رسالة أخيرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسالة أخيرة

  نشر في 02 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 05 ديسمبر 2018 .

أتكون تلك هي المرة الأخيرة التي أكتب إليك فيها ؟! أتعلم أنت كم من الرسائل كتبتها نقشاً لك على جدار قلبي ؟! أتعلم أن الهدية التي تقت كثيرا لإحضارها لك كانت تلك الرسائل ؟! أردتها أن تكون معك ، تخيلت أنك ربما تحتاجها في ليالي الغياب الطويلة القادمة أو أنك ستضمها إلى صدرك في ذات ليلة شتوية فتبعث الدفء الحميمي منها إلى قلبك .. و لا أعلم حتى هذه اللحظة أكانت تلك الفكرة محض خيال ؟! أكنتَ أنت في عمري - يا رقة النسيم ، يا أرق من قابلته وودعته - محض حُلم ؟!

لقد قلت لنفسي من قبل أني لا أستطيع أبدا أن أغفر لك ترددك معي، أو بالأصح عدم ترددك ! فأنت لم تتردد لحظة وأنت تسقيني كأس الحرمان المر وأنت تعلم أني لم أتجرع غيره طول حياتي ، ولم تتردد في إهدائي الخوف وأنت تعلم أنه رفيقي الدائم الذي أكرهه ولا أستطيع منه فرارا ! و ما يؤلمني ليس أني لا افهمك بل لأني ببساطة أفهمك !

وربي كانت تكفيني منك كلمة ! كلمة واحدة تزيح عن قلبي هذا الثقل ، كلمة واحدة تُطمئن أنفاسي أنها لن تظل ترتجف وحدها في الظلمات إلى الأبد ودونما أمل في رفيق ! كلمة واحدة أطمئن بها أن لي مأوى لست مشردة بين القلوب ، كلمة تواسيني إذا ما مرت علي السنون ووجدت نفسي وحيدة وارتجفت من الوَحشة فأتذكر تلك الكلمة و أشعر بها تلفني برفق فأطمئن و أنام .. ولكن .. وعلى عكس ماتوقعت وتمنيت و آمنت .. و من دواعي الألم والخزي والمرارة و الحسرة أنك بخلت علي بتلك الكلمة ! أنت من زرع في قلبي الطمأنينة و الحنان حتى أزهر واخضر ، وأنت من نزع هذا الحنان وتلك الطمأنينة من قلبي بقوة غادرة لم تترك في أي رمق قد أقاوم به هذا البؤس ..

.. لقد نبذت الدنيا كلها كي تكون أنت دنياي ، و رميت كل الورود كي تكون أنت جنتي ، نظرت في مرآتي إلى عينيك ، و استمعت إلى بكائك في ليلي الشجي ، و استنشقت أنفاسك في كل شهيق و زفير ،و شعرت بدمائك في عروقي في كل ضخة ضخها قلبي هذا إلى جسدي !

الموت علي أهون ، الفناء أرحم ، الخيال أجدى من أن أصدق أني لم أكن لك سوى عابرة .. بالله عليك قل لي ، كيف أكون عابرة بينما شعرت بك تقيم في ؟! بينما سمعت ترددات روحك المطمئنة في الليل فأطمئن او تردداتها الباكية فأفزع إليك ولا أنام ؟!

ليت قلبي قد اُقتِلع من مكانه عوضاً عن هذا العقاب القاسي .. بل ليت هذا يكون منك عقابا عوضا عن هذا النسيان الذي يفوق ألم أثره في قلبي كل ألم مر على إنسان حتى اللحظة ..

ماذا كان يضيرك لو ضممتني إليك ضمة واحدة مرة واحدة فقط ؟! لكنتَ أعدت أضلعي المبعثرة تلك إلى مكانها ، لكانت برأت جراحي إلى الأبد وماعاد أثر شيء في من بعدها ، ضمة واحدة فقط ! ما كنت لأطلب غيرها مهما طالت أيام حياتي ، كنت سأتذكرها في كل وقت يهطل فيه الثلج على روحي و يحين الشتاء على قلبي ولا أجد في خزائن ذاكرتي ما يمكن أن استدفئ به ، لقد أردت لهذه الضمة أن تكون كنزي الوحيد ، ولكنك بخلت علي بها ، رغم أني - يعلم الله هذا- ما كنت سأطلب غيرها أبدا !

لقد كنت أود من عمر الزمان يوماً واحدا  ، نجلس فيه معاً قبالة البحر يظللنا صديقنا الليل ، نشاهد الأمواج و نتذكر مد وجزر حبنا ، وأننا معاً الآن في لحظةٍ بين المد والجزر وكأنهما تعانقا إلى الأبد ، هي نفس اللحظة التي يتلاقي فيها السالب والموجب ، و الشمس والقمر ، و الليل والنهار ، وأنا وأنت !

نشهد معا شروق الشمس و تلمس أناملك اناملي برفق ، و أنظر إلى عينيك فتأكل ابتسامتي ،ونستمع إلى صوت أنفاسنا دون أن نتكلم ..

يوم واحد فقط ، لم ترضَ أنت به ..

أخبرتك مرارا عن صدمتي من الرفض ، أني لكثرة ما رُفضت في حياتي أصبحت أشعر أني وباء يهرب مني الجميع من على بعد أميال ، ولكن معك أنت لم تشعرني بهذا ، ومع ذلك فقد مشيت معي ذلك الطريق الطويل فقط لتلقيني من عل ! صدق هذا أو لا تصدق ، أنت أيضا رفضتني ، حتى لو لم تكن تود هذا ، وأنا لا ألومك ، ولكن .. لم أعد أتحمل كل هذا الرفض ، لم أعد أتحمل أسئلتي الحيرى تظهر في عيني يغشاها الخوف ، لم أعد أتحمل الاستجداء ، أصبحت في نظر نفسي حقيرة إلى أبعد حد حتى كرهتها وكرهتني وماعاد لي منها فائدة تذكر ..

 تعلم أني لم أرغب في يوم ما أن أظل بك لصيقة ، لأن روحاً كروحي تعرف جيدا ما معنى أن تكون الأرواح ملتصقة حتى لو ابتعدت الأجساد أبد الدهر ، ولكن كنت أطمع في ان تترك لي الأمان الأبدي.. فقط لو كنت أخبرتني لو لمرة واحدة أنني في قلبك باقية ، أنك على الأقل ستذكرني حين وحدتك ، حين نظرك للنجوم ، وبعد مرور أعوامٍ كثيرة وبعدما حدقت في وجوهٍ لا عدد لها تذكر وجهي و تحن إليه .. كان هذا كفيلاً بجعلي أتشبث بتلك الحياة حتى في أشد لحظات اليأس و الكمد .. ولكنك لم تفعل ! لم تخبرني بهذا أبدا و لا أستطيع أن أتخيل أن هذا ليس حقيقياً ، أود أن تنفذ رصاصة فتخترق تلافيف مخي وتستقر فيه قبل أن أفكر في ذلك !

يكفيني أن أعلم انك كنت دوما اختياري الصحيح الذي لن يتكرر ، وأن الحزن في عيني لم يجد غيرك يفهمه ، وأن الدمعة التي توقفت في عينيك برهة من الزمن الجميل كانت كافية لأفهم منها أنك لي ، على الرغم من كل شيء ، على الرغم من أنك اخترت البعد في أكثر وقت احتجتني فيه ، وأني اخترت البعد في أكثر وقت احتجتك فيه ، قتلتنا عقولنا تلك يا عزيزي ، اهلكتنا والله !

لم نكتف بما دمره البشر فينا ، بل زدنا على وجيعة العجز وجيعة الفراق ..

كنت دائما نصفي المكمل المثالي الحزين البعيد !

وأعلم ألا أحد بعدك يستطيع أن يرعى هذا القلب ، لا أحد يستطيع أن يلمح الحزن خلف عيوني ولا أن يسمع صوت نهنهات قلبي الباكي عبر المسافات ، الرعشة التي تجتاح صدري كل ليل ذات اختناق لم تجد بعدك أحدا يشعر بها ، حزني ذاك يبدو تافها جدا لكل من عداك ، وحدك أدركت أنني حينما أحزن يأسرني الحزن يقتلني ويمثل بجثة روحي ، وحدك لمحت الدمعة التي نزلت من عيني رغم البعد ، ووحدك سمعت صوت روحي ، ووحدك كنت تريد أن تفعل أي شيء حتى أطيب ، و رحلت عني بعدما فتحت عيني للمرة الأولى ورأيتك تنعكس على وجهك الذي أحببت كل الأنوار التي ظلت زمنا طويلا غائبة عني ، أخذت الأنوار ، و الاحتواء ، و الطمأنينة ، أخذت كل شيء وتركتني للظلام ورحلت .

لقد كنت لي أكبر من كل شيء ، أكبر من الغربة و الحزن و الألم و الفراق .. كنتَ كبيراً عندي و ستظل .. شكرا لك يا صديقي ، يا رفيق روحي على كل ما فعلته لي ، شكراً على أنك كنت معي حتى لو لم تشعر، شكراً لأنك كنت ترافقني دوماً و تضم قلبي و تمسح دموع روحي ، و أعرف انك ستقول لم أفعل شيئا ، ولكنك فعلت كل شيء لي في وقت لم أجد المساعدة فيه ولو من نفسي ، كنتَ أنت عكازي وسندي الحقيقي في هذه الحياة ..

وأريد أن أقول أني أبدا لم أكن ساخطة عليك ولا لائمة لك ولا يستطيع الغضب أن يسيطر على شعوري تجاهك أبدا ، يكفيني اللحظات التي كنتَ فيها بجانبي بل يكفيني أن أوجدك الله في حياتي حتى لو للحظة أعلم منها أن رفيق الروح موجود ، و سأظل أتذكرك كل يوم في حياتي و إن أبت الأيام أن تجمعنا سيكفيني أن ألمح طيفك في آخر رحلتي و أبتسم لأن الله منّ علي فأوجدك ..

وداعاً يا رفيقي .. يا صديقي .. يا خسارتي الكُبرى و مكسبي الوحيد . 


  • 6

  • آلاء عبد السلام
    يا قارئي لا ترج مني الهمس لا ترج الطرب .. هذا عذابي ، ضربة في الرمل طائشة وأخرى في السحب .. (محمود درويش)
   نشر في 02 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 05 ديسمبر 2018 .

التعليقات

حسن النجار منذ 1 أسبوع
لقد عبّرت عمّا يخالج نفسك،و لقد أحسست الصّدق في كلّ ما كتبت ...شكرا لك آلاء
1
آلاء عبد السلام
شكرا لرأي حضرتك
سهام سايح منذ 2 أسبوع
عندما قرئت المقال ظننت نفسي أنا الكاتبة جميل جداً يا الاء اسلوبك يشبه أسلوبي في الكتابة حتى عنوان مقالك لدي مقال مشابه له أنتي مبدعة يا الاء استمري دام قلمك
3
آلاء عبد السلام
شكرا سِهام ، أتشرف برأيك
مريم منذ 2 أسبوع
فقط لو كنت أخبرتني لو لمرة واحدة أنني في قلبك باقية ، أنك على الأقل ستذكرني حين وحدتك ، حين نظرك للنجوم ، وبعد مرور أعوامٍ كثيرة وبعدما حدقت في وجوهٍ لا عدد لها تذكر وجهي و تحن إليه .. كان هذا كفيلاً بجعلي أتشبث بتلك الحياة حتى في أشد لحظات اليأس و الكمد .. ولكنك لم تفعل.
لم يفعل ولن يفعل...كنا أطياف تلتقي فى أمسيات الشتاء الدافئة ولما هطل الثلج..ما عاد هناك ملتقى..أفترقنا بغتةً ...دون وداع..فقط لو كنت أخبرتنى لو لمرة واحدة...
3
آلاء عبد السلام
حقاً كنا أطياف .. و افترقنا دون وداع !

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا