مجرد وهم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مجرد وهم

لا تصدق أن الذين يرحلون سيعودون، مهما كانت ملامحهم صادقة عندما وعدوك بذلك. أنا أحدهم .. اعتقدت أن المسافات لن تغيرني، والمحطات الغريبة لن تجعلني شخصاً آخر. لأنني قبل هذا كنت ألوم الناس الذين غادروا ولم يعودوا، كنت أتهمهم بالخيانة والنكران ..

  نشر في 27 أكتوبر 2018 .

في تلك المحطة الغريبة، أقف في الضباب أراقب الثلوج وهي تهبط بخفة، لم أبكِ منذ مدة طويلة، لم أكن أدري أن المحطات الغريبة مخيفة إلى هذا الحد. لم يكن خوفي من الضياع، ولا من المصير المجهول الذي كان ينتظرني، كان خوفي .. من الخذلان!

أي شعور هذا الذي يعيدني سنوات إلى الماضي، سبعة عشر عاماً .. كابينة الهاتف، ليلة رأس السنة، والطرقات التي كانت تعج بالناس الذين يحتفلون ببدأ عام جديد، لا يمكنك أن تلومهم عندما يتعلقون بوهم زائف أن تغير الأعوام يغير من مصيرهم، أن البؤس الذي رافقهم سيزول لمجرد أن عاماً انقضى .. الناس يعيشون على الأمل، لكن بالنسبة لي كانت تلك المكالمة هي الأمل، أما تغير الأعوام هو مجرد وهم .. وهم تعلق عليه آمالك التي خذلت نفسك في تحقيقها في العام الذي انصرم!

لا تصدق أن الذين يرحلون سيعودون، مهما كانت ملامحهم صادقة عندما وعدوك بذلك. أنا أحدهم .. اعتقدت أن المسافات لن تغيرني، والمحطات الغريبة لن تجعلني شخصاً آخر. لأنني قبل هذا كنت ألوم الناس الذين غادروا ولم يعودوا، كنت أتهمهم بالخيانة والنكران .. 

الطقس بارد جداً، أكاد أفقد الشعور بأطرافي، سيمر الوقت سريعاً حين أفكر .. لهذا دعوني أسترسل بالتفكير حتى لو لم تكن أفكاري مترابطة. لن أجلس على كراسي الانتظار فهذا سيزيد حتماً من شعوري بالبرد .. 

لنعد إذاً إلى كابية الهاتف .. كنت أكذب حين قلت أنني كنت أعيش على أمل تلك المكالمة، لأنني كنت خائفاً من أن ترد علي، من أن أخبرها بأنني تغيرت، بأنني خنتها منذ أيام انقضت مع فتاة جميلة ورقيقة، وأنني لم أعد أكن لها ذات المشاعر .. ستكرهونني لمجرد هذا الاعتراف الذي يبدو قاسياً وشنيعاً، لكنني لا ألومكم .. لكنها والحمدلله لم تجب!

وأنا لم أعاود الاتصال، لا أعرف كم بقيت تنتظرني، أو متى تغير شعورها نحوي، في الحقيقة أنا لا أعرف عنها شيئاً .. 

لابد أنها ما تزال ناقمة علي حتى هذه اللحظة، كنت لأنقم عليها لو وعدتني أنها ستعود ولم تعد، لقد كنا مخطوبين .. سافرت مرغماً بسبب ظروف سياسية لست حقاً في مزاج يجعلني قادراً على شرحها لكم الآن، ربما في محطة أخرى، عندما يكون الطقس أفضل!

ربما يتساءل البعض ممن يعرفونني عن سبب وقوفي البائس هذا في محطة كهذه وأنا أحد أهم الأطباء في المقاطعة، لكن الحقيقة هي أن سيارتي تعطلت بسبب الأحوال الجوية في مكان قريب .. وشاءت الظروف أن آتي إلى هنا .. في الحقيقة لم يكن حلمي يوماً أن أصبح طبيباً، لكنني عندما بدأت دراسة الطب، أصبح حلمي أن أكون طبيباً مشهوراً.. أنا رجل أعزب، رغم أنني تجاوزت الخامسة والأربعين من عمري .. مهنتي أخذت مني حياتي، لكنني لست نادماً على هذا .. أندم على شيء واحد فقط .. أنني لم أعاود الاتصال بها!

العملية التي سأجريها غداً هي عمليتي الأخيرة، هذا ما قرره قدري وليس قراراً شخصياً .. فأنا شخصت منذ شهر بداء بارنكسون، رغم هذا بقي الرجل الذي سأجري له العملية مصراً على أن أكون أنا طبيبه.

كطبيب أعرف تماماً مصير هذا المرض، وأعرف أن هذا المصير لا مهرب منه بتاتاً! لست خائفاً من الموت .. رغم أنني أخاف أن أموت وحيداً، أن يمر شريط حياتي أمام عيني وتحضر وفي عينيها ملامح الخذلان.

منذ سبعة أعوام تقريباً التقيت بأحد المصابين بهذا المرض، أتى في حالة اسعافية إلى المشفى حيث أقدم في لحظة ضعف على محاولة انتحار فاشلة، اتذكر حينها أن صديقي الطبيب المشرف عليه قال لي بأن الاكتئاب الذي يصيب هؤلاء المرضى أشد قسوةً عليهم من المرض نفسه!

علمت بعدها أن الرجل مات بحادث سيارة، إنها سخرية القدر .. لا في الحقيقة إنه تجبر الانسان وطمعه، الشباب تغريهم قوتهم وصحتهم فيتناسون أن الموت لا يعرف عمراً، وأن القدر مكتوب .. هل يا ترى ما تزال على قيد الحياة .. هل تعاني من مرض خطير، هل تزوجت .. هل أصبح لديها أولاد؟! .. هل ماتزال تتذكرني؟!

ها هو القطار، أستطيع أن أسمع صوته وهو قادم من بعيد. أشعر بالدفئ يتسلل إلي من جديد رغم أنني لم أصعد القطار بعد.. ألم أقل لكم أننا نعيش على الوهم .. لهذا يا أصدقائي لا تدعوا أحداً يقتل أحلام يقظتكم، وحاولوا قدر الإمكان أن تعتنوا بلحظاتكم لأنها ستصبح الذكريات التي ستعيدون تقليبها عندما تمرون في محطات غريبة. 

هذه السنة سأحتفل بمجون في عيد رأس السنة، سأحيك لنفسي وشاحاً من الأمنيات التي سأزعم أنني سأحققها، سأمر من أمام كابينة الهاتف واحاول الاتصال بها .. سأبتسم في وجوه المارة، وارقص مع السكارى، وأحب مع المحبين، وعندما يطفؤون الأضواء سأقبل إحداهن وأتخيلها هي وأتمنى لها عاماً جديداً سعيداً. 

حان الوقت حتى أودعكم الآن، فلدي رغبة كبيرة في النوم ورحلتي ستسغرق ساعات.. ربما احتسي كوباً ساخناً من القهوة .. لكن لن يكون بوسعي أن أخبركم عن شعوري بعدها .. فالقهوة تعيد الي ذكريات متداخلة وغريبة، أشياء أعيدها بيني وبين نفسي كما تمنيتها أن تكون، وليس فيها شيء من الحقيقة .. مجرد وهم!


  • 4

   نشر في 27 أكتوبر 2018 .

التعليقات

محمود بشارة منذ 2 أسبوع
لا ادري ماذا أقول : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة. لا ادري لماذا خنت ، او غدرت او تركت ولكن كان الله في عونها ، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم
https://www.youtube.com/watch?v=3-JHMlC9akc
1
مريم منذ 2 أسبوع
لا احد يعود ما لم يرغب فى ذلك...لا ذنب للمحطات الغريبة ولا السنين التى تهرب منا ولا حتى الغربة...الذنب ذنب من اراد ان يتخلى وينسى.
راقت لى قصتك ...جميلة.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا