في بلدنا فرح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في بلدنا فرح

وصف ساخر لعادات العُرس في قريتي .

  نشر في 30 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 نونبر 2017 .

في بلدنا تلمع الملابس بألوانها الزاهية أيام العيد وأوقات الأفراح وغير ذلك فهي باهتة لا يهتم أحدٌ بها إلا القليل ، فلا عجب لو وجدت قاعة العُرس ممتلئة عن آخرها بأناسٍ لا تعرفهم ولا يعرفهم أصحاب هذا العرس أنفسهم ، فرغبتهم المُلحة بالظهور بأفضل هيئة دائماً ما ترافقهم كعادة باقي الناس ، ولو سألتهم لماذا تحضرون العُرس ستكون إجابهتم " هنفرح معاهم " ، لا مشكلة ، دعهم يفرحون ، فالمشكلة آتية لا محالة بعد قليل .

وتبدأ بدخول العروس قاعة الاحتفال ، والعريس ؟ لا ، العريس منتظراً بالخارج ليُفتح له الباب ويدخل ، حفلة استقبال خاصة أمام العريس بالنيران يقدمها أربعة أشخاص يحملون المشاعل في أيديهم ، يدورون مُكونين مثلثات ومستطيلات ومتوازيات في حركة منتظمة تستمر لحوالي خمسة دقائق ، ثم يُسمح للعريس بالعبور للجهة المقابلة حيث يجد عروسه في انتظاره وأخيراً يمسك يدها ، وهنا يجب أن تسدَّ أذنيك جيداً ، فصوت الزغاريد سيصيبك بالصمم ، وأخيراً تجف حلوقهن التي لا يُعييها شيءٌ ويتوقفن وتبدأ فقرة خاصة للعريس ، لو كنت أصيلاً من أولاد البلد ستعرف ما يناله العريس من أصحابه وجيرانه وأحبائه بم يُعرف ب " التوجيب " ، لمدة الربع ساعة متواصلة والمسكين لا يعرف من أين تأتيه كل هذه المحبة ، فهو مُحاط بكل من يعرفه ومن لا يعرفه ، وينال إذن العفو ويعود أدراجه للجلوس بجوار عروسه على " الكوشة " بعد إرهاقه وتعب من حوله ، ذاهباً للعروس وفي قرارة نفسه يلعن اليوم الذي دعا فيه هؤلاء الناس لحضور فرحه . وقت الجلوس على " الكوشة " بالنسبة للعريس هو وقت الراحة من الرقص الغالب طوال الوقت ، وبالنسبة للعروس فهو وقت التكدير ، فهي حتى الآن لا تصدق أنه وقت زفافها وتسترد وعيها وتصحو بالرقص فقط مع صحباتها ، فلا حيلة للعريس إلا أن يتركها تذهب بعد جدال ربما يطول أو يقصر .

الآن فلتحبس أنفاسك ، ولتفتح عينيك جيداً ، لتشاهد العرض السحري القادم ، إنه وقت " البيبسي " ، نعم ! ماذا تقول ؟ ، فعلاً إنه عرض البيبسي لأحد هؤلاء المبدعون الأربعة ، يحمل فيه صاحبنا صينية عليها كوبين بيبسي ويظل لمدة دقيقتين فتى الشاشة الأول ، يرفع ويخفض الصينية في حركة ترددية لأعلى ولأسفل ، مُستحوذاً على تركيز " الكاميرا مان " ذلك المُبدع هو الآخر ، الذي يندمج معه ، يُقرب ويُبعد ويُحرك الكاميرا يميناً ويساراً كي لا يفوته أي زاوية ممكنة لتصوير كوبي البيبسي ، وأخيراً يُعطى الكوبين للعريس وعروسه ليسقي كلُّ منهما الآخر رشفة  لا يظمأ بعدها أبدا ، انتهوا أخيراً ؟ فليرقصوا إذن سوياً على أصوات الفنانة إليسا أو الفنان الرومانسي أحمد فهمي ، تتلألأ العيون وتلمع ، ما بين حالماً باللحظة هذه وما بين متسائلاً عن ماذا يقول العريس لعروسه في هذا الوقت بالتحديد ، والغريب أن كل من سألتهم من قبل ممن تزوجوا حديثاً هذا السؤال  كانوا يقولون نفس الشيء " هتقليهم دلوقتي يموتوا ويعرفوا إحنا بنتكلم في إيه " ، وتنتهي الرقصة بتصفيق حار من الحضور الكرام ، ثم .. أحسنت إنه وقت الجاتوه .

يُعطى العريس ساطوراً وكأنه جزار ويُؤمر بتقطيع الجاتوه فيشمِّر عن ساعده ويبدأ باسم الله ، أما العروس فدورها مهم جداً هنا ، رغم أنها لا تشاركه عملية الذبح والسلخ هذه إلا أنَّ دورها محوري في هذا الوقت بالذات ، فهي تقف خلف العريس مباشرة واضعة سبابتها على فمها ، آخذة وضعية " اصمت ولا تُخبر أحداً " ، وعلى حين غرة يُعطى لها الإشارة فجأة فتقبض على عنق عريسها ، ويا لسوء حظه لمن تزوج بغبية ، سيكون ضحيتها اليوم ، وأقلُّ الخسائر أنه سيفقد قدرته الإنجابية من " الخضّة " ، مسكين لم يكن يعلم ما بانتظاره ، بعد تقطيع الجاتوه ، جلسة تصوير أخرى أطول من سابقتها ، تتشابك فيه أصابعه وعروسه مكونة كل الأشكال الهندسية والغير هندسية التي تعرفها والتي لا تعرفها  ، مُتشابكة كحية تتلوى ، لتصوير الأصابع فقط وإبراز الدبلة والخاتم ، يعود بعدها العريس وعروسه إلى " الكوشة " ثم .. لا شيء يعلو فوق صوت الجاتوه .

 من كان يرقص بقوة وعنف يُصاب بالشلل فجأة ويبحث عن أقرب طاولة له ليجلس عليها ، الأحباب والأصدقاء والجيران يُصيبهم الروماتيزم فجأة فيلتفّوا حول الطاولات في انتظار مرور الجرسون بهم ومنحهم قطعة الجاتوه ، وهو في شغلهم هذا يرددون بأصوات لا تسمعها بأنه وقت  إنه وقت الفرح الحقيقي ، هكذا كانوا يرددون بدون صوت ، أما العريس والعروس لا ينالهم نصيب من الأكل ، يحملقون في الحضور بعيون تملؤها الحسرة على آلاف الجنيهات التي دُفعت . ما بين جلسات تصوير غريبة ورقصات أغرب ، ينقضي الفرح ويذهب كل واحد لحاله ، إلا لو كان لمال العريس رأي آخر ، إنه وقت الراقصات النصف عرايا ، تصفير وتصفيق حار ، فالجمهور الآن قد تم إثارته ، وتستطيع بحاسة شم قوية أن تشم رائحة التستستيرون تحوم في المكان ، الكل يلتف حول الراقصات ليشاهدوا أدق تفاصيل عرضهم ، بالطبع فالتفاصيل مهمة جداً عند شعب مُتدين بطبعه ! ، فقرة الرقص أهم ما يمكن أن تسعد به في العُرس على الإطلاق ، هكذا يهمهم الحضور وقت الإنصراف ، مرددين في كل مرة أنه أحسن عُرسٍ حضروه في حياتهم .

آلاف الجنيهات ذهبوا هباءً لقضاء ساعتين من الهزل والهراء والمناظر التي تثور لها الأعصاب ، هذه بلدي وهذه هي الأفراح عندنا والعقبى لكم .


  • 2

  • م / أحمد علي
    إن آمنت أنّ التميز لا يأتى عبثاً ، وأنه الاجتهاد وحده هو من يصنع الفارق ، إنْ كنت أفلاطونياً فى مخيلتك ونيوتن فى واقعك ، فمَرْحَباً بك هنا يا صديق . يمكنك إضافتي هنا https://www.facebook.com/profile.php?id=100004447519100
   نشر في 30 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 نونبر 2017 .

التعليقات

راوية وادي منذ 2 شهر
مقال يحتاج للتفكر في طريقة معايشتنا للمناسبات الإجتماعية و خصوصاً الأعراس. أحسنت طرح الموضوع فالأعراس أصبحت عرض للنفاق الإجتماعي المكلف و المرهق و الذي ليس له علاقة بالفرح و السعادة و المشاركة بل ليلة للنميمه و الغيبة و الديون علي ظهر العروسين سلم قلمك و سلمت يمناك
2
م / أحمد علي
متشكر جداً .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا