فوق السحاب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فوق السحاب

قصة قصيرة بقلم/ عبده عبد الجواد

  نشر في 11 مارس 2018 .

الطريق كما هو- نفس الطريق .. طريق الجامعة سرت فيه لسنوات حتى تخرجت وحصلت على البكالوريوس أو كما كانت تسميها أمى وجارتنا فى دعائهما لى " الشهادة الكبيرة" ، وجاورت تلك الشهادة -ماسبقها من شهادات مدرسية-أدراج مكتبى ..تشهد بتفوقى والتزامى بالعهد مع أبى .

الوعد

وصرت خلف عجلة القيادة لتاكسى أو عملى الحالى (المؤقت) لحين أجد العمل المناسب.. هذا ماأقترحته على أبى حين فاجأنى يوما بظرف به آلاف من الجنيهات وقال:" لقد وفيت بوعدك وتخرجت بتفوق وأنت ابنى الكبير ، وأنا لم أعد أرجو من الحياة شيئاً .. لقد بعت منزلا قديما ورثته عن أمى هو كل ماأملك ..لو عشت سأعوض أخوتك عن حقهم فيه ، واذا مت فتولى أمرهم وساعدهم عوضا عنى وكُنْ لهم الأب والأخ "

الأستاذ

لمحت عيونهما من مرآتى يتهامسان.. شاب وفتاة يركبان معى لتوصيلهما للجامعة ..ابتسامات الأمل والحب تنبعث من عيونهما بينما صوت عبد الوهاب يطغى على صوتهما فلا أسمعه " وكل ده وانت مش دارى .. ياناسينى وأنا جنبك " .. كانت نظراتهما المتبادلة وكلماتهما التى لاأسمعهما تعكس اندماجهما مع كلمات الأغنية.

كان وجه الشاب ورفيقته مألوفا بالنسبة لى .. ربما ركبا معى من قبل فطريقى هو الجامعة كل يوم .

- انتبهت فجاة على صوت الشاب : " لماذا دائما فى الموقف ينادونك بالأستاذ.. هو انت مدرس؟"..

قلت: " لا .. مهندس!" تغير وجهه هو ورفيقته ..

-عاد يسأل :" يعنى انت خريج الكلية التى نذهب إليها كل يوم ؟ ..

قلت: "هو انتم فى كلية هندسة ؟" .. أومأ برأسه بأَسَىَ ، وعَمّنَا الصمت!

الأمانة

كان لابد لى ان أختار لقد وضع أبى كل ثروته فى يدى وخيّرنى .. "هذه مكافأتك .. تصرف فيها كما تشاء.."وبقيت أياماً حائراً بين طلب حبيبتى التى باغتتنى بضرورة الاسراع بالتقدم لها لأن أهلها يفرضون عليها شخصاً تقدم لخطبتها ، وبين شعورى بأن أبى أودعنى أمانة .. فقد فرح لتخرجى بتفوق وأعطانى كل مايملك .. وقد أحيل للمعاش من وظيفته ،ولم يعد يمتلك سوى معاشه ..ماذا لو خطبتها بهذه الجنيهات .. وماذا بعد؟

كيف سيكتمل الزواج ؟ ..هى لايمكنها الانتظار، وأنا لايمكننى التفكير فى نفسى فقط ..!

كانت كلمات أبى اللحظة الفارقة فى حياتى ..أحبها .. نعم، وعيونها التى تملأ نظراتها خيالى كتلك الحالمة التى أراها فى مرآتى ، وصوتها الهامس وكأننى أسمعه ..أما أنا فنظرات عيونى وأفكارى الآن ليست كذلك العاشق الذى أراه فى مرآتى ،يوما ما كنت مثله ..لطالما سِرْنا معا ًفى هذا الطريق.. لطالما ضمتنا أسوار الجامعة .. وأشجار حديقتها المحفور عليها حروف أسمائنا وسط القلوب المتعانقة .. مازلت أذكر يوم عاتبتنى نظراتها .. كيف تكتب حرفاً واحداً فقط ؟ قلت: "انه نفس الحرف الذى يبدأ به اسمينا ويضمنا فلماذا نُفّرِقُهُ ونُكّرره ..ألسنا شيئاً واحداً..حرفا واحداً.. قلبا واحداً "!

- باغتنى الشاب بالسؤال " لماذا تعمل سائقاً هل بحثت عن عمل ولم تجد ؟"..

فكرت قليلا.. حاولت التخلى عن صراحتى المؤلمة .. قلت: "مؤكد يوجد عمل ولكنى لم أعثر على مكان مناسب.. هى فترة مؤقتة"!

مرآة ذاتى

واكتفيت بتلك الاجابة المقتضبة لأبعث الأمل فى نفسه....وبقيت مرآتى قاسمنا المشترك أراقب عيونه القلقة -فقد شعربأننى أطمئنه على غير الحقيقة ،وظل يراقب عيونى الهاربة من استمرار الحديث!

هربت بعيونى وحديثى وأفكارى الى داخلى ..دقائق .. انتهى الطريق ..غادرا سيارتى ،وذهبا الى الجامعة

بينما استمر حديث ذاتى .. لقد تزوجت حبيبتى.. وبعد سنوات مات أبى ثم أمى وكبرت أخوتى .. انطوت السنوات سريعاً وصارالواقع (المؤقت) واقعاً دائماً،ولم أجد وظيفة حيث جميع اعلانات الشركات يطلبون سنوات خبرة !

وصرت لأخوتى الأب والأخ،وصارت آلام الواقع أمراً اعتياديا وأتحمله ،واستمر تفوقى فى صراعى مع الأيام ومع ذاتى- بالصبر والالتزام بأخلاقى التى تربيت عليها فاستمر المنادى فى المحطة يلقبنى " بالاستاذ" ،وبعض الركاب المبالغون فى الاحترام ينادوننى : ياباشمهندس .. بينما كان وقعها فى اذنى مثل: "ياأسطى" .. لافرق!

فوق السحاب

وبقيت همسات دعائى أقتسمها بين والديىّ بالرحمة ، ولنفسى أن يعيننى على حالى ويعوضنى، ولحبيبتى بالسعادة

وبقيت كلمات رسالة لم أرسلها إليها ولا الورود ، فقد ذبلت ورودى وبقيت حروف رسالتى " لقد تصارع عقلى وقلبى ، ولكل صراع ضحايا.. أنا قبلكِ أول الضحايا.. تفرقنا ولم تتفرق أرواحنا، وتناثرت حروفنا ولم يُقّدَر لنا ولها أن تسمو فوق السحاب" .

عبده عبد الجواد - بورسعيد- مصر

يشرفنى متابعتكم على مدونتى:

http://rwaealfekr.blogspot.com.eg/


  • 15

  • Abdou Abdelgawad
    رحلتى الطويلة مع عشق الكلمات لسنوات هاويا، تحتوينى كلماتى أحيانا وفى أخرى أحتويها ، كفانى أراء وحب الأصدقاء كأوسمة ونياشين تفيض بها ذاكرة عمرى ، وسيظل عشقنا الكبير حتى يتوقف بنا قطار الحياة، وحينها ستبقى الكلمات شاهدا ...
   نشر في 11 مارس 2018 .

التعليقات

مريم منذ 3 شهر
0
نورا محمد منذ 3 شهر
جميل قلمك وفكرك , معبرة هي كلماتك ووصفك للحال .. نعم أنا كل لحظة اتعلم من الكُتاب المحترمين أصحاب العقول راقية شيئاً يُزيد من فكري المتواضع ويُزيده توهجاً وأنت بالطبع منهم يا صاحب الفكر الراقي .. تحياتي لك استاذي المبدع :)
1
Abdou Abdelgawad
شكرا استاذة نورا لمتابعتك وأرائك المحفزة القيمة وأرجو لك التوفيق دائما فى كتاباتك الممتعة
Lamis Moussa Diab منذ 4 شهر
ما كل هذا الجمال! محاكاة فعلية لواقنا المرير في لوحة شاعرية يتداخلها مزيج من الرومانسية مع الكوميديا الساخرة وبعض من الألم.
تجسيد جميل فيه كل الوان الأدب الراقي ولمسات الكاتب المخضرم.
شكرِِا جزيلََا لحضرتك بشمهندس على كل هذا الجمال الذي نتعلم منه ونقتدي به في كتاباتنا... شكرََا لـ شخص حضرتك الراقي.
2
Abdou Abdelgawad
شكرا جزيلا لذوقك الرفيع وكلماتك الطيبة التى تحملنى أكثر مسئولية معنى الكلمة التى أكتبها وانها لابد أن تحمل رسالة وتكون ذا قيمة واستفادة لكل قارىء خصوصا الذواقين مثلك تحياتى وكل عام وحضرتك واحبابك بكل خير وسلام
مااطربني استاذي الألمعي انك ألبست فكرتك العميقة والجميلة حلة لغوية غاية في الابداع والاتقان ، فطرزتها بوشي من البيان ،حتى ان القارئ يحار في ادراك مواطن سحرها وقوة تأثيرها : أ في عمق وواقعية مضونها أم في بلاغة وانسيابية لغتها ؟ شخصيا استاذي الفاضل فقد انتشيت بالاثنين ، اصابة وعمق الفكرة، وواقعيتها ، وكذلك قدرتك على احترام مواصفات فن الاقصوصة؛ باقتناصك للاساسي بحس نقدي ، وتجاوز ك للهامشي بذكاء رائع ، واستبطان دواخل النفس وما تصبو اليه من امال واحلام ، وما يعتصرها ويعترضها من مصاعب وعقبات ،
انه بحق نص ابداعي يستحق الثناء، لما فيه من فيص في المشاعر ، وصدق في التصوير ، ورشاقة في التعبير ، وقوة في التأثير ..
دام قلمك نقيا ونديا .. وتقبل مني كامل اعجابي برُطبك وثمارك اللذيذة ، والنافعة ، وكلنا شوق الى طروحاتك السديدة وفواكهك الجديدة
مع تحيات الاستاذ محمد خلوقي من المغرب .
1
Abdou Abdelgawad
اخجلتنى استاذنا الفاضل بفيض كلماتك العذبة ، جزاك الله خيرا لمشاعركم وآرائكم الفياضة والتى أنتظرها دائما كمرشد لى على الطريق ودامتك متابعتكم المحفزة.وأرجو ان أكون دائما عند حسن ظنكم وظن جميع قرائى الأعزاء.
... منذ 6 شهر
يالله اثرت فيني كلماتك ! وكأنني اقرأ حياتي !
كلمات تحكي حال جميع الشباب ، بعد ان اصطدمو بواقعهم المرير !
1
Abdou Abdelgawad
شكرا لارائك الجميلة ومتابعتك الجيدة استاذة بسمة
من أروع ما قرأت يا باشمهندس،إبداع في التفاصيل..شكرا لإمتاعنا
0
Abdou Abdelgawad
شكرا جزيلا لمتابعة حضرتك وذوقك الراقى
Amin Almitwaliy منذ 6 شهر
والله انا قعدت اعيط ,, كنت لسه قاريء مقالك فى فلسفة القليل والكثير وكنت فرحان بيه اووي اووي ,, اتمني اشوفك يوم ما .. كلماتك اثرت فيا كتير اووي
1
Abdou Abdelgawad
شكرا جزيلا لمشاعرك الجميلة ويسعدنى التواصل مع حضرتك كل الوسائل متاحة على صفحتى على الفيس بوك وكذلك على مدونتى روائع الفكر
Salsabil beg منذ 6 شهر
قصة جميلة جدا،تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ،الواقع يفرض احيانا علينا ان نغير خطة سيرنا ،كل السر يكمن في رؤية الجانب المشرق للامور ،في القصة نجد الجانب المشرق هو الوفاء بعهد الاب وارضاء الوالدين،دمت مبدعا سيدي الكريم.
3
Abdou Abdelgawad
شكرا جزيلا لمتابعتك الجيدة المحفزة وارجو أن أكون دائما عند حسن ظنكم
شكرا لك استاذ أو أقول يا با ش مهندس عبد الجواد...لقد أثرت في القصة كثيرا تحياتي
1
Abdou Abdelgawad
شكرا جزيلا لمتابعتك استاذة امال وحسك الرفيع
أمال السائحي
العفو أستاذ عبد الجواد.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا