من مذكرات الراعي الكذّاب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

من مذكرات الراعي الكذّاب

بقلم : أحمد خضر أبو إسماعيل

  نشر في 22 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 03 أكتوبر 2017 .

لقد كان ذاك اليوم هو الأقسى في حياتي على الإطلاق , عدت إلى القرية أجر خلفي أطنان من الخيبة , خليط من الحسرة والندم على قطيع الغنم الذي لاقى مصرعه بين أنياب تلك الذئاب الغادرة لم يتركوا لي سوى تلك الفراء المبعثرة التي بلل دم الخراف جل تفاصيلها , حتى العظام لم تجد مفراً من المجزرة , كل ذئب قبض على عظمة راح يطحنها بين فكيه بمثابة حلوى بعد وليمة اللحم الطازج .

حتى نظرات أهل القرية التي طغت عليها الشماتة أشبه بتلك الأبر التي تغور بالجرح كلما أراد أن يلتئم , وليس ذلك وحسب بل أضحت قصتي مضرباً للمثل في قريتنا والقرى المجاورة .

كل من أراد أن يردع أبنه عن الكذب روى له قصة الراعي , وحتى الشيخ الفاضل في خطبة الجمعة الموالية راح يردد قصتي عبرة وعظة للناس .

مكثت في البيت أياماً عسى أن ينسى الجميع حكايتي لكن عبثاً أحاول , كلما مررت بجمع من الرجال تعالت أصواتهم عمداً تتناقل عبارات السخرية والتهكم .

وبعد حقبة من الزمن عرفت أن ضفاف هذه القرية لم تعد تتسع لي فكلما مر يوم ضاقت حدودها أكثر فأكثر , حزمت أمتعتي ورحت المدينة قاصداً أحد أقربائي الذي سمعت أنه يعمل في التجارة .

وهناك كانت المفاجأة هي الأعظم ما إن رأني أقترب من حانوته الذي توسط المدينة إلا وأنفجر ضاحكاً همست في سري : يبدو أن القصة وصلت إلى هنا أيضاً .

وكما توقعت فعلاً ,لكن أشترك أنا وعموم التجار تقريباً بإحترافنا للكذب وربما هو القاسم المشترك بيننا , فلم أجد منه تمنعاً بل استقبلني وأنزلني في داره وإن صح التعبير في قصره .

يملك من المال ماعجز قارون أن يجمعه خلال حياته , فلا أحد من الورى ينظر لأخلاقه بل عيونهم كانت تتسمر على جيوبه وما بداخلها , أما أنا فكان الفقر يعريني أمام أبصارهم .

مضى ما مضى من الزمن وجمعت من المال جمعاً وفيراً وتبدلت الأحوال تبديلاً بالأمس كنت الراعي الكذّاب واليوم عدت للقرية جل تلك الأحداق كانت تنسدل إلى الأرض عندما أمر بقربها حتى الشيخ الفاضل حدثهم عن أعمالي الخيرية التي لا أتذكر أني قمت بها , إلا أن حفنة من العملة الصعبة كانت تفعل فعلها , ومثال للرجل العصامي أصبحت , وأمست حكاية الراعي تُنسب لغيري وحتى أن أحد الرواة قال بأن الراعي قد مات حتى يوقف امتداد الخيال في القصة واضعاً حداً لخيال من أراد الإبتكار والإجتهاد .

وبغالبية من الأصوات المزورة وصلت إلى البرلمان , ولم أجد صعوبة في تمثيل الشعب القطيع ففي الأيام الخوالي كنت راعياً , وأعرف حق المعرفة إحتياج الأغنام حتى تصمت صمت المقابر تماماً .

وفي إحدى الجلسات كنت أجد في النوم مهرباً من الأحاديث المنمقة التي لا أتقنها وللأمانة لم أكن أعرف أي مشكلة يتم طرحها فالبلاد في نظري خالية من أي مشكلة , استيقظت بعد أن انتهى الجميع من إفراغ أحاديثم وتقيئت بعض العبارات الوطنية المتعفنة التي حفظتها عن ظهر قلب وخرجت بصحبة الزملاء إلى عشاء عمل نتبادل فيه الأحاديث المهمة بالنسبة لنا من تجارة ومخالفات وتمرير بعض الأعمال المشبوهة , الجميل في الأمر أننا كنا نتفق وكانت أفكارنا تصب في نفس الرأي وكأننا من منشأ واحد , لا أحد منا يعترض على المصالح الشخصية وأكثر ما نتجاهله هو المصلحة العامة لليوم والسؤال الذي يحفر كل رأسي كم من راعي لفظته قريته وعاد إليها قائداً يمثل رغباتها وطموحاتها ؟ ظننت نفسي أني الوحيد ولكن في الحقيقة كثرة الأغنام تحتاج عدد أكبر من الرعيان .


  • 7

   نشر في 22 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 03 أكتوبر 2017 .

التعليقات

Salsabil beg منذ 1 شهر
ما اكثرهم في بلادي...موفق مقال شيق
0
أحمد خضر أبو إسماعيل
فعلاً وما أكثرهم ...الشكر لمرورك الراقي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا