٌ عَلى العُنُقِ

وَالكُحلُ نَوعٌ مِنَ الأَحجار ِ تَنظُرُهُ *** في أَرضِهِ مُرميٌّ عَلى الطُـرُقِ

فلَمّا تَغَرَّبَ حازَ الفَضلَ أَجمَعَهُ *** فَصارَ يُحمَلُ بَينَ الجَفنِ وَالحَدَقِ

ورغم أنّ الاغتراب والسفر للخارج ليس وردياً كما يُعتقد ولاسيما في التجارب الأولى، وهو غالباً ليس كما قالت تلك الأبيات من حملٍ على الأعناق في الاغتراب، وأنّ المواطن (الكُحلي) المرميّ في أرضه على الطُرقات يحسب نفسه بأنه لن يُرمى على الطرقات في اغتراب وسفرٍ للخارج أو هجرة، إلا أنّ السفر يبقى بفوائدٍ وأهمية لا يمكن تجاوزها أو عدم الإيمان بها، ولاسيما لمن اختار قِبلة السفر لديه بأنها قِبلة عمل وعِلم وإنجاز وتحقيق ذات وبحث واكتشاف وخبرة وعلاقات وحيوات عدة.


"تغرَّب عن الأوطانِ في طلبِ العُلَى، وسافِر ففي الأسفارِ خمسُ فوائـدِ: تفرُّجُ هَـمٍّ، واكتسـابُ مَعيشـةٍ، وعِلم، وآدابٌ، وصُحبـةُ ماجـدِ.. فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذلٌّ ومِحنَـةٌ، وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ، فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِن قِيامِـهِ بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ"

وبالرغم من أنّ المواطن الغزيّ، يواجه تحديات ضخمة في شتّى سُبل ومجالات حياته، وتعقيداتها (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية)، إلا أنّ وِجهة السفر للخارج بهذا الشكل لَم تكن قراراً طوعياً، فالقرار حينما يُصبح بلا بدائل أخرى هو شكل من أشكال الإجبار في عديده!

هذه السياسة الممتزجة بدهاءٍ ماكر، وغباءٍ مستفحل .. على السواء، نتاجُ حُكم متعدد الأذرع جائر الجبهات، ومحكومين قليلي الحيلة، متسوِّلي الحياة.. هو وحده فقط، مَن جعل شكل قرار السفر الإجباري ذلك -لهجرةٍ كانت أو غيره- طوعيّ بحت، أو طوعيته ليست بإجبارية، للأسف الشديد!

.

.

يارا صبحي العفيفي،،

(كاتبة فلسطينية_ من قطاع غزة، مقيمة في جمهورية مصر العربية حالياً)


yara.elafifi@gmail.com

Facebook: يارا العفيفي (Yara S. Alafifi)


  • 3

  • Yara S. Alafifi
    فلسطينية الهوى والمنشأ، والمولِد الكائن بتاريخ 29 يناير للعام 199م في قطاع غزة،، وإنّي أَطرقُ ل [الحرية] باب.. أو أحاول!
   نشر في 25 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 26 ماي 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا