" المثلية الفكرية و الثقافية مقابل الصراع , نحو منفذ جديد للتعايش " - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

" المثلية الفكرية و الثقافية مقابل الصراع , نحو منفذ جديد للتعايش "

من أجل إنسان مسالم

  نشر في 31 يوليوز 2016 .

   للثقافة ماضي طويل إلا أن لمفهومها المعاصر تاريخ قصير ، فقد برز بحلول القرن العشرين مصطلح "الثقافة" للعيان ليصبح مفهوما أساسيا في علم الانثروبولوجيا ، ليشمل بذلك كل الظواهر البشرية التي لا تعد كنتائج لعلم الوراثة البشرية بصفة أساسية , لذلك على وجه التحديد ، فإن مصطلح "الثقافة" قد يشمل تفسيرين في الأنثروبولوجيا الأمريكية :

*التفسير الأول: نبوغ القدرة الإنسانية لحد يجعلها تصنيف وتبين الخبرات والتجارب بطريقة رمزية ، ومن ثم التصرف على هذا الأساس بطريقة إبداعية وخلاقة . 

 * التفسير الثاني: فيشير إلى الطرق المتباينة للعديد من الناس الذين يعيشون في أرجاء مختلفة من العالم والتي توضح وتصنف بدورها خبراتهم ، والتي تؤثر بشكل كبير على تميز تصرفاتهم بالإبداع الوقت ذاته. وفى أعقاب الحرب العالمية الثانية، صار لهذا المفهوم قدر من الأهمية ولكن بمعانى مختلفة بعض الشئ في بعض التخصصات الأخرى مثل علم الاجتماع ، والأبحاث الثقافية ، وعلم النفس التنظيمي، وأخيرا الأبحاث المتعلقة بعلم الإدارة . 

   لن ندخل في سجال إبستمولوجي كهذا ، ما علينا سوى تقديم أرجوزة افتتاحية عن مصطلح الثقافة ، حيث نضيف بأن  عالم الإنثربولوجيا البريطاني "ادوارد تايلور Edward Tylor" يعتبر واحدا من أول العلماء الناطقين بالإنجليزية ممن استخدموا مصطلح الثقافة (1) بالمعنى الواسع والعالمى إلا أنه و في نفس السياق , أشار الناقد الأدبي " رايموند وليامز Raymond Williams "  إلى أن كلمة ثقافة هي إحدى الكلمات الأكثر تعقيدا في اللفة الإنجليزية ذلك لأنها تحتمل الكثير من التأويلات , كما تحمل الكثير من المعاني التي تتغير كلية مع جريان الزمن و مرور الوقت (2)  .

 كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الثقافة كمفهوم كما أشرنا يتسم بالزئبقية ، فقد راجع عالما الإجتماع " ألفرد كروبر و كلايد كلوكهون - Alferd Kroeber and Clyde Kluchhohn " في أوائل الخمسينات من القرن المنصرم ، الدلالات المتنوعة لكلمة ثقاقة و قرينتها حضارة ، فعثروا على 164 تعريفا لما قد تعنيه كلمة ثقافة (3) ، و هو ما يشي بصعوبة الإتفاق على مفهوم موحد عالمي للثقافة .  

   أذكر كذلك أن الثقافة غذاء للعقول وللقلوب وتكوين للشعور ؛ لأني لا أفهم من الثقافة ما يتصل بناحية بعينها من نواحي المَلكات التي تكون الحياة المعنوية للفرد أو الجماعة ، وإنما أفهم منها ما يتصل بهذه الملكات جميعا فتغذيها وتنميها وتمضي بها في طريق التطور والارتقاء , هذا من حيث الجانب البنائي للثقافة في أحد فروعها البارزة كالعلم ، هذا الفرع من فروع الثقافة له موقف واحد من الأمم كلها ، فهو يغذي عقولها ويعينها على استغلال الطبيعة وتسخيرها لمنافع الناس ، فلسنا في حاجة إذن إلى أن نبحث عن موقف هذا الفرع بالقياس إلى الحرب ، إنما فروع الثقافة الأخرى تلك التي تتصل بالشعور و العواطف ، وتصوغ الأمزجة ، وتكون الأخلاق هي التي تختلف باختلاف الأمم ، وهي التي تتباين بتباين الأوطان والبيئات ، وهي التي يمكن أن تصور تصويرًا صحيحًا ميول الأمم إلى الحرب أو حرص الأمم على السلم . و هو ما يوحي بوجود  جانب آخر كذلك تصبح معه الثقافة ذات بعد نظري هدام ، يحصل ذلك عندما ينظر للتعدد الثقافي على أنه مركب يلغي و لا يغني ، على غرار صراع الأديان ، كحروب الإسلام ضد المسيحية في العصر الحديث (4) ، و صراع الوثنية و من بعد المسيحية الرومانية ضد دوناتية الأمازيغ قبل الميلاد و في القرون الوسطى .

*  الثقافة كخلفية للعنف  : 

كل يوم يوم تصلنا أخبار العنف الإجرام و الحروب التي يدور رحاها من فجر التاريخ ، ليس خافيا على أحدٍ أنَّ الحرب لا تزال بطلة مسرح الحياة على هذا الكوكب ، فبعد حربين عالميتين ، ورغم سعي الإنسان إلى تقييد صراعاته بالقيم والقوانين الدولية ، لا تزال تنشب الحروب لتؤكد بأنَّ العقل البشري الذي وصل إلى هذه الحضارة العظيمة التي نعيشها اليوم لا يمكنه التخلي عن الحرب ، ربما لأن الغريزة الداروينية التي تسكنه تدفعه صوب ابتكار الصراع للتأكيد على حكمة طبيعية : و هي "البقاء للأقوى" ، فالإنسان حامي الحياة هو نفسه تاجر السلاح ، الإنسان الذي يبكي على ضحايا أهله ، هو نفسه قاتل أهالي غيره ,  فما السبب وراء هذه الإزداواجية ؟

 لا أظن أنني مؤهل للجواب عن سؤال يهم ظاهرة عالمية جد مركبة و معقدة مثل ظاهرة العنف ، لكن سنحاول بمقترح سوسيولوجي تفسيري يقارب الظاهرة معتبرا إياها كنتيجة تسببت في بروزها ميكانيزمات ثقافية بامتياز ، فما نوعية الثقافة التي تعتبر في بعض المناسبات دافعة نحو العنف ؟ كيف يحصل العنف ن طريق الخلفية الثقافية ؟ 

  استسبابا للفهم نربط تحليلنا مع الواقع ، حيث نذكر بأن المتابع للشأن السياسي الدولي يتذكر الهجوم الإرهابي عبر الإنفجار الذي استهدف أحد الحانات في جزيرة بالي جنوب شرق آسيا سنة 2009 ، و الذي أسقط أكثر من 200 ضحية لم يعرف أهلهم بأي ذنب قتلوا بهذه الطريقة الخسيسة ، حيث كان معظم الضحايا سياحا و جوالين غربيين ، جاء معظمهم من أستراليا ، و ذلك لما تحضى به جزيرة بالي من شعبية لدى الأستراليين كوجهة سياحية يقضون فيها إجازتهم ، بسبب تدني أسعار الإقامة و مناخها المشمس الجميل ، و كذلك بسبب حبهم للثقافة الشرق-آسيوية المتميزة ، و كما ورد في نشرة الأخبار آنذاك ، فإن مجموعة إسلامية متطرفة كالعادة ، لها أهداف المجموعة نفسها المسؤولة عن تدمير مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 ، هي التي تبنت الإنفجار .

   بعد أن يخف وقع الصدمة النفسية بعد كل هجوم دموي مثل هذا ، غالبا ما يتساؤل بعضنا و يفكر مليا في أسباب حدوث مذابح بين البشر على هذا الغرار ؟ لماذا يرغب بعض الأشخاص في قتل الآخرين بهذه الطريقة القاسية ؟ و كلما أمعنا التفكير اتضح لنا أن الأسباب تعود إلى صدام بين أفكار و قيم و معتقدات ، هذا الثالوث الأخير يعتبر سقعا من أسقاع الثقافة الكبار ، و عليه في النهاية فإن الصراع في جوهره يحصل بين ثقافتين مختلفتين .

   من وجهة نظر معظم الغربيين في أيامنا هذه ، فإن الرغبة في قضاء الإجازة يفضل أن يكون بعيد حيث الطقس مشمس و الوقت متوفر للمتعة ، كل هذا لا يعتبرونه اختيارا خاطئ مضر أو لا أخلاقي ، حيث البحث عن مكان للإسترخاء بجانب شاطىء البحر أو بركة السباحة ، و الرغبة في شرب الخمر و الرقص و ارتياد الحفلات الصاخبة ، كلها تبدو أمورا بريئة و لا تسيء لأحد ، ولكن من وجهة نظر دينية بحثة ، إسلامية على وجه الخصوص ، فإن هذا السلوك يعد سلوكا منحلا لا يعكس التدين الصحيح الذي أمر به الرب ، فعدم الإحتشام سواء بجانب الشاطىء أو غيره ، و استهلاك كميات كبيرة من الكحول مع القيام بتصرفات ماجنة تحت تأثير الكحول أو المخدرات ، و البحث عن فرص لممارسة الجنس ، كلها في نظر الدين ممارسات ساقطة تتعارض مع القيم الأخلاقية و الروحية ، ذلك حيث يجب استنكارها لا التغاضي عنها ، كما ينذب مراقبتها و حظرها بدلا من قبولها و التساهل معها أو تشجيعها .

  لا شك في أن أحد أسباب تفجيرات جزيرة بالي هو حادثة صدام بين فكرتين تنتميان لثقافتين مختلفتين من حيث المعتقد و المشاعر ؛ فهناك تباين صارخ بين الفكر العلماني من جهة ، حيث سيطرة الأفكار الفردية و مذهب المتعة ، و الفكر الديني من جهة أخرى ، حيث الإلتزام و الحدية في المواقف ، و عليه مثل هذه الأفكار الغربية المتصرف وفقها مستنكرة و غير مقبولة ، إذ تتنافى و الأخلاق بل - و هذا أدهى - تسيء إلا الخالق في رأء الجنات . لذلك فإن قتل الأفراد الذين ينغمسون في ما يعتقد أنه أسلوب حياة غير أخلاقي ليس جريمة ، و إنما هو جزء مقدس و مبرر أخلاقيا عن طريقة الشريعة الإسلامية لعقاب الفاسدين في الأرض ؛ و في المقابل من وجهة نظر الغربيين ، يكمن الفساد و الشر و اللاأخلاقية في نفوس أولئك الذين زرعوا القنبلة أو فجروا أنفسهم وسط الأبرياء ، أو أي آخر يشاطرهم الرأي فهو المذنب و المجرم ، فهم متعصبون و ضيقوا الأفق يرون الحياة عن طريق الموت ، ليس لديهم احترام للحياة الإنسانية بعامة و لا للأبرياء الذي تسببوا في قتلهم خاصة . 

  يمكننا بإيجاز ، أن نستخلص مما ذكر أن مجزرة بالي و أحداث أخرى مماثلة هي نتيجة لصراع ثقافات مختلفة ، إذ تصادمت ثقافة مجموعة مع ثقافة مجموعة أخرى ، و ليس علينا التفكير مطولا لندرك عدد الحالات المماثلة في عالمنا المعاصر ، حيث نشبت صراعات دموية بسبب هذه المفارقات الثقافية ، و على سبيل المثال لا الحصر : حرب الثلاثون سنة في ألمانيا بين البروتستانت و الكاتويك ، التاميل و السنهال في سيرلانكا ، الإسرائيليين و الفلسطينيين في "إسراطين" (5) .

  على الرغم من وجود أسباب اقتصادية و سياسية لهذه  النزعات ، إلا أن في صميمها نزعات حول الأفكار و القيم و المعتقدات ، يصف مفهوم الثقافة الأفكار و القيم و المعتقدات الراسخة في وجدان الأفراد و في الطريقة الكلية لحياة الجماعة التي ينتمون إليها ، و لكن تتضارب أحيانا الطرق الراسخة في فهم العالم لجماعة ما مع طرق جماعة أخرى ، ما يؤدي في معظم الأحيان إلى العنف القتل و الإجرام ، لذلك فإن الثقافة بالغة الأهمية في الشؤون الإنسانية ، ذلك لأسباب عديدة لعل أهمها العنف و القتل الذي نرهما بسبب الإنتماءات و السلوكيات الثقافية المختلفة ، و لأن الثقافة غالبا ما تتوسط هذه الخلافات و النزعات و الصراعات التي يكون محفزها عدم تقل الإختلاف و تكون وقودها أرواح البشر ، غالبا ما يكونون أبرياء ، لذلك لابد من دراسة هذا الموزاييك الثقافي و فهمه ، كمدخل لفهم جوهر الصراع البشري . 

   صحيح أن الإنسان يحيا بالخبز و ليس بالثقافة ،  لكن لا يمكن اغفال دور الثقافة في كونها محرك خفي للصراع كما أنها إرث المستقبل و صورته التي نصنعها . 

* المثلية الثقافية كأفق للتعايش : 


  نخشى أن يتيه القارئ بلفظة "المثلية" لذلك نحب أن نصوب فهمه بأننا لا نقصد بالمثلية ما يتعلق بالجنس ، بل ما يتعلق بالفكر و الثقافة على وجه الخصوص ، و عليه مما تقدم اتضح لنا أن الصراع في عمقه ينتج عن عدم تقبل ثقافات أخرى و اعتبارها ساقطة فاسدة و الإكتفاء بواحدة فقط و اعتبارها صالحة لكل زمان و مكان و ناجعة للتعامل مع الطبيعة بل لإرضاء ما فوق الطبيعة ، فبديهي القول بأن هذه الطريقة في النظر إلى التعدد الثقافي المتسمة بالحدية في المواقف ، تخطوا بالبشرية بخطوات متسارعة نحو التنافس الغابوي الريعي لا الإنساني ، بل تثير بينهم أنواع الخصومات ، و تنتهي بمزاجهم إلى شيء من الحدة ، يجعل الناس إلى الجهل أقرب منه إلى الحلم ، وإلى العنف أدنى منه إلى اللين ، و إلى القسوة يسرعون و على الرحمة يبتعدون ، هذه النظرة تجعل البشر يحاربون أكثر مما يسالمون ويقسمون أيامهم قسمة غالبا ما يكون حظ الحرب فيها أعظم من حظ السلم .  

  لذلك و بما أننا نسكن كوكبا واحدا و ننتمي لنفس الطبيعة ، و بما أن حياة و عمر الإنسان قصير ، فبدل أن نقضي أيامنا المعدودة في العنف ، المستحسن أن نقضيها في السلم و في البحث عن الحقيقة التي تقف ورائها كل هذه الثقافات ، فالنهج الأول لم ننتج منه شيءا سوى الدمار ، و عليه كأفق للتعايش و ذرء العنف بسبب عدم تقبل الإختلاف الثقافي المتسم بالتعدد ، ** يجب أن نكون مثليين ثقافيين ** ، بمعنى أن لا يكون لنا جنس واحد من الثقافة ، أي أن نتشبع بالقيم الإنسانية عن طريق ربط جسور التعارف قليلا أو كثيرا مع معظم الثقافات الموجودة على كوكبنا ، أن نتصالح مع كل الروافد الفكرية و العقدية و القيمية ، و أن نتخفف من فكرة الثقافة الواحدة و أن نربي على ذلك الناشئة و الأجيال القادمة ، ليس لسبب آخر غير العيش و التعايش ، في النهاية نبقى بشر ننتمي لنفس المرجع الطبيعي ، و بما أن الثقافات حالت بين امتجازجنا إنسانيا ، فلابد من إعادة النظر في رئانا اتجاة الآخر المختلف ، ذلك ما يحتم علينا ضرورة تخطيط هندسة إجتماعية عالمية ، تحوي كل المشارب الثقافية و الفكرية التي تعرفها الإنسانية جمعاء ، لا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق ما أسميناه " المثلية الفكرية و الثقافية " ، بالإنفتاح أكثر على عدد أكبر من الثقافات و عدم الإكتفاء بواحدة ، و النظر إلى التعدد الثقافي على أنه شيء يثري الإنسان ، لا يلغيه بل يغنيه و يفتح له أبوابا أكبر  لإكتساب تجارب حياتية جديدة . 

________________________________________

بعض الإيحالات و المراجع  :  

1-  Edward Tylor , Primitive Culture , in 1871

2-   Raymond Williams, Keywords : A Yocabulary Of Culture And Society  ( Glasgow: Fontana,  ) 1976 

3-   A.L.Kroeber and Clyde Kluchhohn, Culture : A Critical Review Of Concepts And Definitions New York Random House, 1963, 1952 

4-  " العصر الحديث "نقصد به الفترة الممتدة من القرن 17 الميلاد حتى القرن 19م ، نحن إذ نشير إلى هذا إلا لتفادي السقوط في الخطىء الشائع الوسع الانتشار و الذي فحواه أن العصر الحديث هو الفترة التي نعيش فيها الآن ، و هذا خطأ الزمن الحالي يسمى " الفترة المعاصرة " و ليس الحديثة و يمتد من القرن 19م حتى الآن . 

5-  هي جمع لكل من كلمة إسرائيل و فلسطين في إشارة لهذه المنطقة المتنازع حول أصلها و من الأجدر بحكمها و لإتساب إليها .





  • 1

   نشر في 31 يوليوز 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا