تشي جيفارا آخر بيننا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تشي جيفارا آخر بيننا

"دادا أمغار"(1)

  نشر في 15 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

لا يصلُ إلاّ أولئك الذين يؤمنون بما يفعلون.

قد صدق حقاً أولئك الذين قالوا إن أرضا أنجبت ثواراً، ستبقى دائماً قادرة على إنجابهم في كلّ مرة تحتاجهم فيها، ربّما كان قدر هذه الأرض أن تكون المنارة التي تعلّق عليها آمال أجيال بأكملها.

الأوراس؛ في قلب الأوراس، وحين بدا أن تلك المقولة ماضية إلى النسيان، كان لابدّ من شيء يذكرنا بأنها ليست مجرد كلام نكتبه، أو نقرؤه في سير الشهداء والماضين، هي شيءٌ يتحرك فوق الأرض نفسها التي أنجبت الثوار، شيءٌ يتدحرج بحركة لا يكاد أحد يشعر بها، وبخطى بالكاد يسمع حسيسها على الثرى، هكذا بدأت قصة ما، في مكان ما، في بلدية ربما لم يكن ليسمع بها أحد، رغم كل ما تمتلكه من ثروات طبيعية وسياحية متميزة.

قصة الثائر الشاب، الذي جسد مقولة تشي جيفارا " إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد، سيفقد إنسانيته شيئاً فشيء"

وجد نفسه مسؤولا عن مدينته، مسؤولا عن حياة سكانها، والأهم مسؤولا أمام التاريخ، الذي لا ينصف إلا أولئك الذين لا يقفون على الحياد أبداً.

فتانا النحيف الذي يطيب للكثيرين وصفه بالمتمرد، لم يكتف بالدفاع في حراك مستمر عن هوية المنطقة الأمازيغية، والتي أثمرت استعادة المدينة لتسميتها الأصلية، إغزر نثاقا بدل واد الطاقة التي تعرف بها.

هكذا أصبحت واد الطاقة تعرف أكثر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ب إغزر نثاقا، الاسم الأمازيغي الذي يعني" واد شجر الطاقة المتواجد بكثرة في المنطقة".

مسؤولية الفتى الثائر، تضاعفت لتصبح واقعاً يجب مواجهته وعدم السكوت عليه، لأن المنطقة كلها أصبحت تواجه خطر استمراريتها في الوجود، بسبب مشروع استثماري لمصنع للاسمنت! الأمر الذي ربما كان سيمر عاديا لولا أن هناك من مازال يملك جانبا من الوعي على أقل تقدير.

المعركة التي كانت قد بدأت قبل عامين من الآن، شهدت الكثير من التحركات، الكثير من الجدل، والكثير من العمل والحراك الشعبي الذي قاده الفتى الثائر، ربما لسنا حتى بحاجة لذكر اسمه، فيكفي أن تذكر قصة مصنع الاسمنت في اغزر نثاقا، ليتبادر إلى ذهنك مباشرة اسم يونس. (2)

المعركة التي شهدت احتجاجات بطرق شهد لها الجميع بأنها جاءت بأكثر الطرق حضارية، والتي جسدت فكرة أن العنف والتخريب ليسا دائما طريقا صحيحا للمطالبة بالحقوق.

من الوقفات الاحتجاجية، إلى حملة تشجير، إلى حفل موسيقي، دورة رياضية في كرة القدم، إلى دعوات عبر الفيس بوك، ونشاط غير عادي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت البديل في ظل غياب الصحافة التي لم تستطع أن تفي بمسؤولياتها كاملة، لذلك وجد نشطاء المنطقة أنفسهم بمواجهة الأمر وحيدين، أمامهم حقهم الذي يطالبون به، وورائهم إيمانهم بأن المطالب بالحق لابدّ أن يبلغه.

الحق في هذه المعركة كان واضحاً جداً، سكان مدينة بأكملها، يقفون صفا واحدا ضد إنشاء مشروع مصنع الاسمنت على تراب البلدية، ولأن الصبر كان وقودا دائما لأي تحرك، كان لزاما أن يلتزم به الجميع، ليصلوا إلى ما يطالبون به.

النشطاء الذين كانوا وحيدين في الميدان، أوصلوا قضيتهم إلى حيث يجب أن تصل، الجميع في الجزائر أصبح يعرف عن قضية المصنع في إغزر نثاقا، حتى ما وراء البحر صار لهم دراية كافية عن الأمر، وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية، أصحاب الأقلام الحرة، هكذا بعد عامين من الكفاح، استطاع الفتى المتمرد أن يوصل بفضل جهوده وجهود كل الذين آمنوا معه بالقضية، استطاعوا أن يجعلوا القرار السياسي في الجزائر، يتحرك باتجاه تحقيق المطلب الأول، ولأن الحق لابدّ في النهاية أن يكون إلى جانب من يستحقه، كان لزاما أن ينتصر أصحاب القضية، ويحصلوا على قرار من أعلى هرم السلطة في البلاد يقضي بإلغاء مشروع مصنع الاسمنت في واد الطاقة.

نهاية جميلة جدا، انتصار كبير على قدر الكفاح والنضال الذي استمر عامين، في الواقع كان لابدّ أن يكون هناك من يذكر الناس بأن الشباب الذين يتهمون عادة بالتهور واللامسؤولية، قادرون حين يجدون أنفسهم مسؤولين بقدر كاف، أو حين تضطرهم الظروف، يجدون أنفسهم قادرين على حمل قضية بهذا الحجم.

شبابنا أعطى درسا مهما لكل الشباب في الجزائر والعالم، واصبحوا مثالا يذكر في كل نقاش حول ضرورة الوثوق بقدرات الشباب.

سيمر الكثير من الوقت ربما، سيحدث الكثير من الأشياء مستقبلاً، لكن التاريخ سيكون دائما منصفاً، وسيذكر دائما أن الفتى الثائر، استطاع أن يقود ثورة صغرى على مقاس مدينته الصغيرة، لتكون وقوداً ربما لمستقبل يحمل الكثير من الأمل في التغيير نحو الأفضل.

شكراً يونس. شكراً لكل من كانت القضية قضيته، لكل من نعرفه، ومن لا نعرفه، من ظهر في الصورة، من ناضل في الخفاء، شكراً للجميع دون استثناء.



(1) دادا أمغار: بالأمازيغة تعني جدّي العجوز، دادا: جدّي، أمغار: العجوز.

(2) يونس بن طلحة: أحد أهم النشطاء الذين حركوا قضية مصنع الاسمنت، مصنع الموت في بلدية واد الطاقة، والذي قاد المعركة ليصل بها رفقة الكثير من النشطاء، وأعيان المنطقة وكل السكان إلى أعلى مستوى، حيث تقرر في النهاية إلغاء قرار تجسيد المشروع.

https://www.facebook.com/bentalha.younes?ref=ts&fref=ts&qsefr=1

https://www.facebook.com/o.taga05/?fref=ts


  • 9

  • Ghanya Ahmed Lounnas
    أقرأ وأكتب وأحلم. حين يبدو كلّ شيء أمامك مستحيلاً، تأكد من أنّك في طريقك الصحيح نحو أحلامك.
   نشر في 15 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا