هل الربيع العربي حقق كل شيء إلا النجاح ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل الربيع العربي حقق كل شيء إلا النجاح ؟

( إشارات - أرقام - نتائج و مخلفات )

  نشر في 30 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

       معلوم من الدراسات المقارنة للثورات العالمية أن العملية الثورية التي تتمثل في إسقاط نظام قديم و بناء آخر جديد ، تحتاج لسنوات طويلة حتى يتأكد نجاحها من فشلها ، ذلك لأن التغيير الجذري في بنية المجتمع لابد له أن يعمل على إعادة صياغة التوجهات الأساسية من خلال صياغة نسق جديد من القيم الإجتماعية الثقافية و السياسية التي تتوافق مع أهداف الثورة ، أما من الجانب الفلسفي ؛ فحسب " هيغل " الثورة عبارة عن صراع بين قوى متصارعة ، يكون فيها بالضرورة الوليد لا يشبه الوالد* ، وعليه غير ممكن أن نحكم على مورفلوجيا مولود لم تكتمل ولادته بعد . 

      لعل ما حفز الشباب العربي على الخروج باتجاه الشارع و التمرد على السلطة الفاسدة ، هو الهدف الذي ذكر في الإستهلال ، فقد بدأت الإنتفاضة من تونس مع الشاب البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده احتجاجا على سوء الأوضاع الإقتصادية ، فكان ذلك إذانا بقيام موجة احتجاجية لم يهدئ أوارها حتى اللحظة ، في مرحلة جديدة من التحول العميق في العالم الإسلامي المتقهقر ، فلم تكن هذه الإنتفاضة بمثابة انقلابات عسكرية كما تعودنا في الأربعينات و الستينات ، بل حركات احتجاجية حقيقية شارك فيها كل ألوان الطيف الطبقي في المجتمع ، و الظاهر أن ذلك كان استجابة طبيعية عارمة لإيقاع التحولات الحضارية الكبرى في العالم المعاصر ، إذ لم يكن من المستساغ أن يتحول نصف أنظمة العالم إلى النظم الديمقراطية ، و تظل المنطقة العربية غارقة بين ثنايا أنظمة فاسدة زرعها المستعمر للمحافظة على مصالحه في فترة ما بعد الإستقلالات الشكلية التي مكنت منها هذه الأوطان المستباحة ، لذلك لم يرضى الشباب العربي أن يعيش مزيدا من الزمن على هامش التاريخ في غيبوبة تامة ، فضلا عن ذلك استفحال الفقر و البطالة و الهشاشة الإجتماعية ، و انتشار الفساد السياسي و الإداري في كل دواليب الدولة ، ناهيك عن الوضعية الثقافية المزرية للعرب بين باقي الأمم ، و المرتبة العربية اللامشرفة المتذيلة لكل مؤشرات التنمية البشرية الإجتماعية التقنية و العلمية . حيث أصبح الإنسان العربي " و كأنه حفرية حية " يستهلك و لا ينتج ، يهدم و يستأجر من يبني ؛ يخاصم و يلتجئ للآخر المتحضر ليصالح ، كل هذا و غيره أفرز تفاوتات منها الطبقي على وجه الخصوص أدى إلى صراع لا مادي ، انتهى باندلع صراع مادي قدمت فيه كثير من الأرواح الأموال و كذلك الأوطان ، من أجل عدم الإرتداد و الإنسياق إلى الطريق القديم . 

 إشارتين مهمتين : 

 *  حري بالذكر أن ما حدث هو عبارة عن *نصف ثورة * فقط ، فمن المعروف أن أي ثورة لها سيرورتين متلازمتين ؛ الأولى هدم و إسقاط النظام القديم ، و الثانية بناء بديل جديد لإنجاز أهداف الثورة المعلنة و التي حصل الثوران من أجل تحقيقها و هذا لم يتحقق بعد في حالة الإحتجاج العربي هذه ، لذلك فصفة الثورة التي ندمغ بها الربيع العربي ليست إلا مجرد تجاوز يفتقر إلى الدقة ، و عليه الأرجح أن نكتفي بصفة " الإنتفاضة الشعبية " ذلك من دون أن نبخس الناس أشياء لا يستسيغها واقع الحال . هذا على أمل طبعا اكتمال هذه الأخيرة إلى ثورة كاملة ، فالحقيقة أن هذا اللفظ (ثورة) لا يطلق في الإستهلال ، بل في الأخير بعد انتصار الإنتفاضة في شقيها المذكورين أعلاه . 

*  نضيف إشارة بالغة الأهمية أيضا , و هي المتجسدة في انتشار أثناء و بعد الربيع عبارة " الإنتقال الديمقراطي " ، و كأن الديمقراطية مقيمة في مجاهل بعيدة عنا سنستقل الطائرة و ننتقل إليها ، هذا خطأ قاتل و اعتبار فج هدام ، الواقع أن الديمقراطية " عملية تراكمية " لن ندركها بالربيع العربي مطلقا هذا غير كافي ، فالطريق نحوها طويل و شاق يتطلب الكثير من العمل الفكري/المنهجي ، و الكثير من الجهد السياسي ، تحتاج إلى تضافر عقول المفكرين المثقفين و الفنانين ، و رجال اقتصاد مال و قانون ، فضلا عن تربية الناشئة على أبجديات و مبادئ الديمقراطية بغية تشكيل عقلية مواتية ، ذلك لأنه لا توجد ديمقراطية بدون ديمقراطيين ، كل هذا و غيره - لا يتسع المجال للتفصيل فيه بإسهاب - يجعلنا نولد نخلق و ننتج الديمقراطية هنا ، لا أن ننتظر أو ننتقل إليها .

نتائج و مخلفات : 

بعد مرور 5 سنوات و نيف على انطلاق أول شرارات هذه الظاهرة الغير جديدة على التاريخ و الثقافة العربية ، لا يمكن الحديث الآن أو بعد سنة عن إخفاق أو فشل الربيع العربي ، لأننا أصلا نعيش حالة إخفاق و فشل من سنوات عديدة يعني هذه الخاصية الأجدر أن لا نلطم بها هذا الحراك الإحتجاجي ، إنما يمكن فقط حتى اللحظة رصد مقادير النجاح و درجته بالنظر إلى الشعارات و الأهداف التي كانت ترمي إلى التغيير باتجاه الحرية الكرامة و الإلتحاق بالركب الحضاري ، و ترقب وصول الديمقراطية ( في نظر الثوار ) التي تأخرت في الطريق نحونا ، فما مدى تحقق هذه المرامي ؟ و ما هي الفضائل التي طفت على السطح مع الربيع العربي ؟

 *  من جملة فضائل الإنتفاضة العربية ؛ بروز تغيرات عميقة على غرار خلق حراك سياسي اجتماعي هائل ، نجاعته كان المتحكم فيها مدى الوعي الذي تتمتع به هذه الشعوب الذي يعتبر ( أقصد الوعي ) الطريق السريع لإنجاح أو إبطاء و ربما إفشال عملية التغيير . 

*  الشعارات التي رفعت أثناء الثورات - كما يسميها العوام - في حد ذاتها كسر لطابوهات الخوف المتجذر في أنفسنا و ثقافتنا من النظام الحاكم ، الذي كان يحرم انتقاده أو الطعن فيه أو التعرض إلى سبيل مصالحه ، لذلك أن يحمل شاب لافتة مكتوب عليها اسم الرئيس و تحته عبارة * ارحل * بما تتضمنه من حمولة بطولية صارخة أعادت الثقة و روح الشجاعة لتسري مجددا في نفوس و عروق ضمئت من الكرامة ، لذلك فهي سابقة أحسبها سامية لبت الاحتياجات و الأشواق للحرية بكل تجلياتها و معانيها . 

*  من نجاحات الإنتفاضة كذلك إسقاط رؤوس أنظمة الفساد الذل و المهانة ، و إخضاعهم للمحاكمة هم و عائلاتهم ( مثل حالة المخلوع حسني مبارك ) ، و تجريد أموالهم المسروقة من مال الشعب و الدولة ، أو قتلهم و تصفيتهم مع ذويهم في الميدان ( قتل الهالك معمر القدافي و أحد أبنائه و محكامة الآخرين ) ، أو خلعهم و طردهم من البلاد ( حالة بن علي تونس ) .

*  اندفاع حكومات عدة لإصلاح جذري سياسي ( تغيير/إصلاح الدستور المغربي ) ، و اجتماعي ( خلق سبل حياة اجتماعية أفضل كتخصيص 1000 دينار لكل عائلة في البحرين ) ، أيضا إصلاح اقتصادي معيشي ( رفع الأجور ، خفض أو شطب الديون على الموطنين ، و خلق فرص عمل للعاطلين في السعودية و سلطنة عمان ) في خطوة استباقية لشراء الغضب الشعبي قبل أن ينقلب ضد صناع القرار و الحكم .

*  تحقيق تغيرات اجتماعية جوهرية في وقت ليس بالطويل و هو ميزة محفزة نحو مزيد من التغيير الشامل . 

أرقام و إحصاءات : 

  أما فيما يخص خسائر الربيع العربي البشرية فتقدر ب 778076 قتيل ، منهم 50000 ليبي - 200000 سوري - 2000 يمني - 700 مصري - 219 تونسي ، و طبعا الرقم الإجمالي يتصاعد كل دقيقة مع استمرار الحرب في كل من سوريا العراق اليمن و ليبيا . أما من جانب الإفرازات فهي كثيرة و سلبية مع الأسف في طليعتها استفحال الفقر و الهشاشة الإجتماعية ، حيث بلغ معدل الفقر في مصر بعد اسقاط مبارك حسني إلى 75 في المئة , في حين كان قبل الثورة راسيا في معدل 40 في المئة فقط ( بيان إحصاء البنك الدولي 2014) فضلا عن نزور العمل و الخدمة ، ضاق أفق الشباب و أصيبوا بإحباط شديد شكل بالإضافة إلى الخواء الأمني السحيق ،حافزا أدى بهؤلاء الشباب بخطوات متسارعة نحو الإرتماء في أحضان التطرف ، ذلك ما ساعد على تنامي و انتشار "ظاهرة الإرهاب " التي شوهت صورة العرب و دينهم إلى درجة متقدمة جدا .

" من مخلفات الربيع العربي السلبية "

  كامتدادا لظاهرة الإرهاب و دمغ الإسلام بدمغة العنف و التطرف ، طفت على السطح العقدي ظاهرة " الإلحاد " بشكل واسع و متكاثر ، ظاهرة يشبهها بعض المهتمين/المراقبين بموضة الشباب المعاصر - عالميا ليس فقط عربيا - ، فحسب استطلاع للرأي قام به بعض الباحثين الغربيين ( أمريكيين  بالضبط ) أفاد 15.8% من سكان الولايات المتحدة أن الدين يمثل شيئاً مهما في حياتهم .. وفيما أثبتت الأبحاث أن 25% من الأمريكيين الذين ولدوا بعد عام 1980 ليسوا متدينين مقارنة بالأجيال السابقة ، أما عربيا أفاد الإستلاع بأن 52% من الشباب العربي عبروا على أن الدين يلعب دوراً كبيراً في الحياة عموماً ، ونفى هذا الدور الكبير 29% منهم .

أما الخسائر المالية فحسب وكالة C.N.B.C فإن تكلفة الربيع العربي خلال الفترة بين 2010 حتى 2014 فبلغ إجمالي الخسائر 833,7 مليار دولار  . 

 * إحصاء المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين *

 فضلا عن ما سبق و كنتيجة للحرب الضروس في سوريا و العراق ، اضطر كثير من المواطين فيهما إلى الهروب من غياهب الحرب و الإقتتال ، لجوئا إلى دول الجوار و منها إلى أوربا و في ذلك تغيير مثير للخصائص الديموغرافية للشرق الأوسط و أوربا ، و في الصورة أعلاه أرقام مضبوطة  .

على سبيل الختم : 

  أخيرا أقول أنه لا يوجد شيء في الكون دون نقائص ، بإيزاء هذه الأرقام الصادمة و الإحصاءات التي تبعث على الإكتئاب ، واضح و الحالة هذه أننا * طلبنا الحرية ففقدنا الأوطان * و معها الأرض ، فقدنا الشباب و معهم زخر النشاط و الحيوية ، طلبنا الديمقراطية فسقطنا في ما هو أدهى من الديكتاتورية و حكم العسكر ، أردنا إسقاط الرئيس فأسقط هو منا نصف الشعب صريعا هالكا ، أردنا الإصلاح فأفسدنا ، تطلعنا للتقدم و التطور فتخلفنا مزيدا ، و رجعنا للقرون الوسطى و للبربرية ،يبدو أننا سميناه ربيعا فأضحى خريفا عاصفا ,  فما سبب كل هذه النتائج العكسية ؟ و من المسؤول عنها ؟ لماذا كان مخططنا أعرج لماذا أخطئنا منهاج التنفيذ ؟ أسئلة و أخرى متروكة للقارئ و للمتخصص و للمثقف ، و لنا معها شخصيا وقفة بإسهاب في مقلات أخرى .

أخيرا أذكر وسط كل هذا الخراب بمقتطف نشيد حفضناه و نحن صغارا " ما دام الأمل طريقا فسنحياه " .


  • 1

   نشر في 30 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

هذا و للاسف الشديد ما الت اليه احوال امتنا ,,, احسنت سيدي الكريم و بارك الله فيك
1
مهدي جعفر
شكرا لك أخي بارك الله في و فيك .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا