يوميات كاتب في مركز المعلومات (الاندماج) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوميات كاتب في مركز المعلومات (الاندماج)

  نشر في 28 أبريل 2017 .

لم يكُ يعقوب ذياك الشخص الذي يجتمع الحقد في دواخله ، و يعيش في سواد عميق ، من أجل ذلك أحس صباحا حينما هم بالذهاب إلى عمله ، كأن الأمر لم يكن ، لم يرد أن ينغص حياته بشيء يعلم أن بإمكانه تجاوزه ، و الحق أنه عزم على التغلب على مشكلته مع اللغة الإنجليزية ، بأن يبادر إلى تحسينها ، و هو ما عمل على تحقيقه في أوقات فراغه ، و لم تكُ اللغة الإنجليزية باللغة الصعبة ، ليست بأصعب من اللغة الالمانية على الأقل ، و لكن الفرق كان ، أنه كان يعشق تلك اللغة ، و أي شيء تعشقه ، لا بد أن تبدع فيه و تكون فيه من الفائزين ، من أجل ذلك كان يجيد التحدث بسلاسة باللغة الألمانية على الرغم من تجاوزه السنة العاشرة على دخوله و استقراره النهائي بالمغرب الأقصى !

في مقر عمله ، كان كل شيء عاديا ذلك الصباح ، وحدها السيدة الإدريسية كانت على علم مباشر بما وقع بالأمس ، حينما التقت عيناهما ، ألقى عليها التحية ، فابتسمت مجيبة .. أحس في تعاملها بشيء من الألفة ، ربما كان ذلك بسبب ما وقع بالأمس ..

كان السيد يونس محفوظ يشغل منصب رئيس فرقة في مكتب المعلومات ، يعمل مباشرة تحت إمرة السيد مهران ، و الحق ، أنه كان شخصا لطيفا ودودا رغم ما صدر منه في حقه ، و استمر طيلة اليوم في اختلاق الأعذار له ، تطييبا لنفسه ، فهو لا يتخيل نفسه حقودا على أحد مهما كان ، و مهما كان أذاه له ، هكذا كانت فلسفته في الحياة ، كان يتصدق بعرضه ، من أجل أن يرحمه الله عز و جل إذا أتاه عريانا يوم القيام ، كان يسامح إلى أقصى حد ، و يحاول كل ليلة أن ينام صافي القلب سليمه ، فلم يكُ يدري أمبعوث هو في الصباح إلى الدنيا مرة أخرى أم في ملكوت الله مقبوض .

كان الزملاء في مركز المعلومات يشكلون عائلة متماسكة ، خاصة القدماء منهم الذين قضوا رفقة بعضهم البعض سنوات عديدة ، إلى الحد الذي جعلهم لحمة واحدة ، يتبادلون طيب الحياة في السراء و الضراء ، و كانت القاعدة هناك ، أن كل من اقتنى سيارة جديدة ، أو منزلا جديدا ، أو أي خبر مفرح ، يتوجب عليه أن يدعو كل الزملاء إلى وجبة عشاء أو غذاء تكون غالبا مكونة من وجبة شواء كبيرة ، سواء كان اللحم سمكا أو لحم عجل و دجاج ، المهم في هذا كله أن يساهم من ماله الخاص في دعوة الزملاء ، و سببا في إدخال السعادة على قلوبهم ، وصادف بدايتهم في العمل ، أن كان السيد عادل الرئيس قد اقتنى سيارة جديدة ، فكان يجب عليه أن يدعو كل الزملاء إلى وجبة غذاء ن اختار لها يوم أحد من اجل تنفيذها .. وجه السيد الرئيس الدعوة إلى حشد كبير من الزملاء بل كان من بين المدعويين أشخاص خارج مكتب المعلومات .. كانت هذه الأشياء البسيطة من دعوات جماعية ، لتعزز التقارب بين أفراد المكتب ، لم يكن في إمكانه تلبية الدعوة حينذاك ، أحس يوم الجمعة أنه على أهبة الوقوع في فخ الزكام ، ففضل البقاء في المنزل في عطلة نهاية الأسبوع من أجل استعادة عافيته ، خاصة أنه في بداية مشوار عمله ، و كان يحرص كل الحرص على احترامه و احترام مواعيده ، و لكن الأمر راقه جدا ، حيث ذكره كل هذا بحياته داخل مجموعته داخل مكتب البريد في ألمانيا ، كان أيضا ، يخرج مع زملائه في العمل إلى الطبيعة من أجل حفلات الشواء ، و الذهاب إلى السينما و المسرح ، كان يعلم جيدا أن هذه الخرجات ، كانت تخفف من وطأة العمل ، و كانت فرصة كبيرة للتعارف بين أفراد مجموعات العمل ، و طرد سوء التفاهم الذي يخلقه ضغط العمل اليومي ، كان مفهوم العائلة الواحدة يتجسد ، و تكوين الجسد الوحد يبدو جليا .. و إنه ليتذكر أن رئيسه المباشر في العمل ، كان في إحدى الخرجات في ألمانيا يحاول التقرب منه ، و معرفة سبب حزنه المفاجئ ، الذي كان سببا في انطوائه على نفسه في تلك الفترة ، فكان أن حكى له عن معاناة والده مع السرطان ، فوجد فيه آذانا صاغية ، و عيونا دامعة ، كان ديتمر ، شخصا متميزا فعلا ، و قائدا فذا ، فعرض عليه آنذاك أن يبحثا كيفية نقل والده للعلاج في ألمانيا ن فأخبره يعقوب أن لمسألة مسألة وقت كانت ، و أن الأمر شبه منتهي ، فحاول التخفيف عنه ، و مواساته ، ثم عرض عليه أن يأخذ إجازة مدفوعة الأجر ، حتى بعد انتهاء إجازته السنوية المستحقة ، من أجل أن يذهب لرؤية والده ، بل و أعطاه تسبيق شهر من الخدمة .. و كان ذلك بالنسبة إليه شيئا جميلا جدا ، و معروفا لا يزال إلى اليوم يتذكره !

ذكره كل ما كان يعيشه في مكتب المعلومات بما عاشه في ألمانيا ، كان الأمر أشبه بنسخة جميلة من مكتب البريد ، أجواء الفكاهة ، الإستعداد العفوي لمساعدة الآخر معنويا و ماديا ، الإلتفاف ، لباقة السيد مهران في التعامل ، كل هذا جعله يتشبث بهذا المنصب ، تشبث اليائس ، لأنه يعلم مسبقا أنها نعمة من الله ، أن تعيش في محيط سليم القلب طيبه ، و كانوا فعلا كذلك !

بدأت سحابة الحذر تختفي شيئا فشيئا بينه و بين زملائه في العمل ، و سمح لضحكاته بالإنطلاق في فضاء المركز ، استطاع أخيرا أن يشاغب زملاءه في العمل ، و يمازحهم ، استطاع في مدة وجيزة أن يندمج بينهم ، كما تلتهم أنوار الشمس ظلام الليل ، استطاع في فترة وجيزة أن ينقش مكانة له عالية في قلوبهم ، و إن الحب لتفضحه العيون ، و كان يستشعر يوما عن يوم ، أنهم فعلا أسرة صغيرة وسط كل هذا العفن المجتمعي المغربي ، كان محمد حبيب عباد مثلا شخصا يحمل بين جنبيه ، مساحة كبيرة جدا من الرأفة و الرحمة ، و محاولة مساعدة الآخر ، كان لا يتوانى عن خلق أجواء لطيفة في المركز ، كان يحكي لهم عن مغامراته مع أبيه حفظه الله ، حتى يجعل الكل يستلقي ضحكا على قفاه ، و هو لا يتصور المركز بدونه بكل صراحة ، فكان حينما يأتي يعقوب إلى المركز و لا يجده يسأل عنه و عن أحواله ، كان من ذلك النوع من البشر الذي يشاطر معك كل شيء ، يشارك معك يومياته ، و حينما يرتاح إليك ، يدخلك مباشرة إلى أسراره .. و إنه ليتذكر أنه في يوم ، صادف وقت خروجهما من العمل بعضه ، و طريقهما إلى البيت كان واحدا ، فتحادثا طويلا ، حدثه هو عن أخيه ، و معاناته مع المرض في أمريكا ، و تعافيه ، و قصة زواجه ، و حدثه هو عن تجارب له في ألمانيا لا يعلمها إلا القلائل ، ممن يخصهم بثقة خاصة ، و كان فيعلا شخصا جديرا بكل الحب !

كانت الفترة التي تلت التحاقهم بمركز المعلومات تحيل بعض فترة ليست بالطويلة إلى عيد الأضحى ، و كان لعيد الأضحى في نفس يعقوب مكانة خاصة ، و قداسة من نوع خاص ، خاصة أنها شعيرة نبي يحبه كثيرا ، شعيرة إبراهيم عليه السلام ، و من بعده حفيده صلى الله عليه و سلم محمد ، كان ينتظره كل عام بفرحة عارمة ، لم تكن فكرة العمل يوم عيد الأضحى واردة عنده ، حتى ، و إن كان ذلك مذكورا في عقد العمل الذي وقعه ، و أنه يمكن في بعض الأحايين النادرة أن يشتغل يوم العيدين ، و لكن الأمر كان فيه وطأة كبيرة على نفسه ، و مع اقتراب موعد العيد ، أكد لهم السيد مهران ، أن الأمر لا نقاش فيه ، و أنهم كرواد مركز المعلومات ، لا يشتغلون أيام الأعياد الدينية الإسلامية ، و أن الأمر سيشملهم ايضا باعتبارهم الآن ينتمون إليه ، فخفف ذلك من قلقه بشكل كبير ، غير أن الأمر تغير شيئا فشيئا ، حينما تلقى السيد مهران اتصالات من مدراء كبار في الشركة تستفسر عن يوم العيد بالنسبة للمشروع الألماني الصغير ، فحاول السيد مهران أن يشرح لهم أن الأمر متعلق بالثقافة المغربية الإسلامية ، و أن الأمر مهم جدا بالنسبة للأفراد ، مع عائلاتهم و أطفالهم الصغار ، و كانت النتيجة في الأخير ، أن كان لزاما عليهم كأفراد جدد في المركز أن يشتغلوا يوم العيد .. تحركت في يعقوب ثورة من قلق ، و أخبر السيد مهران ، أنه غير مستعد بتاتا للعمل يوم العيد ، لسببين ، أولاهما أنه فعلا قد أعد برنامجا خاصا بيومي العيد ، حيث سيسافر لمدينة تبعد عن الدار البيضاء ب250 كيلومترا ، و أنه حجز غرفة الفندق مسبقا ، و السبب الثاني و هو الأهم أنه لا يتفهم مدى أن لا يحترم الكبار في هذه الشركة ، ثقافة الآخر الذي يعتبر كالمحرك لها ، كيف لا يتفهمون ، أن الإنسان يبقى إنسانا ، و أن العمل وجد ليحترم كرامة الإنسان لا لاستعباده .. و إنه ليتعجب ، كيف أنه لا يستطيعون فرض العمل على المقيمين في المانيا مثلا في أعياد الميلاد ، و يفرضونه على ما دونهم ، كانت كل هذه الأسئلة تدور في خلده و لا يجد لها جوابا.

و الصراحة أن السيد مهران أبدى تفهما كبيرا لطلبه ، و برنامجه ، فاقترح على السيد حجة و السيد ملاحي أن يشتغلا يومي العيد ، و يعوضا عنه برصيد مضاعف في أجرتهم آخر الشهر ، فأبدى السيد حجة و السيد ملاحي استعدادا كبيرا لسد الخصاص ، و كانت الشركة ، و رغبة منها في الإعتذار المبطن لمن فُرض عليهم العمل يومي العيد تخصص إفطارا كبيرا صباح يوم العيد مع غذاء ، و رسائل شكر مع اعتذار مبطن تصل مباشرة إلى الذين عملوا يومي العيد .. لن ينسى تصرفهما لن ينساه لهما ما حيي ، لأنهم سمحوا له بقضاء العيد مع أسرته الصغيرة ، بالرغم من أن السيد ملاحي كان مريضا بالزكام ، و كان له أيضا أسرة صغيرة ، و لكنهما آثراه على نفسيهما ، فكانا نعم الزميلين !

قضى عطلة العيد كما تمنى مع أسرته الصغيرة ، و شكر زميليه بعد قدومه ، و عمل السيد مهران بعد ذلك على تدارك هذا الشيء ، حيث قام بمجهود كبير جدا ، أسفر عن أن استفاد كل رواد مركز المعلومات في ما بعد هذه الواقعة بعطلتي العيدين ، الذين لهما قدسية خاصة في الدين الإسلامي ، وهو تصرف يحسب له ، وكان السيد مهران بالفعل ، مقارنة بمدراء أخر في بلاد المغرب الأقصى مرنا جدا فيما يخص هذه النقطة ، فقد كان بإمكانه ، بكلمة واحدة أن يفرض على الجميع أن يأتوا للعمل يومي العيد ، و لكنه كان شخصا يؤمن بالآخر ، و يستثمر فيه ، و كان يجتمع بهم في كل صغيرة تهم شؤونهم الداخلية بل و حتى الشخصية ، كان نموذج المدير الأوروبي المتحضر ، و يحاول ما أمكن أن يصل إلى الحلول الوسطى ، التي تخدم الأشخاص الذين يعملون تحت إمرته .. و هو الشيء الذي جعله محبوبا من الكل ، لأنه بكل بساطة ، لم يكن يعطيهم أدنى إحساس أنه المدير ، و أنه الآمر الناهي هناك !



   نشر في 28 أبريل 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا