الوجه المظلم للقمر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الوجه المظلم للقمر

عندما ينتهي الفيلم فإننا نفقد الأمل في أن يكون هناك نهاية أخرى؛ لكن في الواقع فإننا نقتل الكثير من الوقت على أمل مزيف في أن يكون هناك نهاية أخرى، رغم أننا نوقن منذ البداية أن النهاية واحدة لكننا لا نملُ من الانتظار ..!

  نشر في 27 يناير 2019 .

في المرة الأولى التي رأيتك فيها أدركت أن خيبة أملي ستكون على يديك؛ عندما استجعمت نفسي وقلتُ لك بخجلٍ شديد "أسعدني حضوركَ". كأن قصتنا مرت أمامي وأنا أحضر لأول مرة فيلم في السينما. عندها بكيت رغم أنك كنتَ تضمني بين ذراعيك، قلتَ لي ونحن بطريقنا للخروج "لم أتخيل أن امرأة مثلك .. قد يبكيها فيلم". هذا لأنني  كنتُ أخفي عنك دوماً وجهي الآخر، شخصيتي التعيسة ذات مرة، التي بكت حتى جف دمعها، هذا لأنك تعرفت على الشخص المكابر، القوي، المتجبر .. في حين أنني لم أكشف لك حقيقة الوجه المظلم للقمر.

أصريت يومها على أن نهاية الفيلم كانت ستبدو أجمل لو أنَ البطلة استمعت للبطل ولم تغادر قبل مجيئه؛ لكنني كنتُ أعتقدُ أن النهاية مثالية، لأن كل ما كان سيقوله البطل لم يكن ليغير من الواقع شيئاً .. قلتَ لي بشيء من الحزم " لا أعتقدُ بأنها لو استمعت إليه كانت لترحل، كانت ستعذره وتغفر له ..وعادا ليعشيا حياة سعيدة حتى الأبد".

استلقيتُ يومها على صدرك في سيارة الأجرة والدموع التي كففتها ما يزال أثرها واضحاً علي. أخبرتني أمي يومها بأن هذه العواطف المتأججة والمثاليات الرومانسية ستتحول بعد الزواج. أزعجني رأيها يومها عندما قلتُ لها بأنني بعد حديثنا شعرتُ بأن هناك فجوة كبيرةً بيننا لا يمكنُ للحب وحده أن يملأها!

عجلنا في خطوة الزواج بناءً على رغبة العائلة الموقرة؛ في البداية كان كل شيء يبدو مثالياً .. ثم سرعان ما بدأتُ أكتشف أن الفجوة التي كنتُ أتبصرُ بها بدأت تكبرُ مع الوقت شيئاً فشيء. عندما نسيتَ يوم ميلادي، ولكي لا أحرجك قلتُ لك بأنني لا أشعرُ بأنها مناسبة تستحق أن يحتفل فيها الإنسان بهذا العمر، وأيدت الفكرة دون أن تحاول حتى أن تخرجني من مزاج الكآبة الذي كنتُ أشعرُ به.

ذات المناسبة الذي خرجت لأجلها في وقتً مبكرٍ من عملكِ كي تبحث عن هدية مميزة لصديقتك المقربة بمناسبة يوم ميلادها؛ صدقني لم يكن يومها شعور بالغيرة، ولا حتى كان توتري آنذاك نابعاً من غيرتي منها عليك، لكن تمنيتُ حينها لو كانت تلك القلادة الثمينة، قلادةً أكثر بساطة تعلقها على رقبتي في يوم ميلادي. 

حاولتُ أن أتجاوز تلك القصة المؤسفة، قرأتُ في أحد المدونات أنه على المرأة أن تصارح شريكها بكل ما تشعر به حتى لا تكبر الهوة بينهما. عندما صارحتك بشعوري لم تكترث إلا لفكرة واحدة .. هي غيرتي عليك، قدمت لي في اليوم التالي قلادةَ ثمينة .. لكنني لم أفرح بها، ليس لأنها لم تكن في يوم ميلادي، بل لأنك قدمتها إلي كواجب زوجي، أو كوظيفة تريها لمعلمتك، وضعت العلبة على الطاولة وقلتَ لي حتى دون أن تلتفت " ها هي ذا نفس القلادة بلونٍ مختلف، آمل أن تكوني سعيدةً بها!".

كانت ستكون أثمن هدية لو وضعتها على رقبتي، لو أحتفيت بجمالها علي كما فعلتَ مع صديقتكَ. قلتَ لي بأنك كنت تجاملها وبأنك كنت أكثر إنسان مقرب لها في حين أنها كانت تعيش وحيدة بعيدة عن أهلها وأنها كانت تمرُ بفترة اكتئاب ويأس في كل مرة تحتفلُ بعيد ميلادها بعيدة عن أهلها.

كانت والدتي تصرُ على أن ذلك الموقف ساذج، وبأنه علي أن أكبر! . لم يكن أحدٌ يدركُ كم كنت وحيدةً وأنا معك؛ وخاصةً عندما كنتُ أشعر أن كل التفاتة خاصة منك كانت كواجب مهني كذلك الذي تقدمه في عملك.

بعد عدة حوارات أدركتُ أنني لن أستطيع أن أغير هذا الطبع فيك. في ذلك اليوم الذي كنتَ تجلسُ فيه أمام حاسوبك المحمول غارقاً في العمل، كان يوم عيد زواجنا .. بالطبع كنت قد نسيت! المهم في ذلك اليوم ليس الهدية التي أخفيتها عنك والتي قضيتُ أكثر من سنة ونصف أحضرها، ولا الحزن الذي مزق قلبي، ولا الدموع التي بلعتها بمرارتها تكراراً.. بل كان مشهد الفيلم الأخير .. عندما رأت البطل حبيبها يقبل امرأةً أخرى؛ كانت تعلمُ بأنهُ كان ثملاً وأن تلك المرأة أجبرتهُ على تقبيلها، لهذا لم تنتظر أن تستمع عذره لأنها لم تكن تنتظر تبريره لذلك الموقف الذي لم يكن يعني لها اي شيء. لم ترحل عنهُ لأنهُ فعل ذلك .. رحلتُ عنهُ لسبب لم يكن ليجد له أي مبرر أو عذر؛ تركتهُ لأنها تحبهُ، لأنها تعلم أنها إذا بقيت معه فإنها ستكرهه أو تخونه، لأن كل يوم كان يجمعهما كان يزيد من حجم الهوة بينهما.

لم أكن مستعدةً يوماً لأن أصارحك بهذا، لأنني كنتُ أدرك أنك لن تفهمه. قبلتكُ يومها على جبينك وبعد أن تجاوزت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل قدمتُ لك الهدية ومعها بطاقتي دعوة لحضور فيلم في السينما، وبطاقتين كنتُ قد حجزتهما في أحد المطاعم الفاخرة لنحتفل بذلك اليوم سويةً. لقد كنتُ على يقين بأنك ستنسى هذا الموعد، لهذا حضرتُ كل شيء .. لكن خيبتي كانت كبيرة عندما قرأتُ الرسالة التي أرسلتها لها يومها  على هاتفك؛ 

"في مثل هذا اليوم البائس تزوجنا، آمل أنها لن تزعجني برغبةٍ ملحةٍ في الخروج فأنا أبغض هذه المناسبات الاجتماعية البائسة، ومتعبٌ حد الموت؛ لقد مر أكثر من ثلاثة أعوام على زواجنا ولم تعتد على طعبي، ما تزالُ حتى اليوم تعاتبني كطفلة صغيرةٍ مدللة على أنني لا أراسها عندم أكون في العمل، إنها تعتقد أن عملي البائس سهل كعملها الأرستقراطي، فهي لا تقوم بعمل شيء سوى خلط بعض الألوان والخربشات التي أقنعها البعض بأنه فنٌ وعملٌ ثمين.. أنا في الحقيقة أحبها ولستُ نادماً على أنني تزوجتها، لكن أحلامها الرومانسية، وخيالاتها الوردية تجلعني أختنق .. بالمناسبة غداً سأخرجُ في وقتٍ مبكر من العمل، هل ترغبين في الخروج للسينما هناك فيلم جديد مدهش سيعرض للمرة الأولى غداً مساءً، يمكننا أن تنناول الطعام سويةً وبعدها نذهب، سأخبرها بأنني سأتأخرُ في العمل!!".

تبدلت ملامحهُ عندما قدمتُ له الهدية، كان يحدق بها مذهولاً، وقبل أن ينطق بأي كلمة اعترفتُ له أنني تجسستُ على هاتفه وقرأت الرسالة، عندها شحب وجهه وكادت الدماء تخرجُ من عينيه، خلع نظارته وهم واقفاً .. 

"الموضوع ليس كما يبدو لك .. أنا .. كنا سنخرج كصديقين"!

أسكتهُ بابتسامةِ مصطنعة رسمتها على وجهي؛ "لقد أخذت مني هذه الهدية أكثر من ثمانية عشر شهراً كي أنجزها، لقد كانت المرة الأولى التي أرسم وجهاً حياً فيها، ثم قضيتُ ثلاثة أشهر أجهزُ لمعرضي الجديد الذي كان بعنوان هذه اللوحة. رغم أن ملامحك التي كنتُ أصورها دوماً بائسة إلا أنني فعلتُ ما بوسعي لأجعلها مبتسمة، بكامل الأناقة والرتابة .. إنك تبرر لي الموقف الذي كان البطل سيبرره لحبيبته في الفيلم كي يمنعها من الرحيل، بيد أنها كانت تنتظر منه أي شيء إلا تبرير عن ذلك الموقف، لكن لأنها كانت تعلم بأنه لن يفعل، رحلت قبل أن يأتي"..

لقد انتظرت حتى تجاوزت الساعة الثانية عشر لأرحل، كي أذكرك بالفيلم عندما أبت البطلة أن تترك حبيبها في أحب مناسبة جمعتهما. أعلم أنك كنت تجاملني وبأنك كنت تكذب عندما حضرت معرضي الأول وكنتُ سعيدةً جداً بحضورك المزيف، لقد أعتقدت أنك عندما ستتزوجني ستغيرني، بأنك ستخضعني لحكمك الساذج السطحي على الأمور، وستغير نظرتي لتشبه نظرتك المادية .. لكنك خلال كل تلك السنوات لم تكن محقاً سوى بشيء واحد فقط :" فتاة مثلي لايبكيها الواقع، لكن تبكيها الأفلام لأنها في بعض الأحيان تكون صادقة، لأن تلك الساعات القليلة التي يعشيها الممثلون تكون في كثير من الأحيان معبرة أكثر من سنين نعيشها على أمل أن يتغير شيء!

عندما ينتهي الفيلم فإننا نفقد الأمل في أن يكون هناك نهاية أخرى؛ لكن في الواقع فإننا نقتل الكثير من الوقت على أمل مزيف في أن يكون هناك نهاية أخرى، رغم أننا نوقن منذ البداية أن النهاية واحدة لكننا لا نملُ من الانتظار ..!



   نشر في 27 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا