خاتم .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

خاتم ..

عندما وقعت في حبك، أعمى العشق عيوني .. لم أكن أدرك أنك كنت تكتب عني وإلي، كنت أقرأ لك وأنا سعيدة وفخورة .. لكنني بعد أن أدركت أنك كنت تكتب عنا .. تحظم قلبي .. وقررت أن أكتب لك هذه الرسالة التي قد تبدو لك قاسية جداً .. لكن مهما بلغت قسوة كلماتي فلن تكون بجبروت أفعالك ..

  نشر في 14 نونبر 2018 .

"يكفي أن تتهرب مني ..". قلت له وأنا أمسك بيده وأسحبه بقوة نحوي، لقد كان يتلفت حوله خجلاً من صوتي العالي ودموعي التي غطت وجهي. كاتب مشهور مثله لابد وأن موقفاً كهذا سيثير الصحافة كي تكتب عنه، وهذا الكاتب النرجسي يخشى أن تلوث سمعته الصحافة حتى لو بإشاعات كاذبة. 

راح يمثل دور العاشق الرمانسي، أخذني بين أحضانه وراح يمسح الدموع من عيني، كان ذلك الرصيف يبدو لي بلا نهاية، والشمس التي كانت توشك على المغيب، وصاحب البقالة الذي وقف على باب دكانه يراقب المشهد بتحفظ، والمشاة العابرون الذين تجمهروا في مكان قريب يراقبون الحدث!

تركته ومشيت يومها وحدي، لم يلحق بي .. لم يكترث حتى للألم الذي سكن روحي وللدمعة التي شوهت ملامحي. كنت أخاف أن أفقده لهذا كنت متعلقة به رغم كل شيء، هذا ما اكتشفته عندما رحلت عنه، لأن ما اعتقدت أنني أحافظ عليه .. لم يكن بالأساس موجوداً، كان وقوعاً خادعاً في الحب.

على حافة تلك الشرفة التي كنت أنتظره ساعات أمامها، كتبت له رسالة قاسية جداً .. وسلمته إياها ورحلت. الصعب كان أن أقع في حب جاري وأن أفترق عنه .. كيف سأنساه وأنا أترقب بالساعات لحظة وصوله، أكاد أميز صوت سيارته من بين عشرات السيارات التي تركن عند رصيف المبنى، وهي تتقدم من بداية الشارع حتى اللحظة التي يترجل منها ،يصعد الدرج ويغلق باب منزله .. إلى أن يطفئ الأضواء وينام.

مرت أسابيع كان يعدني فيها بأن يمر علي بعد أن ينتهي من حفل توقيع كتابه لنخرج سوية ونقضي وقتاً ممتعاً كما في السابق. تغير كثيراً بعد صدور مجموعته القصصية الأخيرة والنجاح الباهر والشهرة التي حصدها من خلال هذا الكتاب، أصبح رجلاً نرجسياً، نزقاً، فظ الكلام، بارد الملامح، لا يتكلم إلا قليلاً .. شارد الذهن. . كتوماً إلا حد ما! سألته عدة مرات إن كان هناك ما تغير كان يغضب في كل مرة أطرح فيها هذا السؤال، ويجيب بطريقة فظة بأنه بالطبع تغير وأن المكان الذي وصل إليه يحتم عليه هذا التغيير.

وبعد ساعات طويلة من الانتظار، غفوت على الحافة، استيقظت على ألم في ذراعي التي غفوت عليها، كانت الساعة الواحدة تقريباً بعد منتصف الليل، وصلت رسالة منه :" لا تنتظريني اليوم لن أستطيع مكالمتك فأنا في الخارج برفقة بعض الأصدقاء". لقد كانت رسالته باردة .. أين هي كلمة حبيبتي، حياتي، عمري .. أين هو اسمي، أين هي كلمات العشق، على الأقل تمنى لي ليلة سعيدة .. 

لا يهم، بكيت تلك الليلة حتى غفوت لشدة التعب والألم الذي أصاب قلبي، ثم في اليوم التالي أرسل إلي معتذراً، سامحته كالبلهاء وعدت اربط سعادتي بوجوده معي، حضرت نفسي وبقيت انتظره .. تأخر ساعة على موعدنا، لكنه على الأقل وفى به!

خرجنا إلى مطعم فاخر في حي فخم في المدينة، تناولنا العشاء ونحن نتبادل أطراف الحديث المشتت .. كان يتلفت حوله كمجرم مطلوب للعادلة .. كنت أنتظر تلك اللحظة التي سيقدم لي فيها كتابه موقعاً مع رسالة كتلك التي كان يكتبها لي دوماً بالإهداء .. لكنه كان كمن ينتظر أحداً أو شيئاً ما .. وكانت الصدمة عندما سألته عن الكتاب .. أجابني وهو يحرك السكر في قهوته :" أوه أنا آسف حقاً لقد نفذت كل النسخ التي كانت لدي، لكن يمكنك أن تشتري غداً نسخة من أي مكتبة وسأوقعها لك". ثم ابتسم بتلك الطريقة الشريرة، بكل فخر وبهو وبامتعاض قال لي :" القهوة باردة، وأنا لا أحب القهوة باردة فإنها تفقد لذتها عندما تبرد"!.

لم أفهم ما كان يرمي إليه بالتحديد، هل كان يقصد القهوة التي كان يتجرعها والبخار يتصاعد منها، أم كان يقصدني أم يقصد العلاقة التي بيننا .. نظرت إلى يده لم يكن يضع الخاتم، أخفيت نظراتي المرتبكة عنه، حبست دموعي، خرجت إلى الحمام بكيت قليلاً، ثم وقفت في الخارج أتنفس هواءً طلقاً، عدت إلى الداخل فلم أجده .. سألت النادل عنه فقال لي بأنه دفع الحساب وخرج!

عدت إلى المنزل مشياً على الأقدام، كانت المسافة طويلة، تعرضت للكثير من مضايقات الشبان، بكيت كثيراً، دخنت عقب سجائر كنت أحتفظ فيه داخل محفظتي، ثم عدت إلى منزلي .. بكيت .. ثم غفوت!

في اليوم التالي خرجت إلى المكتبة وقمت بشراء الكتاب، وهنا كانت الصدمة الحقيقية التي على أثرها وقعت في المرض لأسبوع كامل، كانت تلك القصص تحكي عني، عن معاناتي في طفولتي مع مرض التوحد، ثم عن علاقتنا، وعن خياناته وعن الكثير من الأسرار التي جمعتنا .. 

حطمت المنزل، مزقت الكتاب، أضربت عن الطعام، وقعت في المرض .. بقيت لأسبوع كامل في المشفى أحصل على تغذيتي من المصل. كان يأتي يومياً لزيارتي وفي ملامحه شيء من الندم عصي على الظهور، نطقها أخيراً وقال لي "سامحيني يا هند .. أنا حقاً لم أكن أتاجر بعلاقتنا .. أنا فقط كنت أستوحي منها".

كنت عاجزة يومها عن الرد، لكن عندما خرجت من المشفى شعرت بقوة خيالية، انطلقت مجدداً لحياة لم يكن هو السعادة فيها، ولم يكن الشقاء ولا الألم، كنت بحاجة أن أكتب له كل شيء قبل أن أقصيه تماماً من حياتي، اشتريت كتاباً جديداً وكتبت له على الصفحة الأولى :" لقد كنت مغرمة بك، عاشقة عمياء .. لهذا كنت أقرأ لك بشغف، وكنت أجد أن كل ما تكتبه أكثر من رائع، لكن عندما قرأت قصة الخاتم وجدت أنني كنت مخدوعة بك، كما كنت مخدوعة بكتاباتك، إن الرجل الحقيقي لا يرتدي ألف وجه، والكاتب لا يستوحي شهرته من ألم الآخرين .. الحقيقة أنك سيء جداً ككل قصة في هذا الكتاب .. قلت في نهاية قصة الخاتم :" إن القاتل أراد فقط أن يسرق خاتم الضحية، لكن عندما عصى الخاتم على الخروج قام بقطع إصبعها، ذلك الفعل جعله يتلذذ بسادية الموقف فقام باغتصاب ضحيته، وعندما انتهى من ذلك كان متعطشاً للمزيد من التعذيب .. فقام بقتلها بهدوء!". أنا الخاتم الذي كان عصياً على الخروج من أصبعك، أنا الضحية التي تلذذت في قطع إصبعها واغتصابها وقتلتها بهدوء .. 

شخص مثلك لا يستحق أن يقف الإنسان عنده، سأكون فخورة دوماً بك، لكن سأتلذذ بسعادة غامرة عندما أسمع خبر سقوطك، عندما يبدأ اسمك يتلاشى، عندما تعود من بعدي كاتباً مبتدئاً تستوحي قصصك من تجارب الجنس العابرة، والجمهور الذي سيحتويك فقط لشهرتك . .لأن لا أحد سيحبك كما أحببتك أنا، لا أحد سيحبك أنت ككاتب مبتدأ .. ولا أحد سيصفق لتجاربك الفاشلة، ولا أحد سيدعم خيالك السادي .. فارحل أنت والخاتم الذي كان يقيدنا إلى الجحيم!".


  • 4

   نشر في 14 نونبر 2018 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا