مالكوم اكس ..الرجل الذي مات واقفا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مالكوم اكس ..الرجل الذي مات واقفا

سميرة بيطام

  نشر في 22 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 25 يناير 2020 .

كنت أقرأ كتاب بعنوان "مالكوم اكس" لـ : أليكس هاليي ، ترجمة ليلى أبو زيد ، في 360 صفحة ، لم  أمل من قراءته لأنه كان يحكي عن سيرة رجل كافح من أجل اعلاء كلمة الحق رغم ما تعرض له من محاولات للاغتيال في كل مرة كان يعلو فيها صوته عاليا ،  في ترجمة الكتاب فرصة لإلقاء الضوء على حركة المسلمين السود في أمريكا  الذين استمدوا من الإسلام القوة للمطالبة بحقوق إنسانية أخذت منهم منذ أربعة قرون ، و لكن جهلهم بقوة االإسلام و كونه بالنسبة لهم وسيلة لا غاية ، حاد بهم عنه و دمرهم فأساؤوا له و لأنفسهم ، و هذا ينطبق على ما يحدث اليوم في العالم الإسلامي من استعمال للإسلام لغايات سياسية و ما ينتج عن ذلك بقصد أو بغير قصد ..هو صورة حية لمعاناة المكافحين في الظلام و موتهم وقوفا بعد رفضهم لكل أشكال التخويف أو التحييد عن اكمال المهمة ، مهمة الصدح بالحقيقة .. فالترجمة فرصة ليصل معنى النضال بلغات مفهومة حتى و ان كان مالكوم اكس بطل الكتاب هو نفسه من طلب من الكاتب أن لا يكون مترجما بل مؤلفا .

مالكوم اكس هو بن القس" أورلي ليتل "من أتباع "ماركوس كارفي "الذي أنشأ في هارليم بنيويورك الجمعية العامة لتحسين ظروف الزنوج ،  شرع ينادي في اطارها بصفاء الجنس الأسود و ضرورة عودته الى أرض أجداده افريقيا، أما أمه فهي من جزر الهند الغربية و لذلك لم تكن لها لهجة الزنوج ، يعتبر مالكوم اكس نفسه من معتوهي زنوج بوسطن و نيويورك ، الا أنه لا يعترف أنه لا يحمل الا الحقد لكل قطرة تجري في عروقه من دم المغتصب الأبيض.

بداية الكابوس معه أنه عاش ظروفا قاسية مع عائلته حينما رحل والده بعائلته الى مشارف شرق "لانسينغ" ، أين كان ممنوعا حينذاك على الزنوج منعا كليا دخول شرق لانسينغ بعد غروب الشمس ، يذكر في بداية سوء المعاملة كيف كانت الشرطة تستدعي والده للتحقيق معه لمعرفة  المتسبب في اطلاق النار و عن نوع السلاح المستعمل في تلك الليالي  ، هو بداية الحصار لذوي البشرة السمراء ، و منه بدأت العلاقة تسوء بين والدته ووالده لدرجة كان يضربها ، كانت أمه متعلمة و والده أمي ، تميل  الزوجة الى تقويم زوجها بكلامها الناعم الذي كان يغيظه و يفقد السيطرة على نفسه ، و هو نفس السلوك مع أطفاله ما عدا مالكوم لأنه كان يميل الى البياض عن اخوته ، لتبقى  عقدة البياض المترسخة لا شعوريا في أعماق نفسه الزنجية على الرغم من أنه ثار على البيض .

يذكر مالكوم أن الزنجي الناجح في لانسينغ هو النادل أو ماسح الأحذية أو بواب المتاجر ،كان مصدر قوته مع اخوته ما كان يجمعه والده من المصلين في الكنائس و مما كان يقوم به من أعمال أخرى و  على الرغم من سن ابنه مالكوم الا أنه كان فخورا بنشاطه السياسي الذي كان يجعله مهما في عينيه أهمية كرسها ما كان يسمعه من أقوال الناس كقول امرأة مرة و هي تضحك :" ان كلامك يزرع الرعب في قلوبهم" .

كان مالكوم يعتقد أن أباه  يفضله عن اخوته حينما كان يأخذه الى اجتماعات جمعية التقدم الزنجي التي كانت تعقد في البيوت و يحضرها حوالي عشرون شخصا تكتظ بهم غرف الاستقبال و يبدون في منتهى الرصانة و الذكاء و الواقعية حتى يغمره شعور أنهم ليسوا هم من يهتزون في اهتياج في الكنيسة ..هي بداية النضال السياسي لمالكوم على خطى والده .

و مما كان يقال في تلك الاجتماعات " طرد آدم من الجنة فهبط الى كهوف أوروبا، افريقيا للأفارقة ، انهضوا يا أحباش ، ساعة التحرر الافريقي آتية ،لا نعرف متى و لكنها آتية ،و في يوم من الأيام كالعاصفة تتكون بيننا" .

كان مالكوم يذهب للاجتماعات مع والده ليلا ،مرة واحدة عقد الاجتماع في النهار و كان ذلك في أوسو التي يمنع فيها على الزنوج كما في لانسينغ الخروج بعد غروب الشمس .

يذكر مالكوم أن أمه كانت تضربه و أدرك مع الوقت أن لون بشرته الذي ينزله الى مرتبة والده هو السبب ، و عليه كانت تفضل اخوته السود عليه و تقول له :

"أخرج الى الشمس و دعها تمسح عنك هذا الشحوب" ، مع قساوة الحياة و مع مرور الوقت  تعلم مالكوم أن الحق لا يعطى لمن يسكت عنه و أن على المرء أن يحدث بعض الضجيج ان أراد الحصول على شيء، و في ذلك يذكر أن المعاناة مع الفقر بدأت في سنة 1934 ، كانت أسوأ سنوات الأزمة الاقتصادية ، مما اضطر مالكوم و أخيه "وفيلبرت" الى الذهاب لقنص الأرانب التي كانا يبيعانها لأشخاص في أسفل الطريق ،و مع التسكع و التطفل و السرقة تردت أخلاق مالكوم و أصبح قليل الصبر و عدوانيا ،كان يكبر و يدرك عن اقتناع  أن معاملة البيض مطبوعة بما يعرفونه عن ظروف موت أبيه ، بدأ الإمساك بمالكوم و هو يسرق ، و كانت أمه تضربه كلما سرق و لا تعبأ بصراخه ، الا أنه معتز كونه لم يرفع يديه على أمه أبدا.

لينتقل في مرحلة شبابه الى القاء محاضراته في الجامعات حينما كبر و فهم أنه عليه القيام بمهمة مخاطبة الناس ، كان يأتيه أشخاص بيض و يقولون له أنهم عرب من الشرق الأوسط أو شمال افريقيا يزورون الولايات المتحدة الأمريكية أو يدرسون بجامعاتها أو يقيمون فيها ، و كانوا يقولون له أن ادانته للون الأبيض تتنافى و خلق الإسلام ، و أنهم على يقين أنه لو تسنت له معرفة الإسلام الحقيقي لفهم و اقتنع به ، و لكنه كان ينفر من كلامهم ذلك بوصفه من أتباع الايجا محمد ، و عندما كان مشهد الدعوة للإسلام يتكرر معه ، بدأ يراجع نفسه و يقول : اذا كان ايمان المرء بدينه صادقا حقا فلم لا يوسع معرفته لهذا الدين ؟ ، و كان قد آثر ذلك مع ولاس محمد ابن الايجا محمد الذي يحترم آراءه فأكد له أن من واجب المسلم فعلا أن يتعلم كل ما يستطيع تعلمه عن الإسلام .

و يذكر مالكوم أن بين الرجال الذي دعي لمعرفتهم الدكتور محمود يوسف شواربي و قال البعض أنه عالم مسلم تخرج من جامعة القاهرة و حصل على الدكتوراه من جامعة لندن و أنه يحاضر عن الإسلام كونه مستشار في الأمم المتحدة و أستاذ بارز بجامعة القاهرة و صاحب مؤلفات ، و كان يشتغل في نيويورك في منصب مدير جامعة الجمعيات الإسلامية في الولايات المتحدة و كندا ،يذكر مالكوم أن الدكتور كان وديا و يتابع أخباره في الصحف و يذكر أيضا أن ما بقي راسخا في رأسه من كلام الرجل هو قوله :

"ان المؤمن لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ."

من هنا تولدت الرغبة لدى مالكوم في الذهاب الى الحج ، و عند التنقل الى المطار للسفر الى الأراضي المقدسة كان مالكون يلاحظ معانقة الناس لبعضهم البعض من كل جنس و لون ، كانوا يتعانقون و كان الجو مشبعا بالمودة ، و انتبه الى أن اللون عندهم ليس بمشكلة ،كان يشعر و كأنه يخرج لتوه من السجن ، كانت الطائرة التي ستقل مالكوم الى البقاع المقدسة مكتضة بالحجيج بيض و سمر و حمر و صفر و شقر بعيون زرق ، و هو بينهم بشعر الأكرت الأحمر و كانوا كلهم سواء يجمعهم الإسلام ،و سرى الخبر من مقعد الى مقعد في الطائرة أن "مالكوم اكس" مسلم من أصول أمريكية ، فالتفت مالكوم الى الوجوه فاذا بها كلها مبتسمة، و كان أن تجرأ و انتقل الى غرفة القيادة ليجد قائدها أسود البشرة و لم يكن يتوقع أن يجد لون بشرته بذاك اللون ، فعاد أدراجه لمقعده و هو يردد "لبيك اللهم لبيك " حتى وصت الطائرة الى جدة ،بعدها انتقل الى مكة و هو يحمل نعله خلف المطوف ، ليرى الكعبة بيت ضخم من الحجر عليها غطاء أسود في قلب الحرم تحدق به الألوف من الحجاج نساءا و رجالا في كل الأحجام و الأشكال و الألوان ، و كان الدعاء الذي يردده مالكوم :

"اللهم أنت السلام و منك السلام فاستقبلنا بالسلام يا رب" ، بدأ مالكوم يشاهد في ذهول مدى تآلف الناس و اخائهم من كل الألوان و الأجناس ، انكسف لديه أمر و هو أن على أمريكا أن تفهم الإسلام لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكل العنصرية ، لأنه خلال سفرياته في العالم الإسلامي كان يأكل و يشرب من اناء واحد و يعبد ربا واحدا ،تعامل مع أناس يأتون من نيجريا و السودان و غانا ، و أكدت له تصرفاتهم أنهم يعتبرون أنفسهم اخوة متساوين معا ،لأن ايمانهم بالله الواحد الأحد نزع الكراهية من أنفسهم و سلوكهم و مواقفهم ، و أما السرطان العنصري الذي ينخر جسم أمريكا يجب أن تكون قلوب مسيحييها البيض أكثر تقبلا للحل الإسلامي لأن التجربة أثبتت فاعليته و عسى أن تطبقه أمريكا قبل أن تدمرها العنصرية كما دمرت ألمانيا من قبل .

كانت مسيرة مالكوم اكس حافلة بالنضال ، و كان مرة أن سافر الى فرنسا ليلقي محاضرة في مؤتمر الطلبة الأفارقة الذي كان سينعقد هناك ،و لكنه أخطر رسميا بعد وصوله الى المطار بأنه ممنوعا منعا دائما من دخول فرنسا بوصفه شخص غير مرغوب فيه و طلب منه أن يغادر التراب الفرنسي و توجه الى لندن حيث أخذه صحافيون من هيأة الإذاعة البريطانية لتسجيل استجوابات معه في" سميثويك" و هي مدينة توجد بها كثرة من الملونين تقع قرب برمنغهام ، و أثار ذلك بين العديد من سكانها الآخرين عاصفة من الاحتجاج على هيئة الإذاعة البريطانية التي اتهموها بتهييج المشاعر العنصرية في مدينتهم في وقت كانت فيه مشحونة بالتوتر و ألقى خلال تلك الزيارة لبريطانيا كلمة في معهد لندن للاقتصاد .

و رجع الى نيويورك يوم السبت  ، و في اليوم التالي أيقظه من النوم في حوالي الثالثة الا ربعا صباحا صوت انفجار مريع ، و أخبرته الأخت "بيتي " فيما بعد أنه بدأ يعطي التعليمات بهستيريا و ينتشل الأشياء و يصرخ حتى أفزع البنات و أنه أخرج الأسرة في أمان من الباب الخلفي ..كان فاقد السيطرة على نفسه ،ربما بدأ يشعر بهوس المطاردة لقلته .

و الحادث  سببه أن شخصا رمى عبر نافذة الواجهة الأمامية للبيت بقنابل كوكتيل مولوتوف ، و احتاج رجال الإطفاء الى ساعة كاملة لإخماد النيران التي التهمت نصف البيت الذي لم يكن ملكوم اكس قد أمنه من الحريق.

و عندما خاطب خمس مائة شخص في قاعة" اوديبون" في ليلة الاثنين فقد السيطرة على أعصابه لأول مرة فقال صارخا : لقد وصلت الى آخر الحبل أني لا أهتم بما قد يحدث لي ان كانوا لا يؤذون أسرتي ، ثم قال بكل وضوح : لقد رموا قنبلة في بيتي ، ثم لمح الى الانتقام و قال : "ان المطارد سيصبح مطاردا" ، حتى أنه قال لأحد الصحفيين في استجواب نشر بعد موته : ان لدي من الشجاعة ما يسمح لي بأن أقول لك أنني لا أعرف ما هي فلسفتي و لكنني رجل مرن .

اللحظات التي سبقت وفاة مالكوم اكس كانت لما تقدم مساعده ليقدمه للجمهور قائلا : الآن أقدم لكم بدون تطويل الرجل المستعد لأن يرمي بنفسه في خط النار و الموت من أجلكم ، أقدم لكم فارس السود المغوار فاستمعوا اليه و انصتوا ..فاهتزت القاعة بالتصفيق و توجه ملكوم اكس الى الباب المفضي للمنصة و لكنه توقف عنده و التفت الى مساعدته و قال لها : "يجب أن تعذريني على رفع صوتي عليك ، اني لم أعد أدري ما أفعله" فقالت له بسرعة : " لا عليك ، اني أفهم" ، فقال بصوت كأنه آت من بعيد :"لا أعتقد أن أحدا يفهم" و ذهب الى المنصة وسط التصفيق و هو يبتسم .

بعد التصفيق الذي علا في البداية و مال الى أن يتناقص سمع صوت الحضور ملكوم و هو ينطق بالتحية الأليفة " السلام عليكم أيها الاخوة و الأخوات" و بعض الحاضرين يرد "و عليكم السلام " ثم نشب شجار في الصف التاسع ،أين بدأ رجل يضرب رجلا آخر و يقول غاضبا : "أخرج يدك من جيبي" فتوجهت اليهما الأنظار و قال ملكوم بحزم :" اهدأ ،اهدأ ، لا تنفعل ، دعونا نحل هذه المشكلة بهدوء أيها الاخوة".

و تقول امرأة كانت جالسة في الصفوف الأمامية :كان الهرج في الخلف قد لفت نظري و لكن لوهلة قصيرة فقط استدرت لأنظر الى ملكوم اكس في اللحظة التي كان ثلاثة رجال يقفون فيها في الصف الأول و يسددون أسلحتهم النارية اليه و يشرعون في ضربه بالرصاص في وقت واحد فبدوا لي و كأنهم فرقة اعدام ".

في تلك الدوامة من الصراخ كان الرجل قد مات ، بعد أن وصفت سيدة أخرى ملكوم اكس و هو يضع يده على صدره عندما اصابته الرصاصات الستة عشر ثم ارتفعت يده اليسرى ، كانت أصبعها الوسطى مهشمة بالرصاص و الدم يتدفق من لحيته الصغيرة و قبض على صدره و انكب جسده المتصلب الطويل الى الوراء بغتة على كرسيين و ارتطم رأسه على البلاط ..ليموت الرجل واقفا في إصرار منه على تحدي محاولات الاغتيال لأكثر من مرة .

كانت مقتطفات من كتاب سيرة رجل رفض الموت فرارا من طموح انسان لا يعترف بأفضلية لون  بشر على آخر .


  • 6

   نشر في 22 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 25 يناير 2020 .

التعليقات

§§§§ منذ 9 شهر
مقال جميل عن شخصية ذات أبعاد و اهمية تاريخية كبيرة.
تحياتي لقلمكم الراقي استاذة سميرة.
بالتوفيق دائما
2
د.سميرة بيطام
الكتاب طويل يتكلم عن مراحل حياتية كانت سلبية في مسار مالكوم اكس و كيف تحول الى رجل سياسي يدافع عن المظلومين و عن المواقف الثابتة في الانصاف ، ارتأيت الاختصار و التركيز على أهم الأحداث .
شكرا لكم سيد أحمد .
§§§§
هي فرصة لنقرأ الكتاب ان شاء الله. شكرا لكم
هدوء الليل منذ 9 شهر
أحسنتي الطرح . دام حرفكِ
1
د.سميرة بيطام
شكر ا يا هادئة ...كنية في هدوء الليل مع سكونه .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا