لماذا نكره الشيعة؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لماذا نكره الشيعة؟

  نشر في 04 أبريل 2016 .


"لأنهم أسوأ من الصهاينة"

كانت هذه هي إجابة أحد الأصدقاء عندما سألته: لماذا تكره الشيعة؟ وهذه الإجابة – التي هي ليست إجابة - لا تعبر عن هذا الصديق وحده بل عن قطاع كبير جدًا من المسلمين السنة وهي تعبر كذلك عن حجم الكره الذي بلغه هذا الصراع السني – الشيعي البغيض.

كان من الممكن أن تصدمني الإجابة السابقة لولا أني نفسي تعرضت لمثل هذه الـ"غربلة" العقلية التي كانت تبث إلىّ عن طريق المسجد الصغير الذي كنت أصلي فيه أثناء نشأتي، فرسالة الكره كانت واضحة ورغم صغر سني وقتها إلا أني لاحظت التغيير المفاجئ من التركيز على دعوة كره اليهود والصهاينة إلى كره الشيعة الذين أصبحوا الخطر الأكبر على "الإسلام"، ولكني لم ألتفت كثيرًا وقتها إلى البحث عن أسباب هذه التحول.

ما حدث هو أني كبرت ولم أعد أقتنع بالقبول بمسلمات سابقة فكان من الطبيعي أن تكثر أسئلتي حول السبب الرئيسي لهذا الصراع، فبحثت عبر صفحات التاريخ عن الإجابة الشافية.

نحن نعرف جميعًا أن الإسلام جاء واحدًا للناس كافة ولم يكن هناك تصنيف للمسلمين كسنة أو شيعة أو أي مجموعة أخرى، ولكن الحدث الرئيسي الذي ضرب وتد الفرقة كان مصيبة الأمة الإسلامية بمقتل عثمان بن عفان والتي يطلق الكثيرون عليها اسم "الفتنة الكبرى".

عثمان كان هو الخليفة الثالث للمسلمين بعد عمر بن الخطاب وتولى الحكم لمدة 12 عام من 23 هـ إلى 35 هـ، وكان هناك اعتراضات على طريقة حكمه من حيث الولاة الذين عينهم وسياسته بخصوص بيت المال، هذه الاعتراضات أخذت تتصاعد حتى أدت إلى ثورة انتهت باقتحام الثوار دار عثمان وقتله.

تولى عليّ بن أبي طالب الحكم بعد مقتل عثمان ولكن معاوية بن أبي سفيان الذي كان والي عثمان في الشام رفض مبايعة علي إلى أن يثأر هذا الأخير من قتلة عثمان أولًا، الأمر الذي رأى عليّ تأجيله إلى أن تستقر الأمور، وهذا الخلاف كان أول بذرة لظهور "شيعة عليّ" الذين أيدوا قراره هذا واستمروا في تأييدهم لعليّ وذريته من بعده.

لم تكن هذه مشكلة عليّ الوحيدة فقد خرج ثلاثة من أعلام المسلمين إلى البصرة وهم عائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وقد اُختلف حول السبب الذي دعاهم للخروج بين سني يقول أنهم رفضوا تباطؤ عليّ في القصاص لمقتل عثمان فأرادوا حشد الناس للثأر من القتلة، وشيعي يقول أنهم خرجوا لأنهم أرادوا الغدر بعليّ وخلعه طمعًا في الخلافة، المهم أن عليًّا أرسل إليهم يدعوهم للعودة وبعد فشل هذه المحاولات وقعت بين عليّ وبين هؤلاء الثلاثة واحدة من أكثر الفاجعات في التاريخ الإسلامي: "موقعة الجمل" التي قُتل فيها العديد من الصحابة وانتهت بهزيمة فريق السيدة عائشة وطلحة والزبير ومقتل الأخيرين تاركة فجوة لم تلتئم بين صفوف المسلمين.

اتجه عليّ بعد ذلك إلى معاوية وتقابل الفريقان في موقعة وفاجعة جديدة هي موقعة صفّين التي قتل فيها سبعون ألف مسلم وكاد معاوية ينهزم لولا أن حمل رسله المصاحف على أسنة الرماح مطالبين بالتحكيم بينه وبين عليّ، وهنا نجد خلافًا سنيًا - شيعيًا آخر، فالأولون يرون أن التحكيم كان دافعه الأساسي هو حقن دماء المسلمين، أما الآخرون فيرون أنها مكيدة دبرها معاوية الذي أيقن أنه مهزوم فحاول بهذا كسب الوقت وإحداث فرقة بين صفوف عليّ.

أيًا كان الغرض الحقيقي من التحكيم فإن الفرقة حدثت بالفعل، فقد وافق عليّ على التحكيم بينما رفضته مجموعة من أنصاره صار يطلق عليهم "الخوارج" وضعّف هذا جبهة عليّ كثيرًا. المهم أن التحكيم تم بالفعل بين مبعوث علي وهو أبو موسى الأشعري ومبعوث معاوية وهو عمرو بن العاص.

ما حدث في التحكيم أيضًا مختلفًا عليه، فالقصة الأشهر هي أن الحكمين اتفقا على خلع المتنازعين، عليّ ومعاوية، ثم جعل أمر الخليفة شورى بين المسلمين، ولكن عند إعلان النتيجة قام أبو موسى فخلع صاحبه عليّ أما عمرو بن العاص فخالف الاتفاق وقال أنه يثبت صاحبه معاوية مما جعل المشكلة لاتزال قائمة.

رغم أن الرواية السابقة مذكورة في أشهر كتب تفسير أهل السنة مثل الطبري وابن كثير إلا أن كثيرين من علماء السنة يرونها كاذبة وأن الراوي المعتمدة عليه هذه الرواية وهو أبو مخنف لوط ابن يحيى كان شيعيًا كاذبًا، ويؤكدون أن الرواية الصحيحة هي أن الحكمين قررا ألا يتم نقاش أي شيء قبل عام.

المهم أن ما حدث بعد هذا أن الخوارج الذين لم يرضوا بالتحكيم ظلوا يثيرون القلاقل ثم قرروا اغتيال عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص، وفشلت المحاولتان الأخيرتان ولم ينجح غير أشقى الأشقياء عبد الرحمن بن ملجم في اغتيال عليّ كرم الله وجهه.

بايع أنصار عليّ ابنه الحسن للخلافة ولكن الحسن تنازل عن الحكم لمعاوية حقنًا للدماء على أن يجعل معاوية الخلافة شورى بعد وفاة هذا الأخير.

مات الحسن ولم يلتزم معاوية بالاتفاق فسارع يأخذ البيعة لابنه يزيد وهو لايزال على قيد الحياة، وأيد البيعة العديد من المسلمين ولكن اعترضت مجموعة على رأسها الحسين بن عليّ الذي ظل على موقفه حتى مات معاوية ثم قرر أن يستجيب إلى مكاتبات أهل العراق بأن يقدم إليهم فيبايعوه للخلافة بدلًا من يزيد، وفي طريقه قابله جيش يزيد المكون من آلاف الرجال بينما فريق الحسين لم يكن يضم سوى 72 رجل، وبدأت المعركة التي لم تكن معركة، بل كانت مذبحة قامت بها كثرة جبانة ضد ثلة من الأبطال، وظل الحسين يقاتل وهو يرى أهل بيته يتساقطون الواحد تلو الآخر حتى سقط سيد الشهداء نفسه.

لم ينج من هذه المذبحة أي من رجال آل البيت عدا علي بن الحسين وقد كانت تداعيات هذه المذبحة خطيرة، فقد شعر شيعة عليّ بأشد الندم لأنهم لم يلحقوا بالحسين لنجدته في الوقت المناسب مما أدى إلى أول تحرك عسكري للشيعة في التاريخ متمثل في ثورة الـ"توابين" في الكوفة.

منذ هذا التاريخ والصراع متأجج بين الشيعة وبين الحكام الأمويين ومن بعدهم العباسيين الذين استغلوا الشيعة للقيام بثورتهم ضد الأمويين ولكن بعد أن استتب لهم الأمر غدروا بهم.

بالله عليك أيها القارئ، هل تجد فيما سبق أي نزاع عقائدي على الإطلاق؟ بالطبع لا، فالمسألة أصلها سياسي بحت ولكن ما حدث أن هذا الخلاف السياسي صار يتم تطعيمه بخلافات عقائدية لم تكن موجودة على الإطلاق من قبل، وربما كانت فترة حكم الخليفة العباسي المتوكل هي من أهم المراحل التي تم استخدام الدين فيها للقمع السياسي بشكل فج، فقد اضطهد هذا الخليفة جميع الفرق الإسلامية الأخرى عدا فرقة واحدة صار يطلق عليها لقب "أهل السنة والجماعة"، هذا اللقب الذي استخدم للمرة الأولى في هذا العهد ولكنه بات معروفًا أنه يعود على هؤلاء الذين رأوا أن الصحابة جميعهم عدول بما فيهم معاوية ولهذا فهم أيدوا خلافته ورأوا أن بيعته لابنه بيعة شرعية وذهب بعضهم حتى إلى القول بأن الحسين هو الذي أخطأ بخروجه على حاكم شرعي.

نتيجة هذا المزج بين الدين والسياسة أصبح الإسلام مسرحًا يرتع فيه المغالون من الطرفين سواءً السني أو الشيعي لأن هذه كانت رغبة الحكام، ونجد من أبرز المراحل اللاحقة التي ظهرت فيها الخلافات العقائدية هي مرحلة الدولة البويهية الشيعية في غرب إيران والعراق حيث ظهرت المؤلفات الشيعية المغالية والطاعنة في الصحابة، وأيضًا مرحلة الدولة الصفوية في إيران والتي كانت في خضم صراعها مع الدولة العثمانية فحاولت الخلط بين القومية الإيرانية والدين الإسلامي لتدعيم وجودها ولهذا خرجوا بالعديد من البدع في الممارسات الدينية التي تختلف عن باقي المسلمين.

لكن حتى إذا تناولنا الخلافات العقائدية الفقهية بين السنة والشيعة نجد أن أهمها مثل عصمة الأئمة وشخصية المهدي وزواج المتعة وغيرها هي أمور مختلف عليها وسط الشيعة أنفسهم، ولكن المغالين من أهل السنة لا يلتفتون للخلاف ويصدّرون هذه الأفكار على أنها أفكار عموم الشيعة لإبقاء جذوة الكره مشتعلة.

هم أيضًا يركزون على أفعال المغالين من الشيعة الذين يسبون الصحابة ويكفرونهم ويدعون بأن القرآن محرّف وينشرون فيديوهات هؤلاء في كل مكان على وسائل التواصل الاجتماعي متجاهلين حقيقة أن كثيرين من الشيعة لا يقبلون بمثل هذه الأشياء، العجيب هنا هو أن هؤلاء الشيعة المغالين لا يختلفون كثيرًا عن متطرفي السنة الذين ينتقدونهم والذين يملأون نفس وسائل التواصل الاجتماعي بسباب وتكفير المسلمين بغير حساب، هم حتى يتفقون معهم في الادعاء بتحريف ونقصان القرآن الكريم، وهذا نجده عندما نرى تمسك متطرفي السنة بروايات باطلة موجودة في أعلى الكتب شأنًا لديهم تؤكد هذا الادعاء، ومن هنا نستشف شيئًا هامًا وهو أن التعصب حقًا أعمى بدليل أن هؤلاء المتطرفين من الجانبين لا يدركون كم هم متشابهون.

الخلاصة هي أن علينا إدراك أن الخلاف السني – الشيعي هو خلاف سياسي بالأساس ولّد الذريعة العقائدية، والدليل أن هذا الخلاف لا يبرز على الساحة إلا إذا تواجدت الدوافع السياسية المطالبة ببروزه، فإلى متى يظل إسلامنا أسيرًا لهذه النزعات البغيضة؟ إلى متى نترك ناصية أمورنا إلى المتعصبين الذين سيقودونها إلى الهلاك؟


  • 3

   نشر في 04 أبريل 2016 .

التعليقات

,,, ( موقعة صفّين التي قتل فيها سبعون ألف مسلم ) ,,, بالتاكيد فيهم الكثير من الصحابة ,,, حدثت هذه الموقعة في العقد الرابع من الهجرة و كان امير الموْمنين الخليفة الرابع و في حياته ( رضي الله عنه ) ,,, ماذا نستنتج من ذلك سيدي ,,, ( ايها الناس من كان يعبد محمدا , فاْن محمدا قد مات , و من كان يعبد الله , فاْن الله حي لا يموت ) ( الصديق رضي الله عنه و ارضاه ) ,,, فما بالنا نحن اليوم , نعبد من و نتبع من , و من المسوْول عن انهر دماء المسلمين عبر التاريخ و يومنا الحاضر و الى متى , و قد زاد حجم الفريقين حتى اصبح اسلامنا له بداية و ليست له نهاية ,,, جزاك الله خيرا على ما تحاول اظهاره لعامة الناس علهم يرشدون ,,, و نصيحتي في هذا الركن الموْلم هي قوله ( صلى الله عليه و سلم ) ,,, اعبد الله كاْنك تراه , فاْن لم تكن تراه , فاْنه يراك ,,,
1
Ahmed Elmokadem
تعليقك جميل جدا أ. اسماعيل ونصيحتك أجمل..
اسماعيل المشهداني
كنت اتحدث مع صديق حول مقالكي هذا سيدي الكريم و طلب مني ان انسخه له للاطلاع عليه و لما يحويه من معلومات قيمة ,,, بعد اذنك فقد نسخته و بعثته لصديقي ,,, تحياتي و ارجو ان نلتقي في مقال اخر
Ahmed Elmokadem
بالتأكيد أ. اسماعيل..
عفاف عنيبة منذ 8 شهر
جيد أستاذي الفاضل السيد المقدم طرحك ممتاز، إلي متي هذا التراشق بالتهم و السلاح و نحن مسلمون نشهد بلا إله إلا محمد رسول الله و نطق الشهادة لوحده يعصم دم المسلم ؟
1
Ahmed Elmokadem
أشكرك جدا على تعليقك يا أ. عفاف، وفعلا سؤال حضرتك ده هو السؤال الأهم، إلى متي..؟

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا