عينٌ عرفَتْ فذرفَتْ... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عينٌ عرفَتْ فذرفَتْ...

  نشر في 20 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

كلّما أشاهد نشرة الأخبار مساءً أو أقرأ عناوين الصحف، تراودني فكرة الكتابة عن موضوع يتمّ تداوله يوميًّا تقريبًا. يتغيّر المكان، والزمان، والشعب.. إلاّ أنّ العنف واحدٌ. قد أنجح في ثوانٍ قليلة بترجمة هذا الواقع كلماتٍ تعبّر عنه، ولكنّني لن أتمكّن من تغييره.

أنا لا أحبّ الحروب، وأكره النزاعات المسلّحة، حتّى إنّني لا أطيق الأفلام التي تعرض مشاهد عنيفة ومعارك ضارية.

عالمٌ يحكمه المجانين. مجانين يبرّرون ما هو غير قابل للتبرير من أجل حماية مصالحهم الاقتصاديّة والسياسيّة. أخشى أنّنا في عالمهم المجنون هذا، ننصاع للقواعد التي تفرضها علينا لعبة الحرب والعنف والظلم والقمع. منطقيًّا، يجدر بنا أن ندين مظاهر العنف كلّها، ولكنّنا لا نجرؤ حتّى على التفكير بذلك. يقنعوننا بأنّه ثمّة طرفان يتقاتلان في الحرب: الأوّل هو الطرف المصيب، والثاني هو المخطئ؛ وهذا برأيي غير محقّ. الحرب هي الحرب، يرسمها صانعوها بحسب مصالحهم الشخصيّة، ويرتكب فيها الطرفان شتّى أنواع الجرائم والمجازر، كلٌّ على طريقته.

يقول الفيلسوف اليونانيّ هرقليطس إنّ الأبناء يدفنون آباءهم في زمن السلم، في حين أنّ الآباء يدفنون أبناءهم إبّان الحرب... وهو على حقّ. إلاّ أنّ الحروب لا تزال مستعرة، والدماء مسفوكة، والعنف يمسك زمام الأمور. الحقّ يقال، الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب. وبما أنّني أتحدّر من مجال العلوم الإنسانيّة والترجمة تحديدًا، سأتطرّق بشكل خاصّ إلى نقطة واحدة أسلّط الضوء عليها، وهي وضع الصحافيّين والمترجمين اليوم الذين يؤدّون واجبهم المهنيّ في المناطق الرازحة تحت نير الإرهاب والعنف والاحتلال.

لم يكن مصير روّاد الصحافة في العالم العربيّ المصير نفسه الذي أرادوا نسجه لأنفسهم! لا وألف لا! لم يكن كذلك قطّ. ولن يكون حتمًا ذلك المستقبل الذي يحلم به أيّ فرد صحافيًّا كان أم لا. لم يخطر يومًا في بال الصحافيّ، العربيّ كما الأجنبيّ، أنّ خياره المهنيّ قد يوقع به في شرك الظلم والإرهاب. مكرٌ شيطانيّ لا يتّفق والواقع المرير. عملٌ أسخنَ عيون المترجمين والصحافيّين وعرّض حياة ذويهم لأخطار لا تحصى. كان الأجر الذي سيتقاضونه على عيونهم غشاءً، فاستخفّوا بحياتهم وانطلقوا بإرادتهم إلى ملاذ الموت والخوف والقلق. إنقبض القلب وانفطر، فتصلّبت مشاعر العدوّ، وقلبه من حجر.

وكأنّ هذه الأهوال مجتمعة لا تكفي ذلك الصحافيّ المسكين المذعن ليد القدر المحتوم والمهلك! فبعض الجماعات المتطرّفة الإرهابيّة تتّهمه ظلمًا بالعمل ضدّ مصلحة بلاده وقد يُتَّهم أيضًا بالتخطيط للقضاء على الأمّة العربيّة ودمارها. إنّه خائن خسيس في نظرها ويستحقّ أن تُنزل به أشدّ العقوبات حتّى ولو كانت تؤول إلى الموت المحتّم. ولربّما غاب عن باله أنّ الصحافة، والترجمة الفوريّة حتّى، هما المهنتان الأشدّ خطورةً ومسؤوليّةً حاليًّا، في ظلّ الاعتداءات المتكرّرة واللاّإنسانيّة التي يتعرّض لها ممارسوها.

يعيش الصحافيّون حياة حانقة مضطربة ومخيفة، غالبًا ما ترسي بهم على قيد أنملة من شاطىء الموت، هذا إن لم تقدهم مباشرةً إلى مثلّث الموت الأسود أو الإعاقة الجسديّة الدائمة. قد تصل بهم الحال إلى إخفاء هويّاتهم وعناوينهم تفاديًا للتعرّض إمّا للقتل والذلّ أمام عائلاتهم المذعورة، وإمّا لهدم منازلهم ونهب أملاكهم. لا شكّ في أنّهم يواجهون أخطارًا حقيقيّة تحدق بهم من كلّ حدبٍ وصوب، فيضطرّ بعضهم لمغادرة بلاده واللجوء قسرًا إلى البلدان المجاورة هربًا من عدم الاستقرار والأمان وبحثًا عن السلام والبقاء.

يلاحق هذا المصير القاتم والمشؤوم أصحاب الفكر في العالم العربيّ ليسلب منهم أعزّ أحبابهم، هذا إن لم يصل الدور إلى حياتهم وإن لم يسكنهم الموت فسيح جهنّمه. شهيد القلم هو الصحافيّ وفريسة تعلق في كمين مطارديها. وبدل أن ينقل الخبر أو يترجمه، أمسى هو نفسه الخبر. إضافة إلى ذلك، فإنّ السيّارات المفخّخة والمواد المتفجّرة تهدّده أينما يذهب وعلى مدار الساعة، حتّى ولو لم تكن تستهدفه بشكل أساس. حُكم عليه بعقوبة الحرمان من حرّيّة التنقّل والعيش بأمان بجانب عائلته وأهله وأبنائه.

يتمّ التعدّي على حياة الإنسان وحقوقه وما من أحد يحرّك ساكنًا لإيقاف هذا الانتهاك الواضح والمتكرّر وكأنّ المنظّمات التي تعنى بحقوق الإنسان قد غطّت في غيبوبة مميتة وعطّلت وعي الدول والحكومات لوضع حدّ لهذه التعدّيات. إلا أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة ينصّ بوضوح في ديباجته على حقّ كلّ فرد في العيش والبقاء، ويشدّد على أنّ "الاعتراف بالكرامة المتأصّلة في جميع أعضاء الأسرة البشريّة وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحريّة والعدل والسلام في العالم". ولهذا السبب، على الحكومات كافّة أن تعتمد مجموعة قرارات وتتّخذ عددًا من التدابير اللازمة لإغاثة هؤلاء المفكّرين. ألم يكن بإمكانها التنبّه إلى هذا المصير المسودّ سواد الليل قبل أن يودي بحياة الأبرياء؟ ألم تكن تستطيع حثّ المجتمع الدولي على ضرورة حماية الصحافيّين والمترجمين والتصدّي للعنف والعدائيّة العشوائيّة في العراق وسوريا...؟ أين هو المجتمع الدولي من الواجب الأخلاقيّ والإنسانيّ في هذه القضيّة، لاسيّما أنّ المادّة الثالثة من الإعلان المذكور تشيد بأنّ "لكلّ فرد الحق في الحياة والحريّة وسلامة شخصه"؟

إلى متى يُقتَل الأطفال الأبرياء الذين لا صلة لهم لا من بعيد ولا من قريب بهذا الواقع المظلم الظالم الذي يحيط بهم؟ إلى متى نتذمّر من العنف وعدم الاستقرار فيما لا نحرّك ساكنًا للانقلاب عليه؟ لعلّ أوّل الأمور التي ينبغي تداركها هو عدم تشريع الحرب والإرهاب وسيلةً لحلّ النزاعات السياسيّة والدينيّة. عندما يقع نزاع فرديّ، يعود الطرفان إلى القضاء ليبتّ بقضيّتهما، لِمَ لا يُعتمد المبدأ نفسه على المستوى الإقليميّ والعالميّ؟ لِمَ لا يجري التفاوض والتنازل والتوصّل إلى الحلول التي تناسب الجميع سلميًّا؟ لِمَ لا يجنّبون آلاف الأبرياء المجازر الوحشيّة والتهديدات الدائمة؟ السلام ليس مجرّد غياب الحرب؛ فالاتّفاقات الدوليّة ليست سوى فترات هدنة مؤقّتة يعمّ فيها السلام في قلب حرب دائمة. السلام الحقيقيّ هو القدرة على العيش بسلام، والتعامل مع الآخر برحمة ومحبّة ولاعنف. لا سلام من دون ثقافة الحدّ من الفقر ومساعدة الآخر. السلام برمّته قائم على المحبّة، وتقبّل الآخر، والمغفرة، والحوار بين الأديان.

ولا نزال نسأل عن الحلّ؟ يقول غاندي: "أينما يتواجد الحبّ تتواجد الحياة. إنّ مبدأ العين بالعين يجعل العالم بأكمله أعمى. ليس هنالك طريق للسلام، بل إنّ السلام هو الطريق". يجدر بنا أن نعتمد نمط عيش سلميّ غير عنيف، فنتمكّن بالتالي من نشر ثقافة السلام، وتوسيع دائرة الوعي العامّ، والإيمان بأنّنا قادرون على التغيير من دون اللجوء إلى الحرب (والتاريخ خير دليل على ذلك)، وتنظيم حلقات حوار وورشات عمل هدفها توعية الشعب ولا سيّما شبيبتنا المندفعة وراء غرائزها السياسيّة بشكل أعمى، والأهمّ من كلّ ذلك، تنشيط الذاكرة التاريخيّة لكي نتعلّم من أخطاء الماضي ونصحّح أخطاء الحاضر من أجل مستقبل أفضل يتنمنّاه كلّ فرد.

عيون ذابلة، قلوب منفطرة، دماء مسفوكة، ومهن قاتلة...

كفى!


  • 7

   نشر في 20 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

Heba Hamdy منذ 4 شهر
إلى متى يبقى العنف والإرهاب ،
لماذا يموت كل يوم الآلاف والمئات من البشر ،إنه الواقع المرير الذي نحياه الأمم المتحدة مواثيقها المزعومة كلها كلمات خاوية تشدق مزعوم بالنهاية ما يسود العالم هو المصلحة أو المنفعة لا جدوى من استجداء أن يجلس الأطراف المتنازعة ويحاولون الحل حقنا للدماء ،لا قيمة لشيء سوى المصلحة ،أخيرا لا يبقى لنا نحن المفجوعين في عالم قبيح كهذا سوى تلك الكلمات التي نذرفها لتحمل شيئا من فجيعتنا
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا