صغاري الأبطال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صغاري الأبطال

  نشر في 02 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 03 شتنبر 2019 .

‫كعادتها كل ليلة ترنوا الى رُكنها الذي تعيرهُ كل اهتمامها ، طوال اليوم يظل مهجوراً حتى إن آتى الليل، ركنت إليه وأشعلت الشموع المُهترئة ، ثم تفتح كراسة الرسم المُمزقة وتنثر تلك الالوان المُبعثرة ، لم تكن رسامة بل كانت تفيض بما في داخلها ، ومن ثم تُصلح كوب كاكاو دافيء ، وتختبىء تحت لحاف أحلامها، وتحتضن أحد الكُتب ، كانت تسافر وتلف العالم كلما بدأت تقرأ ، تستغرق فالقراءة حتى يداعبُ النوم عينيها ، حتى يسقط الكتاب ارضاً ، لتعلن استسلامها  ، كان هو روتينها للهروب من كل العالم ، هروب لطيف مُريح لقلبها .. ‬

‫كانت تلك الفتاة تعيش في منزل سيدتها ، تنظف ، تمسح ، تهتم بالاطفال ، وفي الفترة الأخيرة تعلمهم ، كانت كُل شيء في ذلك المنزل ، غير انها ليست سيدته ، بل خادمته ، ابتسامتها لاتغيب ، وعينيها دائماً ماتشع بالأمل ، وإن شعرت بالبكاء اختبأت خلف الابواب ، لتهطل بكل مافي داخلها وتخرج لهم بروح عالية وابتسامة لاتذبل ، الصغار يحبونها وربما اكثر من والدتهم ، يستيقظون على صوتها ، ويتناولون الافطار معاً ، ومن ثم تودعهم عند باب المنزل ،ملوحين لها بكل سعادة ، لتبدأ قصة تنظيف المنزل ، تتنفس بعمق ، حتى تستجمع قواها لبث الحماس فيها ، لجعلهِ انيقاً مرتباً نظيفاً .. ‬

‫وفي أوج انشغالها يطرق الباب شخص ما ، تفتح الباب لتجدهُ ساعِ البريد ، يعطيها الطرد ، وتوقع فقد كانت البرقية لها ، تفتحها لتجد بأنها جواب عن سؤال بعثته لمسابقة الرسم ، وقد أثنوا على رسمتها وطلبوا منها المجيء ، فرحت وحزنت في آن واحد ، فرحت لقبولها واعجابهم برسوماتها ، وحزنت ان وافقت  ستفارق عصافيرها ، فراق صغارها الذين منذُ ولادتهم وهم معها ، هي لم تلدهم ولكن كانت هي كل حياتهم ، هي من تعيش تفاصيلهم ، فرحهم وحزنهم وشقاوتهم ولحظة هدوءهم ، تهذي مع نفسها : كيف لي ان اذهب واتركهم ، كيف لي ! قلبي سيتقطع عن كل خطوة تبعدني عنهم ، ولكن ليس لي حيلة ، يجب ان اذهب ، فالفرصة بين يدي ولن أضيعها ، فقررت فجاءه ان ترتب حقيبتها وتذهب مُسرعةً قبل ان يأتوا أصدقائها الصغار ، فقد كان الوداع ماتفكر به منذ قررت الذهاب ، تاركةً رسالة مكتوب فيها : الوداع ياعصافيري اللطيفة ، أراكم على خير 💕. ‬

‫ذهبت بخطوات ترجف ، لاتعلم مابها ، لكنها أكملت ، وقت الانتظار فالمطار كان مشمئزٌ بالنسبةِ لها ، بعد ساعات هاقد اعلنوا وقت ركوب الطائرة ، وذهبت بخطوات مُتكاسلة فالنوم بدا يجرفها نحوه ، اسندت جسدها في مكانها الذي أخبرتها عنه المضيفة ، وقد كانت النافذة بجانبها ، فرحت كثيراً انها ستنظر للسماء من هنا ، هاقد بدأت تسير لمسارها استعداداً للانطلاق ، وهي لاتعرف تغمض عينيها ام تتأمل تلك اللحظة المُشوقة ، أغمضت عينيها بشدة ، لتفتحها فجاءة والطائرة وقتها تخترق السُحب بشغفٍ مهيب ، كانت تشعر وانها في ُحلم قائلةً : حتى فالاحلام لاأرى هكذا ، كانت تتأمل وتتأمل وروحها تطير بين السحب وليس الطائرة من تطير ، شعرت وان اخيراً خُلق لها أجنحة وباتت تطيرُ وهي تبتسم بضحكات تتخللها الدموع  ، حتى غرقت فالنوم .. التقت بأحبتها الصغار ، حادثتهم وضحكت معهم واحتضنتهم .. بعد ان كانوا بجانبها أصبحوا بعيدين عنها .. ‬

‫هاقد توقفت الطائرة ، لم تشعر بذلك حتى ان الحزام ظل مقفلاً منذ الاقلاع ، استيقظت من حلمها الجميل وعينيها قد امتلأت بالدموع قائلة : كيف سأتحمل بعدهم عني ؟ ‬

‫نزلت من على السُلم وقد فتحت ذراعيها وكانها تحتضن هواء تلك المدينة :أهلاً بمدينة الأحلام ..‬

‫حينما وصلت لمقر سكنها المؤقت ، هرولت الى  أقرب مقر اتصال ، لتحادث صغارها ، يرن وقلبها يرن أكثر ، لتَرُد عليها سيدتها : مرحباً ‬

‫: أهلاً ، هل الاطفال هنا ؟ ‬

‫: كلا ، نائمين لقد بكوا كثيرا ً حينما لم يجدوك .. ‬

‫خنقت الحشرجة حنجرتها ، ‬

‫لتكمل : حينما يستيقظون اخبريهم اني اتصلت . ‬

‫:الى اللقاء .‬

‫: الى اللقاء . ‬

‫لتُقفل من هنا وتبكي من هنا .. ‬

‫الزبائن ينتظرون دورهم وهي لم تتمالك نفسها ، نظرت لكل اولئك ، الجميع مُشتاقون ، الجميع قلوبهم تؤلمهم ، الجميع يريدُ الاجتماع ، الجميع يطبطب على نفسه حتى تمضي الحياة .. ‬

‫بعد اسبوعان ، رسالة تصل الى منزل سيدتها ، مكتُوب عليه : الى أصدقائي الأبطال .. ‬

‫لم يرتح فضول سيدتها لتفتح الرسالة قبل عودة صغارها ، لتجدها مليئة بالبقع الجافة ، لتقول : ماهذه الرسالة المهترئة ، لم تعلم بأنها كتبتها بدموع قلبها ..‬

‫أصحابي الابطال : ‬

‫كيف حالكم ، هل أنتم بخير ، ان كنت تريدون أخباري فقد أصبحتُ في جمعية الرساميين الكبار ، أصبحتُ مدرسة هناك ، فقد جعلوا مني شيئاً كبيراً وأجني المال الكثير ايضاً ، اني بخير فقد تحقق حلمي ، وانتم كذلك ستكبرون وتحققون أحلامكم ، لاتنسوا المنزل الذي اتفقنا ان نبنيه حينما يكون لدينا المال على ذلك ، كونوا بخير ، ولاتقلقوا خادمتكم الجديدة ، واعلموا أني احببتكم أكثر شيء فالحياة ، ولكن الأقدار تفرض علينا اشياء لانحبها وتجعلنا دائمُ البكاء والحنين ، ولكن لابد ان نظل أقوياء فالحياة ليست للضعفاء .. سنجتمعُ قريباً وقد حققنا كُل أحلامنا .. ‬

‫صغاري .. ‬

‫لاأعلم متى ساأراكم ، ولكن سنلتقي كثيراً فالاحلام .. ‬

‫الى لقاء قريب .. أراكم على خير .‬

‫بعد سنين طويلة ، كبر أبطالها الصغار ليصبحوا كباراً ، كانوا ينتظرون اللحظة التي يرونها فيها ، قرروا يوماً معاً ان يذهبوا اليها ، حجزوا تذاكر الطيران ، فرحيين أعينهم تكاد تطير الى هناك قبل أجسادهم ، منذ فترة لم تأتيهم رسائل وحينما سألوا مقر عملها أخبروهم ان هنالك عطل وسيصلحونه قريباً .. ‬

‫لذلك لم يخططوا للزمان ولا المكان ، كل واحد منهم قد ابتاع لها هدية ، هاقد توقفت الطائرة في مدينة أحلامها ، لديهم كل العناوين التي ممكن ان تكون فيها ، من وصولهم ذهبوا الى منزلها ، لم يجدوها ، فقد كان هنالك اناسٌ آخرين .. دُهشوا فهي لم تخبرهم بأنها انتقلت ، فقرروا ان يذهبوا للفندق حتى صباح الغد ، فقد آتى منتصفُ الليل ، والمطر يهطل بغزارة ، فلامجال للذهاب لمكان آخر ..‬

‫في صباح يومٍ مُشرقٍ ، بعد يوم ماطر وكأن الارض بكت فرحاً لمجيئهم ، ذهبوا الى مقر عملها ، بناء أنيق راقي ، الرسومات هنا وهناك ، سألوا الاستقبال عن اسمها ولديهم صورة لها .. ‬

‫موضف الاستقبال نظر إليهم وكأنه يعرفهم، قائلاًً : أنتم ؟ ‬

‫قالوا : كيف ، لم نفهم ؟ ‬

‫ظل واقفاً ، يتمتم بكلمات غير مفهومه ، ومن ثم قال لهم الدور الثالث تجدونها .. ‬

‫ركبوا المصعد والهدايا بين ايدهم ، ذلك يُرتب هندامهُ ، والآخر يُسرح شعره ، وجميعهم متشوقون للحظة اللقاء المنتظرة .. ‬

‫فُتح الباب ، فُتح المكان الذي عاشت فيه ولازالت تعيش ، رسوماتهم ، لقد كان ترسمهم دائماً ، هنا يضحك وهنا يحتضن أخاه وهنا يركض ، جميع الجدران تحمل لحظاتهم ، ذُهلوا لما رأوا ، أكملوا سير اللوحات ، ليجدوا لوحة تذكارية فيها صورتها ، وقد كتبوا بجانبها الوداع الأبدي !!! ‬

‫تعقدت حواجبهُم ، ماذا ؟؟ كيف ؟؟ من المُتوفي ؟؟‬

‫أخبروهم وقتها انها قد توفيت منذُ شهرين بسبب مرضٍ ألم بها ، لم يكن البريد معطل ، بل هي من تعطلت حياتها للأبد ، كان الخبرُ مُفجع غير متوقع ، هداياهم سقطت من بين ايدهم ، هذا يصرخ وهذا يبكي بصمت وتلك تحتضن لوحتها وتذرف الدموع الحارة .. ‬

‫جميعُ الموظفين تأثروا ، فقد كانوا يعرفونهم ، ملأت اركان المكان برسوماتها لهم .. ‬

‫حتى أتت تلك الرسالة من الاستقبال : هذه منها ، أوصتني أن اعطيها لكم .. ثم سكت قليلاً وقال : لقد كانت تحبكم كثيراً . ‬

‫صغاري الأبطال .. ‬

‫أعلم بأنكم تكرهوني الآن ، لكن لم يكن لدي حيلة .. فالقدر كان خارج إرادتي حاولت ان أكون بخير لكن كان أكبر مني ، فقد حُكم علي بالرحيل ، لن أكتب مزيداً من الحزن ..‬

‫قد خبأت لكم رسوماتي حتى تأخذوها معكم ، هدية مني لتتذكروني مهما طال الوقت ، وحال عليكم النسيان ، وقد أيدعتُ بعضاً من المال ، حتى تحققوا حُلمنا في بناء ذلك الكوخ الذي خططنا له ، انتم أقوياء وستمضون أقوياء كما عهدتكم .. 

‫كونوا بخير دائماً ‬

‫أحبكم ❤️ ‬

‫ليقفل الرسالة أكبرهم ، قائلاً والدموع تخالج فؤادهُ : ولم تكن تعلم بأننا قد بنيناهُ وجعلناهُ مفاجأةٌ لها . ‬

‫بقلم :وعد عبدالله .‬


  • 3

  • وعد عبدالله .
    بذرة الله في أرضه .. ترجو رحمةَ ربّها ، لتصير شجرةً طيبةً فالارضِ وإلى عُمق السمَاء
   نشر في 02 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 03 شتنبر 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا