جدار الوحدة.. كنتُ يتيمًا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جدار الوحدة.. كنتُ يتيمًا

فراق أول العمر، برحيل أبي، كان لبِنة في جدار لا يزال يكتملُ البناء مع تقادم العمر

  نشر في 30 أكتوبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2017 .

منذ أن وطأت قدماي أرض الحياة تفتحت عيناي على أعظم فراقٍ، وأُشرِبْتُ جرعات غير قليلة من كأس الحياة، ذرعتْ بداخلي حصانة تحولت أحيانًا إلى حصافة وقدرة على قراءة من هم مثلي من فاقدي أحد مقومات الحياة، ولا تزال مشاهد من مضمون الكلمة تتكرر بتقلب مراحل حياتي العمرية، مذ كنت طفلاً حتى مرحلة الصبية والمراهقة ثم الشباب.

لم يُكتب لي رؤية أبي، الذي رحل عن عمرٍ لم يتعدَ السادسة والعشرين، كنتُ وقتها طفلاً لم يبلغ الوعي بعمر لم يتخطَ الأربعة أحوال، لم أتذكر موقفًا أو مشهدًا، ولم تداعبني يد الأب حنانًا تارة باللعب، أو أخرى بالنهر عن فعل مشين لطفل بعمري.

لكن مشهدًا آخر كان أكثر حضورًا عندما بلغتُ الحُلُم، وقتها فوجئت - لأول مرة - أن أبي غير موجود، أو كما يقولون إني «يتيم» لم أدرك وقتها غير معنى واحد من هذه الكلمة أن الطفل الذي يعيش مثلي فاقد أحد أبويه يسمى يتيمًا، قبل أن أكتشف أن سمات اليتم تُلازم من قفز بعمره إلى الثلاثينيات.

كثيرون أزالوا هذا الإحساس المفعم بالألم حين يشعر بمثله طفل مراهق، بفضل أمي التي وهبتْ حياتها منذ فقدتْ شريك حياتها في ريعان شبابها (العشرينيات) من أجل أولادها الأربع، وثانيًا عمي الذي كان ولا يزال يملأ مكانة الأب، وشقيق أكبر وهبَ حياته للأدوار نفسها، لكن خوالج صدري كانت تقهر لحظات النسيان لدي فتشعرني بالفقدان.

انتقلت من مرحلة نصف المراهقة ونصف الإحساس بالفراق إلى مرحلة أكثر وحدة، عندما تركتُ كل ما امتلك من مقومات السند والعائلة والضجيج الذي يُحدثه أصوات الجيران والأصدقاء؛ تاركًا خلفي مئات من مواقف ومشاهد العزوة، واخترت الدراسة في جامعة القاهرة مطلع الألفية، كانت بدايتها أكثر قسوة كشجرة زُرعت في صحراء مطلوب منها أن تنمو وحيدة.

"ربنا يوقف لك ولاد الحلال".. همهمت أمي وهي تقبلني مودعة شابًا بعمر 17 عامًا، يستقل سيارة الأجرة إلى العاصمة، تنهي بأناملها شوطًا كبيرًا من مشاهد الحنان الذي أشربتُه تارة عندما كنت أستلقي على ظهري متوسدًا رجلها، وأحيانًا أخرى عندما تقطتع فوق نصيبي نصفَ نصيبها من الأكل وهي تتصعب «أنت خسيت يا ابني محتاج تتغذى"، ونست هي أنّ 17 عامًا تفعل نفس فعلتها بنفس جملتها، تفضلني على نفسها وتدعي أنني أحتاج مزيدًا من الرعاية.

لاطمتني أمواج «بنت المعز» العاتية يمنة ويسرى بسنوات من فراق أمي وأسرتي وازدادت اللطمات بأخرى كانت القاضية حين رأيت فراقًا جديدًا لم أضعه في الحسبان، حينما تركت أصدقاء عمري ورفقاء دربي، تباعدت المسافات وانسلخت الأرواح شوقًا لأيام كنّا نتساهر فيها ونتسامر فوق سطح المنزل ملتحفين بالسماء، وتجرعت التجربة الجديدة على مضض وتأقلمت مع واقع جديد شاءت الأقدار أن تسحب مني هذه المرة من عوضوني عن غياب أول العمر.

"أنت هجّيت على مصر وماعتش بنشوفك".. جملة تكررت كثيرًا عندما ألتقي رفقائي وجيراني إذ يحين موعد الحصول على قسط لاستعادة مشاهد طفولتي، لحظات كنت هنا سعيدًا كان مشهد "الغيط" أحب إليَّ من كورنيش نيل القاهرة الذي امتلأ هواءه بأمراض النفوس.

ولأن الحياة أعطتني من دروسها القاسية ما تكفي لإعداد شاب يطمح أن يصنع لنفسه مستقبلاً أفضل، وقعت في حفرة لم أشعر معها بالوقت، انخرطتُ خلال سنوات أعقبت التخرج في صراع مع الواقع المادي والعملي، تعاركت وألهمني الله جزءًا لا بأس به من النجاح الذي كنت أسعى من أجله على المستوى المهني والمادي، لكنّ مشاهد الفراق كانت هذه المرة أطغى وأشد قسوة.

ارتكبت جريمة أكبر في حق نفسي، قلّ صوت أمي في أذني، كما خفت أيضًا مواساة أصدقائي لانشغالي كثيرًا، تلاشى صوتٌ داعم.. التقيت العديد.. من هنا مر أشخاص أغلبهم خذلوني، اكتشفت أنّ هذا الضجيج في العاصمة أشد وحدة، من هدوء في البلد كان ضجيجًا مبهجًا.

فراق أول العمر، برحيل أبي، كان لبِنة في جدار لا يزال يكتملُ البناء مع تقادم العمر.. طاب مساؤكم


  • 5

   نشر في 30 أكتوبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2017 .

التعليقات

راوية وادي منذ 2 أسبوع
رائعة و صادقة .تيتم الأب كان قدراً و لكن يتيم الروح و القلب ... محض اخيتار . المهم الباقى من العمر و ليس ما مضى. أتمنى لك التوفيق.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا