الفلسفة اللاإنجابية. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الفلسفة اللاإنجابية.

  نشر في 14 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2019 .


"في مساوئ أن يكون المرءُ قد وُلِد"

بهذه الكلمات يلخص لنا رسول العدم سيوران وجهة النظر التي تبناها طوال حياته وفي كتاباته، وسعى لإثبات صحتها، والمتمثلة في اللاإنجابية.

الفلسفة اللاإنجابية أو(Antinatalism)هي فلسفة قديمة تعود إلي زمن بعيد، ظهرت في تاريخ اليونان القديم، في أعمال الروائي والمسرحي اليوناني"سـوفليكس" وكانت تطرح صوراً متعددة مرتبطة بالتشاؤمية والعدمية وتطورت فيما بعد لترتبط بالشفقة علي واقع الإنسانية الذي لا يحتاج المزيد من الضحايا الجدد.

ناقش العديد من الفلاسفة الفلسفة اللاإنجابية في كتاباتهم وكان الفيلسوف "أرسطو" من الفلاسفة الذين أيدو اللاإنجابية، ففي كتابه"أخـلاق يوديموس" يقول بالنسبة للبشر فإن أفضل شيء بالنسبة لهم هو ألاَ يولدوا أبداً, وألا يكونوا جزءاً من هذا العالم، وهذا هو الخيار الأول الذي ينبغي أن نختاره إذا كان متاحًا، أما الخيار التالي الأفضل لنا، إذا حدث ووُلِدنا، فهو أن نموت في أقرب وقتٍ ممكن."

ويعد الفيلسوف الألماني "آرثر شوبنـهاور" أوَل من تكلم عن هذه الفلسفة باعتبارها ضرورة أخلاقية, فمن وجهة نظره تخلو الحياة من السعادة و فى أفضل حالاتها تتيح للإنسان قدراً ضئيلاً منها، يضيع في ظل البؤس المسيطر عليها لذلك من غير المنطقي إنجاب طفل ليعيش هذه التجربة غير المجدية، ويتساءل الفيلسوف الألماني قائلاً "لو كان إنجاب الأطفال قرارًا يقوم علي المنطق العقلي الصرف، هل يستمر الجنس البشري بالوجود؟ ألن يمتلك الإنسان من الشفقة ما يكفي لإعفاء الجيل المقبل قسوة الوجود، أو على الأقل ألاَ يقوم بنفسه بدم بارد بفرض عبء الوجود علي أفراد جدد؟"

وفي الأدب العربي فهناك الأديب "أبو العلاء المعري"، الذي وصف الإنجاب بأنه "عقد إجارة باطل، غاب فيه التراضي، والأجير فيه لم يُبلغ ولم يحضر، وفيه غُبن"، ويقول في إحدى أبيات قصائده "نصحتك لا تنكح فإن خفت مأثمًا… فأعـرِسْ ولا تنسِلْ فذلك أجـزم"، وعاش "المعري" حياته بلا زواج،ولا أولاد، وأوصى بعد دفنه أن يُنقش على قبره البيت الذي يقول فيه: "هذا جناهُ أبي عليّ … وما جنيتُ على أحدِ"، ليؤكد أن رحلة حياته بدأت بجناية أبيه عليه بأنه أتى به وجعله يعاني في هذه الحياة.

و الفيلسوف المعاصر ديفيد بيناتار أيضا على خطى الفيلسوف آرثر شوبنهاور والفيلسوف الروماني إميل سيوران، وقد وضع مقارنه بسيطة تلخص لنا وجهة نظره، فهناك حالتان: الأولي الحياة, والثانية العدم، وفي الحالة الأولي المتعة جيدة والألم سيء، وفي الحالة الثانية عدم الألم جيد وعدم المتعة ليس سيئاً، اطرح الجيدين من الحالتين فسيتبقي في حالة الحياة سيء وفي حالة العدم ليس سيئاً.

وأيضا يوضح ديفيد بيناتار في كتابه"الأفضل ألا تأتي أبداً: ضرر القدوم إلي الوجود" وجهة نظره في الإنجاب بقوله" أصبح الإنجاب من تبعات ممارسة الجنس، بدلًا من أن يكون نتاج قرار واعٍ ومدرك للإتيان بأفراد جدد لهذا الوجود، حتى الأشخاص الذين يأخذون قرار الإنجاب بشكل واعي، فإنهم يفعلون ذلك لأسباب عديدة، لكن ليس من ضمنها التفكير في مصلحة الطفل نفسه، وأن مجيئه إلى هذا العالم سيكون شيئًا جيدًا بالنسبة إليه، لا يوجد أحد ينجب طفلًا لمصلحة الطفل نفسه ".

ويرد علي الأشخاص الذين يرون أن وجهة نظره تشاؤمية ويمكن للطفل أن يحظي بحياة طبيعية قائلاً "حتى أكثر الناس أفضلية في ظروفهم قد ينجبون طفلًا يعاني أشد المعاناة، فقد يُغتصب، أو يُعتدى عليه، أو قد يُقـتل بوحشية، المتفائل بالتأكيد يتكبد عناء تبرير هذه المقامرة الإنجابية، لكن بمعرفـة أنه ليس هناك مزايا حقيقية يحصل عليها الإنسان بوجوده أكثر من عدمه، فإنه يصبح شيئًا صعبًا أن تستوعب كيف يمكن تبرير المخاطرة الكبيرة بإضرار الطفل الذي يتم جلبه للعالم، فإذا حصرنا الأضرار الشديدة بشكل غير عادي التي من الممكن أن تصيب أي إنسان بوجوده في هذا العالم، إلى جانب الأضرار الروتينية العادية التي لا تخلو منها حياة أي إنسان، فإننا نجد أن الأمور لا زالت سيئة جدًا بالنسبة لمنجبي الأطفال المتفائلين، إن هذا يوضح أن هؤلاء إنما يلعبون لعـبة الروليت الروسية بمسدس محشو بالرصاص، وهو موجه بالطبع، ليس نحو رؤوسهم، ولكن نحو رؤوس ذريتهم المستقبلية".

جوهر كلام ديفيد هو أن الإنسان سيعاني لا محالة خلال حياته، ولن يستفيد أحد من وجودنا خاصة أن الإنجاب اليوم إذا استمر بنفس الوتيرة فسيؤدي إلى معاناة أكبر لعدد أكبر من الأطفال.

وأخيرا إن كان لديك الرغبة في إنجاب أطفال فلا داعي لأن تفرض التعاسة والألم بإنجابك بشراً آخر. لماذا تجعل معاناتك تتكرر ولماذا تجعل الألم يتكرر؟ ما هي المتعة في إنجاب طفل لهذه الحياة؟ هناك الملايين من الأطفال اليتامى والمشردين حول العالم فلماذا لا تتبنى طفلاً وتربيه، فتشبع رغبتك الأبوية وتنقذ نفساً من الألم والمعاناة.


  • 2

  • hudaomar
    كاتبة، محبة للقراءة، أرسم في بعض الأحيان.
   نشر في 14 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2019 .

التعليقات

Dallash منذ 1 سنة
روعة فعلا
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا