الرأي المقدس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرأي المقدس

  نشر في 15 غشت 2019 .

حينما تسير في الطرقات بين البسطاء من الناس، وغيرهم من طالبي العلم أو قاصدي الحق، ستصطدم بجملة لطالما تكررت وكثيرًا ما ضلت وأغويت، ستراهم يقولون (والله أصبحنا في زمن لا نعرف فيه الخير من الشر، ولا الحسن من السيء، ولا الحق من الباطل، ولا الصحيح من الخاطىء، ولا الصالح من الفاسد).

وإن منشأ هذا من بعض ما تكرر أمام الناس ثم قرر أنه حقيقة وهي شعارات احترام كل الآراء واحترام الرأي الآخر وقبوله.

نحن لا نعرف الفصل بين احترام الشخص لذات الشخص واحترام رأيه أو فكره، فقد نوقر شخصا نحترمه بل حتى نقبل رأسه كلما رأيناه.

ثم هذا لا يتعارض أن نرد رأيه أو آرائه فلا نحترمها بل ونسفه منها أو نجعلها هي والعدم سواء، وليس هذا نفاقا ولا تناقضا،

أما ما يضيع الناس ويلبس عليهم أمورهم ما يفعله كل من أراد أن يظهر بالمظهر المتحضر المثقف المنتفح ينادي بقبول كل الآراء ثم يجبرك على احترامه، وهذا باطل عقلا، كيف لنفس العقل أن يؤمن بالشيء ونقيضه معا، كيف يحترم ما لا يحترم عنده ثم يقبله.

نعم يقبل اختلاف الرأي حينما نختلف أيهما أحلى طعما، الباذنجان المقلي أم المخلل؟

لكن ليس بما يتعلق بالعلم مثلا أو قضية هامة فى أي مجال.

فغاية مالك عندي ألا أجبرك على رأي ولا أضايقك فيما يصل إليه عقلك ويؤمن به،

لكن لا تأتى داعيا إليه ثم تطلب النقاش والحوار ثم تقلب هذا إلى جدال فإذا عجزت عن الرد ورأيت ضعف حيلتك وحججك الضاحدة اختبئت وراء حائط هذا رأي وكل يحترم رأي غيره، فهذه حيلة الجبناء، فإما أن تكون رجلا فترد البينة بالبينة والدليل بالدليل، وإما أن تصمت فلا تزعجنا بنقيق الدجاج هذا.

وأصحاب هذه المذاهب أعنى تقبل كل الآراء واحترامها، أظنهم لو كانوا أيام الإسلام الأولى لقالوا، لماذا نهدم الأصنام حول الكعبة؟ هم يرون أنهم آلهة، ولا بد من احترام الرأي الآخر!

وهنا قد يقول قائل، هذا وحي واضح لا خلاف فيه، وهنا قد أتيت إلى الفخ الذي نصبته لك بقدميك، لأن ما تراه واضح صحيحا يراه غيرك نقيض ذلك، وسنلبث في هذه المتاهة لا نتهى، فإن كنت مخالفا لما قلت أن ليس كل الآراء تقبل وتحترم، فأسقول لك هذا رأي، فاحترمه!

إن ما يحترم من الرأي هو القائم على دليل يستطيع صاحبه أن يدخل به معركة فينتصر بسيف كلماته! لكن لا يصير رأيا مقدسا لمجرد أنك قلته.

ولذلك لا أرى مشكلة أن نحتد في النقاش ونقلل من الرأي الآخر أو نسفه حتى لا ندع مجالا، لكل مار أن يقول ما يريد فتتعد الآراء كما قلنا في بادئ الكلام، فيضيع الطريق.

أذكر أنني احتددت في نقاش عبر رسائل مع صديق وارتفعت الحرارة جدا فلما قابلته في اليوم الثاني، ناديته لأسلم عليه، فأعرض عنى وذهب، وبعدها بفترة أرسل رسالة اعتذار وقال آسف كنت في هذا اليوم لا أطيق أن أرى وجهك! لماذا لا نفصل بين الرأي وصاحب الرأي؟

أتعرفون قطة شرودنجر؟ حسنا باختصار بعيدا عن الفيزياء، تخيل شرودنجر أن هناك قطة داخل صندوق مغلق ومعها داخل الصندوق سم، وطالما لم يفتح الصندوق فإن القطة قد تكون حية أو ميتة معا، لا نعرف إلا بفتح الصندوق.

فما فائدة النقاش إن ظل الصندوق مغلقا، لا بد أن يفتح الصندوق حتى نعرف الحقيقة.

وهنا قد يقال، إن تسفيه الرأي الآخر يزيد صاحبه عنادا، فنقول إن المهادنة والاستسهال والاستسلام لا تجعله يقول لك اقتنعت!

لكن إذا ساويت رأيه بالأرض وأغلظت عليه الرد وضيقت عليه الخناق ثم رددته عليه ورفضته، فإما أن يكون صاحب حق فلا يكابر، وفي أسوأ الأحوال لو ظل معاندا فلن تجد له بغبغاوات تردد ما يقول أو تتبع.

حينما يرى القطة ميتة، ويراها كل منه له عين أنها ميتة، ويصر أنها حية، فسيكون مجنونا، والمجنون ليس عليه حرج.

إن هذه العقلية إن اتخذناها منهجا في التفكير ستغلق على كل سفيه أن يفسد على الناس، وسيقل الخلاف بنسبة كبيرة تجعل عامة الناس تميز الغث من الثمين.

أما شعارك هذا أعنى قبول كل الآراء تسوي فيه بين العالم والجاهل، بين وصاحب الحق و المزاج، فهل يستويان مثلا؟

قد تقتنع عند هذا لكنك تقول: كل يرى رأيه صحيح، فلماذا أنت الصواب وغيرك خطأ.

وهذا لا إشكال فيه، وهذا هو المطلوب، فلا تؤيد رأي أو تدعو إليه ثم تناقش إلا إذا كنت تعلم تمام العلم أنك على صواب، معك العقل والدليل، أما غير ذلك فأنت مقلد، ولا عيب أن تقلد من تثق في علمه، إلم يتوافر عندك العلم الكافى لاتخاذ رأيك،لكن لست هنا فى دور صاحب الرأي فتقرر أو تنفى.

ولهذا نجد فيما نسب للإمام الشافعي قوله(رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرى خطأ يحتمل الصواب).

وهذا فائدة النقاش، ليتبين الصحيح وغير ذلك.


  • 1

   نشر في 15 غشت 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا