هل من جديد يا عيد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل من جديد يا عيد

هل من جديد يا عيد

  نشر في 01 ماي 2022 .

هل من جديد يا عيد

السؤال الذي لن ننتهي من طرحه كل عام طالما أن الإنسان يعمر هذه الدنيا , ليس مهما طرحه بالصيغة التي طرحها الشاعر عبر تلك الأبيات الخالدة :

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ … بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

فكلنا نطرحه بصيغ مختلفة , أو عبر حوار عابر , أو في لحظات تأمل خاصة , ما هي أحوالنا في هذا العيد بالنسبة لأعوام سابقة , ولكن السؤال الذي يخطر ببالي , لماذا يجب أن نسأل هذا السؤال قبل العيد أو ليلة العيد أو أثناء العيد , وكما قلت ربما لن نطرحه بصيغة مباشرة , ولكن الإنسان يدرك لا شعوريا أن هذا اليوم مطلوب منه أن يساير المجتمع وربما العادات والتقاليد والدين ويشعر بتغير ما في روتينه اليومي المعتاد , فالناس تعودت أن تستقبل هذا اليوم (كما يدّعون) , بالفرح والابتهاج والسرور ولبس الملابس الجديدة وزيارة الأهل والأقرباء والأصدقاء , وتجهيز بعض الحلوى في منزله وربما تجهيز بعض النقود للأطفال من الأهل والزائرين , هذه اللوحة الاجتماعية تفرض نفسها على أبناء المجتمع حتى لو تجاهلوها أو لم يهتموا بها أو لم تعد تعنيهم مع تغير الأيام وأحوال الناس وضعف الروابط الاجتماعية والأسرية وحتى علاقات الجيران ببعضها أو ربما بداية اختفاء ما يعرف بالجار , ومع تلاشي الحواري القديمة التي كانت حاضنة مهمة لتلك المظاهر في العيد , بدأ جيل جديد لم يعش تلك المظاهر القديمة والتي كانت أشبه بالطقوس الجبرية والمفرحة في نفس الوقت يفقد محتواها الحقيقي والعميق الذي كان يجعل من ذلك اليوم يوما مميزا خلال سنة كاملة .

هل من الطبيعي أن يقتحم ذلك السؤال أحاديثنا أو خلواتنا مع أنفسنا في كل عام ؟

في باطن الثقافة المجتمعية والدينية لمجتمعاتنا الشرقية من الطبيعي أن نتوارث التنبيه البيولوجي لتلك المناسبة , فالخصوصية المتميزة لشهر رمضان تأخذنا عبر مشاعر ومعايشة خاصة تكاد تأخذ شكلا واحدا عبر أجيال طويلة , فبعد مرور إحدى عشر شهرا من الحياة المعتادة للناس من مأكل وخروج وعمل وزيارات وترفيه , يتهيأ المجتمع وخلال ليلة واحدة لتغيير جذري في روتينه اليومي بشكل نكاد ننفرد به عن باقي الأمم عبر التاريخ , فليس من السهل بكل المقاييس النفسية والمجتمعية وحتى الاقتصادية أن تحدث تغيرا جوهريا في حياة أي مجتمع إلا بتوجيه ديني دقيق ومقبول , يكاد المجتمع المسلم ينفرد بهذه الخصوصية , وكون المجتمع المسلم توارث وقبل وتهيأ لهذا التغيير الجذري خلال ليلة واحدة منذ فرض الله تعالى فريضة الصيام , ورغم اختلاف الزمان وآلياته وطريقة معايشته وتطوره في كل النواحي وحتى الناحية الاجتماعية والنفسية وطريقة التفكير واختلاف الثقافات الدخيلة عليه , وتطوره التكنولوجي والعلمي ووسائل العيش والترفيه والرفاهية , إلا أن تقبل هذا التغيير في نفسية المسلم لم تتغير , فمنذ العهد النبوي وحتى قيام الساعة يدرك المسلم أنه خلال يوم واحد سيبدأ بتغيير نمط حياته وتختفي وجبات الإفطار صباحا ووجبة الغداء وتناول أي طعام أو شراب ولو مثقال ذرة هو أمر مسلم به وغير مستغرب , وخلال يوم يبدأ المسلم تقليل نشاطه أثناء النهار ما استطاع , وربما عمد بعضهم للنوم نهارا والاستيقاظ ليلا وممارسة كل الفعاليات التي كان يمارسها نهارا في اليوم السابق , ربما فرضت تصاريف الأيام بعض التغيير الذي لا مفر منه خضوعا لمرور الأيام وما يحدثه الزمان من أشياء لم تكن عند جيل سابق , وكما قال معاوية رضي الله عنه :

" معروفُ زماننا منكرُ زمان قد مضى , ومنكره معروفُ زمانٍ لم يأتِ "

وهذه المقولة تعني أن ما يراه كل جيل من تغيير قد يراه البعض غير مقبول هو أمر عادي في جيل لاحق , وما يمكن أن يحدث في المستقبل والذي قد لا نتصوره أو حتى نقبله قد يكون أمرا عاديا وقتها , التاريخ كائن حي يكبر مع مرور الوقت وتتغير ملامحه وحتى أفكاره وتصرفاته وتصريفاته , وتبقى مسألة الحلال والحرام في هذا الشهر وعبر كل جيل رهنا بزمنها وحسب فتوى أصحاب الإفتاء وقتها , سواء قبل بها الناس أم لم يقبلوا , لا شك أن بعض الممارسات التي نراها اليوم في رمضان قد تبدو محرمة عند بعضهم , ومع انفتاح العالم واختلاط الأفكار والثقافات واختلاف الآراء ووجهات النظر تبقى كل نفس بما كسبت رهينة .

والأعياد عبر التاريخ والأديان وفي الأمم السابقة لا يختلف كثيرا عن معناه في المجتمع المسلم من حيث الطقوس , فالعيد هو عودة حدث ما كل عام في نفس الوقت , وهو اليوم الذي يحدث فيه تجمع الناس وتلاقيهم , يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله

“العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد عائد، إما بعود

السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك”.

و في القرآن الكريم ، قال الله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .

وعند اليهود بعض الأعياد , مثل يوم السبت , وعيد رأس السنة العبرية , وعيد المظال , وعيد الاعتكاف , وعيد الفصح , وعيد الغفران , وعيد الفوريم , وكذلك النصارى , فمن أعيادهم , عيد يوم الأحد , وعيد البشارة , وعيد الشعانين , وعيد الخميس , وعيد الختان , وعيد التجلي , وعيد السبت , وعيد الصلب , وكلها مرتبطة بالحوادث التي جرت لعيسى عليه السلام , وكذلك المجوس عندهم عيد النيروز , وعيد المهرجان , وعيد السذق , والشركان , والفرودجان , وعيد النساء .

ولا ننسى أعياد العرب في الجاهلية , مثل :

عيد سوق دومة الجندل , وسوق الشقر , وسوق السحر , وأشهرها سوق عكاظ , كما كانوا يتخذون من زيارة اللات والعزى ومناة الثالثة أعيادا أيضا .

ولما جاء الإسلام فرض أعيادا خاصة بالمسلم , يتم فيها الاحتفال دون بطر وتبذير وفجور ورذائل , وهي عيد الفطر وعيد الأضحى , وأيام التشريق ويوم الجمعة ويوم عرفة , والتجمع عند المشاعر المقدسة أثناء الحج والعمرة .

ومن الجدير بالذكر أن العيد في الإسلام له مقاصد دينية وإنسانية واجتماعية واقتصادية كبيرة , فهي ليست احتفالات وتجمع ولقاء وزيارات فقط , بل هي مظهر من مظاهر التعبد والشكر لله تعالى على ما أنعم به من إتمام الصيام والقيام والتصدق وزيارة الأقارب والعفو والتسامح ونشر الفرح والسرور خاصة في قلوب الأطفال والأيتام , والعيد يحقق التسامح ويظهر الإخوة بين المسلمين من خلال تبادل التهاني والتبريكات بينهم , والعيد في الإسلام مرتبط بالدين وأوامر الله قطعا , فعيد الفطر شكر لله على إكمال صيام رمضان , وعيد الأضحى شكرا لله على إتمام فريضة الحج .

وهناك أعياد ابتدعها بعض الناس لا أصل لها في الشرع , وهي مليئة بالمنكرات والبدع المحدثة , وهي كثيرة في كل زمان ومكان , ولكنها لا تعنينا هنا .

وبما أن العيد هو تجمع مجموعة بشرية خلال زمن معين وفي مكان معين , فهناك أعياد غريبة في بعض المجتمعات الغير مسلمة , مثل :

عيد الرقص على النار , وعيد ضرب الجيران , وعيد القرود , وعيد حرب الطماطم , وعيد الحشرات , وعيد الفجل , وعيد القش , وعيد الصمت , وعيد الطين , وعيد الألوان .

ولا يمكن المقارنة بين أعياد المسلمين وما تتضمنه من فوائد روحية واجتماعية واقتصادية , وبين تلك الأعياد التي لا هدف لها إلا العبث والمجون والتفاهة وتمضية الوقت فيما لا يفيد .

ولكن نعود لمقولة المتنبي الأزلية , والتي يحلو للبعض تذكرها ليلة كل عيد , ويرددها البعض كمقدمة لمقالاتهم بهذه المناسبة , ونتساءل :

"عيد بأية حال عدت يا عيد"

لولا أن المتنبي مر عليه ذلك العيد وهو مخذول مطرود من كافور الإخشيدي , وذهبت كل أحلامه بالثراء والسلطة أدراج الرياح , هل كان ألمه في ذلك العيد قد خلده بهذه الأبيات ؟

وهل سيكون ورّثنا هذا التساؤل الذي يحلو للبعض ترداده في كل عيد ؟

وهل أحوالنا في كل عيد هي أسوأ مما سبقها من أعياد , أم أنها أفضل ؟

لا شك أن البعض يراها أفضل , والبعض يراها أسوأ , كل حسب أقداره التي كتبها الله له , وكلما ابتعد المجتمع عن المدنية الجامحة كما في القرى البعيدة والنائية كلما كانت ليالي رمضان ويوم العيد أقرب لذلك البهاء والنقاء الذي افتقدناه في هذه المدن الكريستالية المضيئة , وتظل أعيادنا في الماضي هي الأجمل والأكثر تقربا لله وبعدا عن تغييرات الزمن السريعة والغارقة في الترف واللهو . 



   نشر في 01 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا