الصلاة في الإسلام، وحكم تاركها. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الصلاة في الإسلام، وحكم تاركها.

الصلاة هل يُكفر تاركها، وهل هناك ثمة عقاب أساسًا على تارك الصلاة؟ مدخل لفلسفة الدين الإسلامي في الشعائر!

  نشر في 28 يناير 2021 .


في هذه المقالة سنتعرض لتحقيق شامل لمفهوم الصلاة وحكم تاركها وحقيقة حالها في القرآن الكريم والسنة النبوية، فقد اعتاد من يأخذ موضوعة الصلاة من الزواية التي آخذها في هذا المقال، بأن يتجاهل السنة والأحاديث التي فيها، ولكننا لم نفعل ذلك، ونزعم بأننا ربما قد جئنا بجديد، في تحقيقنا الحديثي لأحاديث الصلاة وغيرها، وربطها بالمفهوم العام للمقالة في سياق فكرة واحدة يرتبط بعضها ببعض، مشكلةً تصورًا عامًا ومتسقًا عن مفهوم الصلاة دون إغفال مصدري الدين عند الفقهاء عامةً، القرآن والسنة.

أول الأمر نحب أن نتعرض لمفهوم المجرم والمجرمين في القرآن الكريم. فهذا مهم ومفتاح لفهم قضية الصلاة.

ونجد بأن مفهوم الإجرام جاء عديدًا في القرآن، ونلاحظ بأنه مقرون بالكفر، وتكذيب الآيات. أي أن المجرم صفة تطلق على غير المؤمن ابتداءًا! وقاطع الصلة بالله، ويقابله المسلم.

وهاكم نماذج من سور القرآن العظيم:

{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم]

-إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧ القمر﴾

-فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴿١٣٣ الأعراف﴾

-فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ المُجرمين (يونس 17)

‎وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ﴿53 الكهف﴾

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴿٤٩ الكهف﴾

والأمثلة كثيرة، ولكن من الجلي عند استقراء هذه الآيات بأن المجرم هو شخص مكذب بآيات الله، كافر به ، قاطع للصلة.

وبأنه داخل للنار خالدا فيها، فلا يمكن أن يكون مسلمًا أو مؤمنًا.

ولذلك لننظر إلى هذه الآيات فهي تخص مسألة الصلاة:

{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} المدثر.

نزعم في هذه المقالة بأن هناك فرق ضروري بين لفظ الصلاة، صلى، وبين إقامة الصلاة. الصلاة في اللغة: تعني الدعاء، واصطلاحًا الصلة بين وبين الله، أو الصلاة الشعائرية.

فالصلاة وحدها في القرآن المقصود بها الصلة بالله تعالى أيًا كانت، ولو كانت بذكره سبحانه. وإقامة الصلاة هي الصلاة الشعائرية التي فيها سجود وركوع وتؤدى في وقت محدد.

وهذا لأن الحديث هاهنا في هذه الآيات كما تلاحظون، عن "مجرمين" لا علاقة لهم بالإيمان أساسًا، فالأوجب أن نحمل معنى الصلاة هنا على الصلة بالله لا على إقامة الصلاة.

وهذا يوضح أكثر في سورة الماعون:

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)

فابتدأ السورة بمن يكذب بالدين، وهذا لا يعقل أن يكون مؤمنًا، فالويل هاهنا أنسب أن يكون على معنى قطع الصلة بالله سبحانه، أي بالمعنى اللغوي لكلمة الصلاة، من صلة، وذلك لأن الحديث كله عن مجرم كافر، لا عن مسلم تناسا الصلاة المفروضة كما في التفاسير المعتادة والمتداولة، كأن ينسى صلاة العصر أو الفجر! بل من الجلي بأنه حديث عن كافر مجرم، والباقي كله عطف على الذي يكذب بالدين هذا.

فنقول يتضح هذا أكثر عند استعراض الآيات التي فيها إقامة الصلاة:

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴿٣ البقرة﴾

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣ البقرة﴾

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴿٨٣ البقرة﴾

وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴿١٧٧ البقرة﴾

وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴿٢٧٧ البقرة﴾

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴿٣٩ آل عمران﴾

وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴿١٠٢ النساء﴾

وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ ﴿١٤٢ النساء﴾

وبالطبع ليس المقصود هنا بأنه لا يأتي معنى الصلاة الشعائرية إلا وفق جملة (إقامة الصلاة) ولكنها تقترن معها بالأغلب، والشرط الثاني هو السياق، فالسياق هو الذي يخبرنا ما إذا كان المقصود الصلاة (الصلة بالله) أو الصلاة الشعائرية. فمثال ذلك قوله تعالى:

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) الأحزاب.

وبالطبع لم يكن الله (عز في علاه) وملائكته يسجدون ويركعون ويصلون على النبي، ولكن المقصد هنا الصلاة بالمعنى اللغوي.

ومثال الصلاة التي نعرف أنها شعائرية بالسياق :

إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴿١٠٣ النساء﴾

فعرفنا من كتابًا موقوتًا بأنه يقصد الصلوات الخمس المحددة بأوقاتها المعلومة.

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ ﴿٢٣٨ البقرة﴾

هنا أيضًا عرفنا من تحديده للصلاة الوسطى ، بأنه يقصد صلاة معينة، وهي وسطى، والوسط يكون بين صلاة وصلاة، فعلمنا بأن المعنى هنا منصرف للصلوات الشعائرية.

ولكن ما حدث في الحقيقة، -وهذا سبب تكفير كثير من الفقهاء لتارك الصلاة- هو خلط بيِّن بين الصلاة، وإقامة الصلاة في القرآن. فمثلًا مما يستدل به المكفرون، والقائلون بوجود عذاب ينتظر تارك الصلاة:

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} المدثر.

نجد هنا بأن الحديث عن المجرمين! وأنه حديث عن قطع الصلة بالله سبحانه لا ترك الصلاة الشعائرية فحسب، وإلا لما استحق أن يوصم بالمجرم، وبأنه رجل مكذب بيوم الدين! ولكن حمله الفقهاء والمفسرون على تارك الصلاة الشعائرية تكاسلًا، فمن هنا جاء التورط بتكفير تارك الصلاة تكاسلًا .

وكذا أيضًا في الآية التالية التي ذكرناها:

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)

فهنا الحديث ليس عن المصلين الذين تركوا صلاة العصر مرة وتركوا الفجر مرة كما أراد الفقهاء والمفسرون قوله، فالحق أن سياق الآيات لا يتحدث عن مؤمن ترك الصلاة تكاسلًا، ولكن عن مجرم كافر قطع الصلة بالله، الذين هم عن صلاتهم ساهون. طيب ما هي صلاتهم؟ الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون. وهذا الأخير فعل اجتماعي وليس فعل طقوسي شعائري، فما علاقته بالصلاة الشعائرية لو كان هذا هو المقصود؟ ولكن المقصود بأنهم قوم لا صلة لهم بالله، فلا يقدمون على الخير وإعطاء المسكين إلا رياءً بأنهم أُناس متقون وواصلون لربهم، بينما هم ليسوا كذلك!

قبل الانتقال إلى الحديث عن الجوهري والعرضي في الأديان وعلاقة ذلك بالصلاة، من المهم جدًا بأن نفرق بين المؤمن والمسلم.

فمن هم المؤمنون؟ ومن هم المسلمون؟

ندعي في هذه المقالة بأن الإسلام وأركانه غير ما ورد في الحديث الشهير: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة..الخ. ولكن نقول بأن المسلم في القرآن ليس هو متبع النبي محمد فحسب، فإننا نجد ابراهيم يُطلق عليه مسلم، ونجد نوح ويعقوب ويوسف يُطلق عليهم مسلمون! بينما نجد خطاب القرآن لمتبعي النبي محمد (ص) دائمًا ما يصطلح عليه بمصطلح (الذين آمنوا، إن الذين آمنوا، يأيها الذين آمنوا..الخ) فتجد القرآن يسمي متبعي النبي محمد مؤمنين دائمًا. ودعونا نستعرض آيات المسلمين والمؤمنين ثم نخلص إلى تعريف كلٍ منهم، ومن ذلك ننفذ للحديث عن الجوهري والعرضي في الدين.

المسلمون:

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴿67 آل عمران﴾

ويوصي هاهنا إبراهيم وغيره أبناءه بالإسلام!

وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) البقرة.

قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣ البقرة﴾

وهنا في سياق الجديث عن عيسى عليه السلام وحوارييه يقول:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.

فالحواريين يقرون بالإسلام!

ومعلوم بأن المسيحية لا حج فيها، ولا صيام، ولا صلاة شعائرية، ولا زكاة كزكاتنا! فلا ركن من أركان الإسلام المزعومة في الأحاديث عندهم، ومع ذلك هم مسلمون!

ومعلوم بأن الركن في البيت، هو العماد الذي يحمل البيت ودونه يسقط وينهار. وجلي لنا باستقراء آيات الإسلام، بأن أركان الإسلام ليست الشعائر، ولكنها شيء من لب الدين وجوهره، فما هي يا ترى؟ سنرى ذلك بعد استعراض آيات المؤمنين:

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿٦٢ النور﴾

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿١١ الأحزاب﴾

من ابتُلي؟ أتباع النبي (ص)

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤ الروم﴾

وهذا في انتصار الروم على الفرس، ومن يفرح هنا؟ المؤمنون أتباع النبي، ولم يسمهم المسلمون.

وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ ﴿٢٢ الأحزاب﴾

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴿١٠ الحجرات﴾

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴿14 البقرة﴾

من هم الذين آمنوا؟ أتباع النبي ص.

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴿41 البقرة﴾

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴿153 البقرة﴾

ماذا يناديهم هنا؟ الذين آمنوا ولم يقل الذين أسلموا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴿183 البقرة﴾

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴿178 البقرة﴾

ومن هؤلاء الذين كُتب عليهم الصيام والقصاص في القتلى؟ أتباع النبي محمد (ص) ولم يسمهم المسلمون!

نخلص من هذا إلى أن القرآن يفرق تفريقًا بينًا بين الإسلام والإيمان. فالإسلام دائرة عامة تشمل الكثير من الملل، ولكن يجمعها "دين" الإسلام الذي يدين به جميع الأنبياء. وبينما المؤمنون هو اصطلاح خاص بأتباع النبي محمد المؤمنين به أنذاك.

ولذلك نستطيع الآن التوفيق بين هذه الآيات:

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) ال عمران

وكذلك:

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) ال عمران.

وبين هذه الآية التي هي مفتاح فهم أركان الإسلام القرآني:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة.

هذه الآية الأخيرة هامة للغاية ولن أستفيض هاهنا في نقاشها رغم استحقاقها لذلك، حتى لا نطيل هذه المقالة الموضوعة لحل مسألة الصلاة في الإسلام. هذه الآية تقر إقرارًا عامًا وواضحًا بصيغتها العمومية بأن الذين آمنوا (أتباع النبي محمد ص) والذين هادوا- اليهود- والنصارى، والصابئين، كلهم، إذا

١-آمنوا بالله

٢-آمنوا باليوم الآخر

٣-عملوا صالحًا

فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون!

فلذلك بهذا التعداد، نعتقد بأننا ظفرنا بأركان الإسلام. التي نجد بأنها لب الإسلام وجوهره عبر تاريخ الأديان كله، وعبر الأنبياء المختلفين والعصور المختلفة، هذا هو الثابت، وهذا هو جوهر الدين، وأركان الدين الإسلامي.

فهناك دين، وهو الإسلام، وهو يندرج تحته "ملل" ملة إبراهيم، ملة اليهود، ملة النصارى، ملة المؤمنون (أتباع النبي محمد ص)

ولذلك نرى بأن تارك الصلاة الشعائرية لم يخل بركن من أركان الإسلام، ولذلك لا يعد كافرًا خارجًا عن دين الإسلام، فهو دين واسع، وأركانه واضحة محددة بشهادة الآية السابقة في سورة البقرة.

ونحن نجد بأن القرآن ليس فيه آيات تشير إلى عقوبات دنيوية أو أخروية أو الإشارة إلى ذنب أو خطيئة أو سيئة أن يترك المرء شعيرة من الشعائر لا يؤديها، ولكننا نجد القرآن يحث على إقامة الشعائر، ويوصي بها، وينبه إلى أهميتها، ولكنه أبدًا لا يشير إلى إثم تركها، أو تقرير أي عقوبة على ذلك.

فهي واجبة على أتباع النبي محمد (ص) لا ننكر وجوبها كما ذهب إلى ذلك الدكتور محمد شحرور، ولكن نقول بأنها واجبة دونما تقرير عقوبة أو إثم على تركها.

فنقول من واجبك أن تحل واجب المدرسة، طيب لم تحل، ماذا سيحصل؟ لا شيء. لا عقوبة لك، فأنت الخاسر بأنك لم تحل الواجب وتحظى بالدرجات العلا في المادة. فكذلك في الشعائر، فهي موضوعة لمساعدتك أيها الإنسان في توثيق صلتك بالله ، والاقتراب منه، والتواصل معه. فإن أنت تركت ذلك، فأنت من ستخسر هذه الفائدة الروحانية، والدرجات العلا في الاقتراب من الله والحسنات. ولكننا لا نقول بوجود عقوبة ما أو إثم ما. فالواجب لا يعني تركه ضرورة استحقاق العقوبة، وهذا فيه مباحث في أصول الفقه يرجع لها المريد في مظانها.

ورأينا كيف باستقراء الآيات الخاصة بالصلاة، بأن تلك الآيات التي استُخدمت لتكفير ووعيد تارك الصلاة، هي في الحقيقة في المجرم الكافر التارك لصلته بالله سبحانه، لا تارك الصلاة تكاسلًا وهو مؤمن، فليراجع القارئ إن أحب تلك الآيات في مقالتنا هذه ويتأملها بهدوء في سياقاتها.

ونحن بالطبع، سنناقش الحديث النبوي، والأحاديث التي تزعم تكفير، وتتوعد تارك الصلاة الشعائرية، لنوضحها سندًا ومتنًا إن شاء الله، ونناقشها معًا. ولكننا الآن في خضم التحقيق القرآني في مسألة الصلاة .

الآن ننفذ للجوهري والعرضي في الأديان:

وهذا مع الالتفات الهام جدًا إلى تاريخ الأديان والأنبياء، فالصلاة الشعائرية لم تكن يومًا من الجوهري في الدين.

علينا أن نفرق بين الجوهري والعرضي في الدين. والجوهري هو لب الدين، وركنه وأساسه الذي نجده ثابتًا رغم تغير الشرائع وتبدل الأزمان. وذلك هو الإيمان بالله سبحانه، وباليوم الآخر، والعمل الصالح.

وهذا نجده واضحًا بأن كل الأديان المذكورة في القرآن الثابت فيها أمران: العقيدة، الأخلاق.

العقيدة التي تتضمن التوحيد والاتجاه إلى الله بالعبادة.

والأخلاق بما فيها من وصايا تحث على الالتزام بالأخلاق الحميدة وترك الأفعال الذميمة. كأن لا تقتل ولا تسرق ولا تزني ولا تكذب ولا تغش. فهذا ثابت في كل الأديان.

ولكن المتغير حقيقة هو الشريعة، والشعائر.

فنجد أحكام السارق والزاني تختلف من اليهودية إلى المسيحية إلى الإسلام. ونجد مثلًا طريقة الصلاة مختلفة، فصلاة نوح صلاة دعاء كما نعرف، وصلاة المسيحية هي أيضًا صلاة دعاء ليس فيها سجود ولا ركوع. بينما صلاة اليهودية والإسلام فيها السجود والركوع والطقس. فهذا الاختلاف راجع إلى طبيعة المجتمع، وطبيعة النص الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك كلهم مسلمون ناجون إن شاء الله!

قبل أن ننفذ إلى القسم الثاني من المقالة، -الأحاديث النبوية- علي أن استعرض لكم آيتين استدل بها مكفروا تارك الصلاة أيضًا، أستعرضها لكم وأحللها.

أ-فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (التوبة: آية ٥)

يقول مقرروا كفر تارك الصلاة: بأن هذه الآية تدل بأن التوبة لا تكفي لضمان الإيمان، بل إقامة الصلاة وإتيان الزكاة أيضًا! ويرد الفريق الآخر كالتالي: قوله سبحانه فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، لا تعني بأن هذين الأخيرين شرط للإيمان لا يتم دونهما، وإنما يدل على صفة كمالية، أي من كمال الإيمان. كأن تقول: ولدي هذا غاضب عليه جدًا لتركه للجامعة! وتضييع مستقبله، فإن انضبط ولدي وعاد إلى الجامعة وأخذ درجات ممتازة، وأرضى معلميه رضيتُ عنه واعترفت به ابنًا. فنحن نعلم هاهنا بأن رجوعه للجامعة واستكماله للدراسة هو المهم والأساس، وإنما الدرجات الممتازة العالية، ورضى المعلمين عنه مطلوب، ولكنه من الكماليات لا أساس المسألة المُتحدث عنها.

وإنما جاءت لتصوير المؤمن الحق، المكتمل كماليًا.

والراجح عند كثير من الفقهاء عدم تكفير تارك الزكاة أيضًا. فدل أن هذه الآية لوحدها ليست قطعية في تكفير تارك الصلاة والزكاة.

الآية الثانية:

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:59-60]

قال مقرروا كفر تارك الصلاة وغيره: هذه الآية دالة على أن تارك الصلاة الشعائرية، ومتبع الشهوات هو كافر، لأنه سبحانه استثنى فقال (إلا من تاب وآمن) فدل أن الحديث عن كافر بفعله هذا. أضف لذلك كونه سيلقى غيًا، وهذا مكان أسفل النار لا يليق بالمسلمين.

فنقول: بالضبط هذه هي القضية! الحديث هاهنا عن الكافر الجاحد لا المؤمن التارك الصلاة تكاسلًا أو لأي سبب. ثم إننا نجد بأنه حديث عن الصلاة عمومًا، لا عن إقامة الصلاة، ونذكر بالفرق بين الصلاة وإقامة الصلاة في المصطلح والسياق القرآني. فالحديث هاهنا عن مُجرم قطع صلته بالله، واتبع الشهوات، فكان عليه أن يتوب وأن يؤمن (ليس مؤمنًا بعد) ويعمل صالحًا.

ولاحظ بأنه سبحانه لم يقل (إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا وأقام الصلاة وحج البيت وزكى! ولكنه اكتفى بالتوبة والإيمان والعمل الصالح! وهذه هي أركان الإسلام التي ذكرناها، الإيمان، والعمل الصالح، تيمة تتكرر بشدة في النصوص القرآنية (الذين آمنوا ويعملون الصالحات)

القسم الثاني: الأحاديث النبوية في تارك الصلاة: الأحاديث في هذه المسألة كثيرة! ولكنني سأقتصر على أقواها وأجودها كما يقدم ذلك أصحابها، وندرس حديثًا حديثًا سندًا ومتنًا فنتعرف على الحقيقة، وكذلك سنناقش حديث (بني الإسلام على خمس) وأرجو منك أيها القارئ أن تعذرني فسيكون هناك تحقيق حديثي دقيق نسبيًا، فلعلك تمل أو تتعب. ولكن اعلم إن أرهقك ذلك فإن الخلاصة في هذه الأحاديث ستكون ملخصة في النهاية، ولكن لأجل التحقيق والأمانة العلمية لابد من عرض الأحاديث ونقدها حديثًا حديثًا.

فعليك إن لم تكن مهتمًا بالتخريج الحديثي الدقيق لمجموع الروايات التي هي عمدة وأقوى أدلة مكفري تاركي الصلاة وبأنها ذنب عظيم؛فعليك حينها بتخطي كل هذا التخريج إلى عبارة: وأقول في هذا التخريج:

لأنه يحوي الخلاصة، وتعقيب أخير على المقالة.

وأما الآن فننتقل للجزء الحديثي من المقال:

عرض الأحاديث في حكم تارك الصلاة:

١- جاء في صحيح مسلم: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا، عَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ يَحْيَى : أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ "

فقيل : هذا الحديث دليل واضح على أنه تارك الصلاة الشعائرية كافر! فنقول دعونا ننظر في السند أولًا، وسيكون تخريجي مختصرًا حتى لا تطول المقالة.

الأعمش كما هو معروف مدلس، وقد عنعن هاهنا. وأبو سفيان هذا كان يحدث عن جابر من صحيفة! وهذا ما قيل عنه من قبل أهل الجرح والتعديل:

شعبة:قال عبد الله بن أحمد : حدثني يحيى بن معين ، قال : حدثنا وكيع ، قال : سمعت شعبة يقول : حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة .

وقال ابن محرز عن ابن معين عنه : أصاب أبو سفيان صحيفة فرواها .

وقال : لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث .

وقال عبد الله بن أحمد : حدثني ابن خلاد ، قال : سمعت يحيى يقول : قال شعبة : هذه التي يحدث بها أبو سفيان صاحب الأعمش كتاب .

يحيى بن معين .:لا شيء .

قُلتُ: هذا ويحيى بن معين يضعفه، وكما هو واضح بأن رواياته عن جابر من صحيفة، وشدد القوم على حديث الأعمش عن أبي سفيان، وهذا هو سند حديثنا هاهنا!

فالحق أن تخريج الحديث للإنصاف ضعيف، ولكننا إن أردنا التساهل، فغاية درجة الحديث أن يكون حسنًا، والحسن كيف يُستدل به على أمر خطير كهذا!

أما من ناحية المتن: فمثل هذه الأحاديث قد حللها جماعة من الفقهاء ممن يرون عدم تكفير تارك الصلاة الشعائرية، ولم يجدوا عمومًا في كل تلك الأحاديث ما يُثبت ذلك. فقد تأولوا هذه الأحاديث، فقالوا في هذا مثلًا: الكفر كفر أكبر وكفر أصغر، فهذا ليس بكفر أكبر، وإلا لكان تارك الزكاة والصيام كافرًا! ولا أحد من الفقهاء يقول ذلك، وإنما المعنى هاهنا بأن تارك الصلاة الشعائرية ارتكب ذنبًا ليس بالهين، وهو من شِيم الكفار لا المؤمنين. وقيل في تأويل آخر لمثل هذا الحديث وغيره: بأن مثل حديث : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" هو تعبير بأن الصفة الظاهرية التي تميز المؤمن هي الصلاة، والصفة الظاهرية التي تميز الكافر هي عدم الصلاة، خصوصًا مع قل المؤمنين في زمن النبي. فكان هذا هو الفيصل والعلامة الظاهرة على تحديد من هو مؤمن ممن هو كافر. ولكنها ليست العلامة النهائية والحقيقية والباطنة للمرء.

كأن تقول: من جاءكم الشركة بغير شعار الشركة فلا تدخلوه. وكونه قد قدم بغير شعار الشركة يومًا، لا يدل على أنه ليس من موظفي الشركة حقًا! ولكنه الآن ليس من موظفي الشركة ظاهرًا.

فهناك جماعة لها ثقل من الفقهاء كأبي حنيفة وغيره، لا ترى في هذه الأحاديث تكفيرًا وإخراجًا لتارك الصلاة الشعائرية من الملة.

هذا إلى جانب نقدنا لها سندًا، وبيان تهافت السند.

٢-أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ "

سنن النسائي.

وقد ورد هذا الحديث في سنن النسائي، وسنن ابن ماجة، وسنن الترمذي، ومسند أحمد. وكلهم مدارهم على الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.

وأول ملاحظة نلاحظها على هذا الحديث، هو بأنه حديث غريب! فلم يروي أحد من الصحابة هذا الحديث غير بريدة أبو عبد الله، ولم يروي هذا الحديث أحد من التابعين غير ابنه! ولم يروي أحد من تابعي التابعين غير الحسين بن واقد. فالحديث غريب.

وكذا فإن في الإسناد خلل وضعف، فلنرى ماذا يقول أهل الجرح والتعديل، في الحسين بن واقد هذا، وفي عبد الله بن بريدة وفي روايته عن أبيه!

هناك في البداية روايتين عن أحمد بن حنبل، واحدة تثني على الحسين بن واقد، والأخريات كلها ذم فيه. فلنستعرضها: أحمد بن حنبل:قال أبو بكر الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل : ما تقول في الحسين بن واقد ؟ فقال : لا بأس به ، وأثنى عليه .

وقال عبد الله بن أحمد عنه : ما أنكر حديث حسين بن واقد ، وأبي المنيب ، عن ابن بريدة .

وقال العقيلى : أنكر أحمد بن حنبل حديثه .

وقال الأثرم : قال أحمد : في أحاديثه زيادة ، ما أدري أي شيء هي ، ونفض يده .

وقال الساجي : قال أحمد : أحاديثه ما أدري إيش هي .

وقال المروذي عنه : ليس بذاك .

وقال الميموني عنه : حسين بن واقد له أشياء مناكير .

قلتُ: فهذا أغلب الروايات عن أحمد ، ومن خلال أكثر من رواية، تحكي عنه نكارة أحاديث الحسين بن واقد!

الساجي:فيه نظر ، وهو صدوق يهم

فهذا الرجل أقل ما يقال عن حديثه بأنه حسن لغيره.

وأما عبد الله بن بريدة فحاله أوضح:

إبراهيم الحربي:عبد الله أتم من سليمان ، ولم يسمعا من أبيهما ، وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة ، وسليمان أصح حديثًا .

وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : عبد الله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقد ما أنكرهما . وقال أبو القاسم البغوي : حدثني محمد بن علي الجوزجاني ، قال : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - : سمع عبد الله من أبيه شيئًا ؟ قال : ما أدري ، عامة ما يروى عن بريدة عنه . وضعف حديثه.

فهاهنا ينبهنا أهل الجرح والتعديل على عدم جودة أحاديثه عمومًا، ونكارتها خصوصًا عن أبيه! وهذا الحديث هو رواية عن أبيه!

فهذا الحديث دونما أن ننزل إلى ما قبل الحسين بن واقد في الإسناد، ضعيف، ليس بقوي الإسناد، وإذا تساهلنا جدًا قلنا حسن، وكيف نأخذ بهذا الحديث الذي يحكم بالكفر وغيره في مسألة خطيرة كهذه حتى وإن كان حسنًا؟ ناهيك أن الحديث غريب كما ذكرنا!

٣-حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ". قَالُوا : أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ : " لَا، مَا صَلَّوْا ".

وهذا الحديث ورد في صحيح مسلم بهذا السند، وورد في مسند أحمد بمثل هذا السند وبأسانيد غيرها سنتطرق لبعضها إن شاء الله.

فنقول اختصارًا في هذا السند: هداب بن خالد الأزدي هذا ضعفه النسائي، وهمام بن يحيى ضعفه يحيى بن سعيد وكان يصر على تضعيفه ويرى بأنه يزيد في الأسانيد، وقتادة هذا مدلس، أدرجه النسائي في عداد المدلسين، وقد عنعن في هذا الحديث، وكذلك الحسن البصري مدلس، قد عده النسائي وابن حبان وغيره في عداد المدلسين، وقد عنعن هاهنا، وكذا فإن ضبة بن محصن هذا لم يوثقه معاصر.

فلنأخذ مثالًا من أقوال أهل الجرح والتعديل فيهم:

قتادة وفي أنه مدلس:

أبو داود السجستاني:حدث قتادة عن ثلاثين رجلا لم يسمع منهم ، ولم يسمع من حصين

النسائي:قتادة أثبت وأحفظ من أشعث ، وحديث أشعث أشبه بالصواب .

وذكره في المدلسين .

ابن حبان:ذكره في طبقة التابعين من كتابه (الثقات) ، وقال : كان من علماء الناس بالقرآن والفقه ، وكان من حفاظ أهل زمانه ، مات بواسط سنة سبع عشرة ، على قدر فيه .....وكان مدلسا .

قُلتُ: فهذا فيه الكفاية في نقل تقرير كونه مدلسًا، فلننظر في الحسن البصري:

الذهبي:قال في (الكاشف) : كان كبير الشأن ، رفيع الذكر ، رأسا في العلم والعمل .

قال في تاريخ الإسلام : إمام أهل البصرة بل إمام أهل العصر ... سمع من عثمان وهو يخطب ... قال غير واحد من الكبار : لم يسمع الحسن من أبي هريرة ... كان يدلس ويرسل ويحدث بالمعاني ، ومناقبه كثيرة ومحاسنه غزيرة ، كان رأسا في العلم والحديث، إماما مجتهدا كثير الاطلاع ، رأسا في القرآن وتفسيره ، رأسا في الوعظ والتذكير ، رأسا في الحلم والعبادة ، رأسا في الزهد والصدق ، رأسا في الفصاحة والبلاغة ، رأسا في الأيد والشجاعة .

ابن حجر العسقلاني:قال في (تقريب التهذيب) : ثقة فقيه فاضل مشهور ، وكان يرسل كثيرًا ويدلس ، قال البزار : كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ، ويقول حدثنا وخطبنا ، يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة . وهو رأس الطبقة الثالثة .

ابن حبان:ذكره في طبقة التابعين من كتابه (الثقات) , وقال : احتلم سنة سبع وثلاثين ، وخرج من المدينة ليالي صفين ، ولم يلق عليا وقد أدرك بعض صفين . رأي عشرين ومائة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما شافه بدريا قط إلا عثمان ، وعثمان لم يشهد بدرا ..... وكان يدلس.

ونكتفي بهذا القدر بخصوص هذا السند.

فالخلاصة أن هذا السند ضعيف لوجود مدلسين اثنين عنعنوا، وكذلك ضبة هذا الذي لم يوثقه معاصر، وغيرها من الإشكالات التي ذكرناها.

هذا والمتن كذلك لا يدل على ما يريده منه أصحابه من الاستدلال به على التكفير. فهذا الحديث قصارى ما يقول: بأن علامة الإيمان الصلاة، فإن أتوا بها علمنا كيف نتعامل معهم ظاهريًا ، فإن لم يكونوا مصلين، تعاملنا معهم على ظاهر كونهم غير مؤمنين إلا أن يدل الأمر على غير ذلك. كما ذكرنا في التأويل أعلاه، لمثل هذه الأحاديث. وعلى كلٍ السند كما رأيتم إشكالاته كثيرة، وهو في حكمنا ضعيف.

أما أسانيد مسند أحمد، وهي ما تبقى، فإنها اثنان كلها مدارها عن الحسن البصري عن ضبة بن محصن عن أم سلمة.

وقلنا بأن الحسن البصري عنعن في الحديث وهو مدلس، وضبة بن محصن لم يوثقه معاصر.

ومرةً أخرى هذا الحديث غريب! لم يروه أحد من الصحابة غير أم سلمة، ولم يروه أحد عنها غير ضبة بن محصن هذا، ولم يروه أحد عن ضبة بن محصن غير الحسن البصري!

فهل يُتحمل التفرد بحديث هام مثل هذا؟ ناهيك عن المدلسين والإشكالات الأخرى التي في الإسناد!

ونسأل مرة أخرى ذات السؤال: إن سلمنا لكم وتساهلنا جدًا وقلنا بأن الحديث حسن، فكيف يُحتج به على تقرير أمر خطير كتكفير تارك الصلاة، أو التشنيع عليه شناعة عظيمة؟! بل نحمل حينها الحديث والإسناد مالا يحتمل أبدًا.

٤- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : " خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ". قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ ؟ فَقَالَ : " لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ".

قُلتُ: هذا الحديث بلفظه ورد في صحيح مسلم، وقد ورد أيضا في سنن الدارمي. ومدار هذا الحديث على رُزيق بن حيان، عن مسلم بن قرظة، عن عوف بن مالك الأشجعي.

فنقول في هذا السند جرحًا وتعديلًا: بأن رُزيق بن حيان هذا لم يوثقه معاصر، وكذا مسلم بن قرظة لم يوثقه معاصر، وبل قال فيه ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: مقبول.

ومقبول عبارة تدل عند ابن حجر على أن هذا الرواي لين الحديث، فإن لم يُتابع، يُرد حديثه. وهو هاهنا منفرد لم يتابعه في هذا الحديث أحد. فثبت أن حديثه هاهنا ضعيف.

وأضف لذلك ذات القضية، وهي بأن هذا الحديث غريب! لم يروه أحد غير عوف بن مالك الأشجعي الصحابي، ولم يروه عنه غير مسلم بن قريظة، وهو لا يحتمل منه التفرد أبدًا، وكذا رزيق بن حيان. فهذا الحديث غريب، ومتهافت من جهة مسلم بن قريظة وزريق بن حيان.

وبهذا قد انتهينا من عرض الأدلة المهمة والقوية التي يعتمد عليها كل مكفر ومعظم من إثم ترك الصلاة الشعائرية ونقدناها سندًا ومتنًا.

وأما الآن وإلى النقطة الأخيرة في المقالة، تخريج الحديث الهام جدًا : (بُني الإسلام على خمس) وهو مدار من قال بأن الشعائر أركان الإسلام، ونحن نقول بأنها ليست أركان الإسلام وإنما الإيمان، قد يكون خلط الراوي وقال الإسلام بدل الإيمان، وهذا جائز لأن الحديث مروي بالمعنى كما هو معروف، ولكننا نثبت في هذه المقالة بالتحقيق الإسنادي، بأن هذا الحديث بجميع طرقه في الكتب التسعة، لا يصح.

وننبه إلى أن تخريجاتنا الحديثية في كل هذه المقالة، لا تخرج عن الكتب التسعة الحديثية المعروفة.

رواية البخاري:

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".

ونقول جرحًا وتعديلًا: عبيد الله بن موسى هذا أنكر عليه أحمد بن حنبل وغيره عليه أحاديثه، وذلك كما ظهر لي لتشيعه فحسب، دون أي سبب آخر. فلذلك من الظلم له أخذ هذا التجريح على محمل الجد، لأنه تجريح مذهبي وليس موضوعي، ولذلك عبيد الله بن موسى عندي ثقة، أما حنظلة بن أبي سفيان هذا لم يوثقه معاصر، وكذا عكرمة بن خالد!

رواية البخاري بسند آخر:

وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ ، أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا، وَتَعْتَمِرَ عَامًا، وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ. قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي، بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ؛ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ...الخ الحديث.

ولنبدأ بعثمان بن صالح جرحًا وتعديلًا:

أما عثمان بن صالح هذا فهذا ما قالوا فيه من النقد:

الذهبي:قال في (الميزان) : صدوق ، لينه أحمد بن صالح المصري .

وقال في (من تكلم فيه وهو موثق) : صدوق ، غمزه أحمد بن صالح المصري .

ابن الطبري:قال أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين: سألت أحمد بن صالح عن عثمان بن صالح، فقال: دعه دعه. ورأيته عند أحمد متروكا.

قُلتُ: أما ابن وهب فثقة إن شاء الله.

وأما حيوة بن شريح هذا فلم يوثقه معاصر.

وأما بكر بن عمرو المعافري فهذا ما قيل فيه نقدًا من أهل الجرح والتعديل: أبو حاتم الرازي: شيخ. وهي لفظة تضعيف. أحمد بن حنبل:يروى له. الدارقطني:قال الحاكم عنه : ينظر في أمره . ابن القطان:لا نعلم عدالته ابن غلام الزهري:لا نعلم عدالته .

قُلتُ: هذا الراوي لم يوثقه معاصر، أضف لذلك أنه يُستخلص من كلام أهل الجرح والتعديل فيه أنه مجهول الحال! ومجهول الحال في حكم الضعيف لا يُحتج به.

فإذًا هذا السند فيه اثنان ضعفاء. ١-عثمان بن صالح. ٢-بكر بن عمرو المعافري. وخصوصًا بكر بن عمرو المعافري جلي الضعف والجهالة!

والآن إلى روايات صحيح مسلم للحديث:

وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".

الجرح والتعديل:

سهل بن عثمان العسكري: أبو حاتم الرازي:صدوق . الذهبي:قال في (الكاشف) : الحافظ .. ثقة صاحب غرائب .

ابن حجر العسقلاني:قال في (تقريب التهذيب) : أحد الحفاظ ، له غرائب .

أبو الشيخ الأصبهاني:قدم أصبهان وخرج عنها إلى الري ثم رجع إلى العراق ، ومات

بعسكر مكرم ، وكان يروي عن شريك ، وأبي الأحوص ، والأئمة ، كثير الفوائد ، سمعت عبدان يقول : قدم علي سهل بن عثمان عمرو بن العباس وأبو بكر الأعين وجماعة من أصحابه فقالوا له في أحاديث حدثنا بها أنه أخطأ ، فقيل له ، فقال : هكذا حدثنا فلان وفلان . فسكتوا عنه .

وله غرائب كثيرة .

قُلتُ: فالرجل صاحب غرائب كثيرة!

يحيى بن زكريا هذا ثقة إن شاء الله .

أما سعد بن طارق فلم يوثقه معاصر، وهذا نقد أهل الجرح والتعديل له:

يحيى بن سعيد القطان:قال العقيلي: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه .

أبو حاتم الرازي:صالح الحديث يكتب حديثه .

أحمد بن حنبل: ثقة.

قلتُ: لاحظوا معي بأنه لا يوجد فيمن تكلم في هذا الرواي -سعد بن طارق- معاصر له غير يحيى بن سعيد القطان، وهذا المعاصر له لا يروي عنه ويضعفه!

وسعد بن عبيدة السلمي هذا لم يوثقه معاصر كذلك، وانتقده أبو حاتم الرازي، ولكن لا أدري لسبب أنه خارجيّ الرأي -يعني سبب مذهبي- أو لسبب موضوعي. ولكن لم يوثقه معاصر.

هذا السند إذًا ضعيف لاشتهار سهل بن عثمان العسكري بالغرائب، ولضعف سعد بن طارق، ولعدم توثيق معاصر لسعد بن عبيدة السلمي.

وإلى الرواية الأخيرة في صحيح مسلم:

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".

قُلتُ: عبيد الله بن معاذ هذا معاصريه لا يرونه شيئا وبأنه لا علاقة له بالحديث وطلبه وإنما بالشعر!

هذا قول أهل الجرح والتعديل فيه:

يحيى بن معين .:قال ابن الحنيد عنه : ابن أبي سمينة البصري ، وشباب ، وعبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري : ليسوا أصحاب حديث ، ليسوا بشيء .

علي ابن المديني:قال ابن محرز عنه : لم أره قط طلب الحديث ، إنما كان يطلب الشعر ، مثنى أحب إلي منه ، ذاك كان يطلب الحديث ، فقلت لعلي : هو ثقة - أعني المثنى بن معاذ بن معاذ - ؟ قال : نعم .

أبو حاتم الرازي:ثقة .

ابن حبان:ذكره في طبقة تبع الأتباع من كتابه (الثقات) .

قُلت: فالرجل عند معاصريه مشكوك في أمره.

أما أبوه معاذ بن معاذ فثقة إن شاء الله.

وأما عاصم فلم يوثقه معاصر، وقال فيه البزار: صالح الحديث. وهذا لفظ تضعيف كما هو معلوم.

وأبوه كذلك هاهنا (محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) لم يوثقه معاصر.

فالخلاصة أن الحديث هذا بهذا الإسناد ضعيف كذلك.

لضعف عبد الله بن معاذ، وضعف وعدم توثيق معاصر لعاصم، وعدم توثيق معاصر لمحمد بن زيد هذا.

والآن ننتقل لرواية الترمذي:

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ التَّمِيمِيِّ ، عَنْ حَبيِبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ".

الجرح والتعديل:

ابن أبي عمر:

يحيى بن معين .:قال الدوري عنه : ثقة .

أبو حاتم الرازي:كان رجلا صالحا ، وكانت به غفلة ، رأيت عنده حديثًا موضوعا ، حدث به عن ابن عيـينة ، وكان صدوقًا .

ابن حجر العسقلاني:قال في تقريب التهذيب : صدوق ، صنف المسند ، وكان لازم ابن عيينة ، لكن قال أبو حاتم : كانت فيه غفلة .

قُلتُ: هذا الرجل كما هو بين من كلام أهل الجرح والتعديل فيه غفلة، وليس هذا فحسب، فإن أبو حاتم الرازي وجد عنده حديثًا موضوعًا عن سفيان بن عيينة، وهذا الحديث هو رواية ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة، فوجب الحذر أكثر، مع كونه فيه غفلة، فنقول هذا الرواي على أقل تقدير حسن الحديث وربما الأعدل تضعيفه خصوصًا عن سفيان بن عيينة.

-سفيان بن عيينة: سفيان إمام مشهور من أئمة الحديث ولكنه كان مدلسًا كما هو معروف، وهو هاهنا عنعن كما هو واضح، وعنعنة المدلس الذي عُرف عنه التدليس ولو لمرة واحدة لا تُقبل ولو كان إمام الدنيا بأسرها، هكذا هي قواعد علم الحديث.

وقيل في تدليسه:

النسائي:ذكره في المدلسين .

الدارقطني:قال الحاكم عنه : يدلس عن الثقات .

-سعير بن الخمس التميمي

هذا الرجل انتقده أهل الجرح والتعديل فضعفوه وإن وثقه البعض:

يحيى بن معين .:قال الدارمي عنه : ثقة .

أبو حاتم الرازي:صالح الحديث ، يكتب حديثه ، ولا يحتج به

الذهبي:قال في (الكاشف) : وثقه ابن معين ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به .

الجارودي:أخطأ في غير ما حديث مع قلة ما روى .

-حبيب بن أبي ثابت: ضعيف في عطاء ، والرواية هاهنا ليست في عطاء، وإنما كان حبيب بن ثابت مدلسًا! وهو هاهنا عنعن عن ابن عمر. فعنعنة مدلس عن عنعنة مدلس!

انظروا ماذا يقول أهل الجرح والتعديل في تدليسه:

ابن حبان:ذكره في طبقة التابعين من كتابه الثقات ، وقال : كان مدلسا .

ابن حجر العسقلاني:قال في (تقريب التهذيب) : ثقة فقيه جليل ، وكان كثير الإرسال والتدليس. ابن خزيمة:كان مدلسا .

قلتُ: فثبت أن هذا الحديث ضعيف، وذلك لغفلة ابن أبي عمر، وعنعنة سفيان بن عيينة، وضعف سُعير بن الخمس التميمي، وعنعنة حبيب بن أبي ثابت!

وفي سند آخر للحديث عند الترمذي:

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَحْوَهُ.

قلتُ: والخلاصة أن حنظلة وعكرمة لم يوثقهما معاصر. هذا غير أن هذا الحديث عمومًا بكل طرقه غريب كما سيظهر لنا في النهاية، شديد الغرابة، فحديث خطير كهذا، يقرر أمرًا عظيمًا في الدين كتحديد أركان الإسلام، والفيصل ما بين الإسلام وخارجه، وجوهره وأساسه، لا يرويه أحد عن صحابة رسول الله البالغ عددهم ٣٠٠ ألف صحابي في الإصابة لابن حجر، لا يروي أحد عن النبي هذا الحديث غير ابن عمر! هذه للعقول المتأملة، والتي تضع القواعد موضعها الصحيح، وتزن الأمور بالقسطاس المستقيم.

نكمل إذًا. جاء في سنن النسائي:

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَافَى - يَعْنِي ابْنَ عِمْرَانَ - عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : أَلَا تَغْزُو ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ "

قلتُ: محمد بن عبد الله بن عمار هذا جرَّحه معاصر له تجريحًا مخيفًا فقال فيه:

أبو يعلى الموصلي:كان يسئ القول فيه ، وكان يشتد عليه إذا قرئ عليه عنه بشيء ، ويقول : شهد على خالى بالزور .

ووثقه البقية، ولكن هذه الشهادة قوية ولا يمكن أبدًا تجاهلها، ولا نجده تجريحًا مغرضًا أو مذهبي، وبناءً عليها نضعف محمد بن عبد الله بن عمار، فهي شهادة معاصر قوية في عدالة هذا الرجل.

أما المعافى هذا فيظهر من كلام أهل الجرح والتعديل أنه حسن الحديث عمومًا .

وأما حنظلة وعكرمة فقد خرجنا لهم سابقًا وقلنا بأنه لم يوثقهم معاصر. إضافة لغرابة تفرد ابن عمر بالحديث كالعادة في تخريج هذا الحديث.

والآن ننتقل لآخر مصنف وهو مسند أحمد، وفيه مجموعة أسانيد نحققها ونكون قد انتهينا بحول الله:

جاء في مسند أحمد:

حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".

قلتُ: هاشم هذا ثقة إن شاء الله.

عاصم: قال فيه البزار: صالح الحديث، كما ذكرنا سابقًا، وقال فيه أبو زرعة الرازي: صدوق في الحديث. فإذا تساهلنا قلنا حسن الحديث.

أما أبو عاصم هذا فإنه لم يوثقه معاصر، كما ذكرنا سابقًا.

وجاء في مسند أحمد:

حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ".

قلتُ: هذا الحديث فيه هاشم وقد سبق توثيقه وتخريجه، أما إسرائيل هذا فاختلف فيه أهل الجرح والتعديل بين مضعف وموثق فقيل في تضعيفه:

حدثنا ابن حماد ، حدثنا العباس ، عن يحيى ، قال : كان يحيى بن سعيد لا يروي عن إسرائيل ، ولا عن شريك ، وكان يستضعف عاصما الأحول ، وكان يروي عمن هو دونهم ؛ مجالد بن سعيد .

علي ابن المديني:إسرائيل ضعيف .

قال الميموني عنه : صالح الحديث. العقيلي:مختلف فيه . وابن حزم كذلك ضعفه.

قلتُ: هذا الرجل لا يُطمأن إلى حديثه، الخلاف حوله كثير. فنقول حديثه يجب أن يُتابع عليه وإلا فلا.

أي بصيغة المحدثين، يُكتب حديثه .

أما جابر فأهل الجرح والتعديل يضعفونه، وبل اتهمه يحيى بن معين بالكذب!

هذه أقوال أهل الجرح والتعديل فيه:

قال أحمد ، والبخاري : تركه يحيى بن سعيد .

يحيى بن معين .:قال الدوري عنه : لم يدع جابرا ممن رآه إلا زائدة ، وكان جابر كذابا .

وقال مرة عنه : ليس بشيء .

وقال في موضع آخر : لا يكتب حديثه ، ولا كرامة .

وقال الدارمي جابر الجعفي لم يضغفونه ؟ فقال : يضعفونه .

وقال ابن الجنيد : ليس عندهم بشيء ، حجاج بن أرطاة خير منه .

النسائي:ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه .

وقال في (الضعفاء) : متروك .

الدارقطني:قال في (السنن) : ضعيف .

العجلي:كان ضعيفًا يغلو في التشيع ، وكان يدلس .

قلتُ: فالرجل (جابر بن يزيد) ضعيف ومدلس، وقد عنعن هاهنا أيضًا.

فثبت أن الحديث ضعيف، لإشكالية حديث إسرائيل، وضعف حديث جابر بن يزيد.

وننتقل لآخر رواية في مسند أحمد نتناولها في طرق هذا الحديث، جاء في مسند أحمد:

حَدَّثَنَا مَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ ".

قلتُ: مكي هذا قال فيه أهل الجرح والتعديل:

يحيى بن معين .:قال أبو بكر بن أبي خيثمة عنه : صالح .

وقال علي بن الحسين بن حبان : وجدت في كتاب أبي بخط يده : وسألته - يعني يحيى بن معين - عن حديث حدث به مكي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشى ؟ فقال : هذا باطل وكذب .

قال الذهبي في "تاريخ الإسلام": ثم إنه امتنع من روايته.

أبو حاتم الرازي:محله الصدق .

أحمد بن حنبل:ثقة .

النسائي:ليس به بأس .

الدارقطني:قال الحاكم عنه : ثقة ، مأمون .

قلتُ: هذا الراوي لا يُطمئن له بعد قراءة كلام يحيى بن معين فيه، فنقول: يُكتب حديثه.

أما داود بن يزيد الأودي، فهذا ظاهر الضعف الشديد، قال فيه أهل الجرح والتعديل:

يحيى بن سعيد القطان:قال عمرو بن علي : كان يحيى ، وعبد الرحمن لا يحدثان عن داود بن يزيد الأودي .

يحيى بن معين .:قال الدوري عنه : ليس حديثه بشيء .

وقال معاوية بن صالح , ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة عنه : ضعيف .

وقال الدارمي ، والدوري عنه : ليس بشيء .

وقال ابن محرز عنه : ليس بالقوي .

وقال ابن محرز عنه أيضا : ليس به بأس .

علي ابن المديني:لا أروي عنه .

أبو حاتم الرازي:ليس بقوي , بتكلمون فيه , وهو أحب إلي من عيسى الحناط .

أحمد بن حنبل:قال عبد الله عنه : ضعيف الحديث .

النسائي:ليس بثقة .

الدارقطني:قال في (السنن) : ضعيف .

وقال البرقاني عنه : متروك .

ابن حجر العسقلاني:قال في (تقريب التهذيب) : ضعيف .

أبو داود السجستاني:ضعيف .

قلتُ: فثبت أن هذا الحديث ضعيف.

وبقي حديثين اثنين فحسب، في مسند أحمد، وهما ضعيفان بتخريج أهل الحديث، فلا نتعبكم ونتعب أنفسنا بإعادة تكرار تلك النتيجة.

أقول بعد نهاية هذا التخريج: هذا الحديث ضعيف في جميع طرقه، وإن كان حسنًا تساهلًا في طريق واحدة، فتلك الطريق لا تكفي لأن تقيم هذا الحديث ليكون حجة في هذا الموضوع الكبير والمهم والخطير، وأن يكون تصورًا مخالفًا مقابل القرآن، فالقرآن أعطانا أركانًا للإسلام واضحة، وهذا الحديث الذي إن تساهلنا وقلنا بأنه حسن، فليس بمستطيع أن يقرر أمرًا عظيمًا وهامًا كتحديد أركان الإسلام، هذا إضافة إلى أن الحديث غريب من جهة ابن عمر كما ذكرنا، وطرقه ضعيفة واهية في أغلبها، وحسنة في القليل منها تساهلاً. ولكنها أبدًا أبدًا لا ترقى إلى درجة الصحيح! فيحتج بها في مسألة عظيمة وخطيرة كلُبِّ الإسلام وجوهره وأركانه!

فأركان الإسلام كما هي موضحة في القرآن:

١-الإيمان بالله

٢-الإيمان باليوم الآخر

٣-العمل الصالح.

وأما أركان الإيمان فإنها هذه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الصلاة، الزكاة، وقد نضم إليها الصيام والحج.

لقد تم قلب أركان الإيمان والإسلام في التاريخ الفقهي والحديثي. ونحن هاهنا من زاوية قرآنية، وتحقيق حديثي دقيق، نعيد الأمور إلى اتساقها العام بحيث لا تتشاكس ولا تتضارب آيات القرآن بعضها ببعض. وإلا كيف نفهم هذه الآية الجليلة؟

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

♦ السورة ورقم الآية: سورة البقرة (62).

مع الآية الجليلة الأخرى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]

ونحن نعلم جيدًا بأن الذين هادوا والنصارى والصابئين لا يحجون ولا يصومون ولا يقيم بعضهم الصلاة المعروفة ولا يزكي بعضهم الزكاة المعروفة .

فالنصارى مثلًا لا شعيرة للصلاة عندهم طقوسية، ولا صيام، ولا حج، ولا زكاة!

هكذا تُحل الإشكاليات ونربط القرآن بعضه ببعض، ونعطي مصطلحاته وسياقاته حقها واتساقها العام مع كلها القرآني. وكذا نخلص الحديث النبوي من الشوائب والأحاديث التي تشتت مقاصد القرآن، وتحرف مفاهيمه السامية، ونظرته المتسامحة، وفلسفته الدينية الواسعة العميقة، والعقلانية.



  • يوسف المبارك
    شاب قارئ في مجالات الفلسفة والدين والعلوم والتاريخ والأدب. مهتم بالتنوير والتجديد الديني، بيولوجي الدراسة، فلسفيّ الهوى، ديني الوجدان.
   نشر في 28 يناير 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا