وجوهٌ متناقضة لحياة الغجر في مصر. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وجوهٌ متناقضة لحياة الغجر في مصر.

السرقة مصدر رزقهم الوحيد.. النساء تتولى المسؤولية.. والرجال ينتظرون الحصيلة في البيوت.

  نشر في 11 يونيو 2021 .

يتنقلون بلا توقف من بلد لآخر، دون أن يمتلكوا وثيقة سفر أو هوية شخصية، يعيشون حياة لا تعترف بالحدود والرموز الوطنية، يكفي فقط أن يُخبروا ضباط الحدود أنهم من الغجر أو النَوَر كما يُطلق عليهم ليمروا ويعبروا إلى رحلة جديدة نحو البساطة والاختلاف أو التشرد والعذاب، كما يرى البعض، موجودون في جميع أنحاء العالم ولكنهم ظلوا على هامش الحياة والمجتمعات.

اختلفت تسميات الغجر على مر العصور وفي مدن مختلفة، وبرغم من اختلاف المسميات فإنها ارتبطت بالتصورات السائدة لدى العامة عنهم، وتتمحور حول معنى واحد وهو أن الغجر هم: المشعوذون، داكنو البشرة، اللصوص، السحرة، الكفرة، المتسولون والفئات المنحطة في المجتمع حاملو الأمراض. ويعود هذا الرفض الاجتماعي إلى ممارستهم السحر والشعوذة إلى جانب السرقة والتسول، مما سهل على المجتمعات تحميلهم عبء الأزمات التي تواجه المجتمع. بالمقابل ترسخت الصورة السلبية عنهم لتعكس كل ما هو غريب ومختلف، وظلت هذه الأفكار مسيطرة على العقول عند الكثير من الشعوب فترات زمنية كبيرة.

من أين جاء الغجر؟

يسمى الغجر بالانجليزية "Gypsies" ويعود أصل الكلمة إلى "Egypt" وهو الذي وهم الجميع أن الغجر أصلهم من مصر، ولكن الهند هي الموطن الأصلي للغجر، بعدما كتبوا تاريخ رحلتهم في القرن الثامن الميلادي، وبسبب موجات الغزو نحو مناطقهم، قرروا هجر ديارهم وموطنهم متجهين نحو أُفق مجهول.

هل الغجر لصوص؟

يقول "صلاح أبو الحسن" الشهير باسم"شجاعة"، أحد الغجريين في لقاء صحفي بعد أن تم القبض عليه في سرقة مصوغات ذهبية من شقة سكنية.

“لسنا لصوصًا، نحن لا نسرق من الفقراء، نحن نأخذ من الاغنياء حق الفقراء، يمكنك أن تسميها ضرائب سهت عنها الحكومة، ونحن نُعيد الأمور لنصابها”.

ويتساءل: “هل يلوم أحد الطبيب لأن والده كان طبيبا؟ هكذا ولدت لأب وأم من الهناجرة "الغجر"، وكان علي أن أتابع ما صنعه أبي وأجدادي من قبل، نحن مثل باقي الناس فقط لنا قوانيننا وعاداتنا ويجب علينا الالتزام بها”.

تاريخ وحياة الهناجرة:

كانوا يعيشون خارج مصر على شكل قبائل فى عدة بلدان عربية ثم نزحوا إلى مصر، ولدى الهناجرة المصريين طابع هو "الترحال"، كما أن هناك بعض التجمعات المستقرة أو شبه المستقرة، التى تمارس التنقل الموسمي، ويعيش المستقرون في مساكن تتناسب مع المنطقة التي يحلون بها ومع مستواهم المادى، ويميل الهناجرة بصفة عامة إلى السكنى فى أطراف القرى، وذلك لعدم ميلهم إلى الاختلاط بالأهالى، أو لإبعاد الأنظار عن أنشطتهم وتحركاتهم، كما لا يلجأ الهناجرة للقانون والقضاء وأقسام الشرطة، بل يحكمهم مجلس يسمى بمجلس المغارمة وهو يشبه "مجلس العرب" ويتولى الفصل فى المنازعات، ويتكون من كبير الهناجرة يعاونه ثلاثة رجال.

العادات الاجتماعية:

الحديث عن العادات الاجتماعية عند الهناجرة يُذكرنا بشخصية "أرسين لوبين" التي ابتكرها الكاتب الفرنسي "موريس لوبلان" في بدايات القرن الماضي. ذاك اللصّ الظريف الشهم، الذي يتحدى رجال الشرطة، ممتلكاً تصوراً خاصًا به عن إحقاق العدالة. لكن آرسين في حال الهناجرة ليس شخصًا واحداً، فعلى ما يبدو يعتقد جميع الهناجرة أن السرقة في حالتهم لا تتعارض مع الأخلاق، بل هي أقرب إلى العمل النبيل.

حيث أن أفراد القبيلة لا يسرقون من الفقراء، بل الأغنياء، ويُخرجون زكاة عن أموالهم للفقراء وهو ما لايفعله الأغنياء كما ترى.

ينتشر تعدد الزوجات عند رجال الهناجرة، ومعظم رجال الهناجرة يتزوجون أكثر من امرأة ليس بحثاً عن المتعة فقط ولكن من أجل تعدد موارد الدخل، ولا يهمه مستوى الجمال ولكن المهم هو أن تكون المرأة تتمتع بصحة جيدة حتى تستطيع المشى والجرى فى العمل.حيث أن الرجال لا يشعروا بالخجل من الجلوس في البيت ورعاية الأولاد بدلاً من زوجته، بل ويقوم بطهى الطعام وتنظيف المنزل، أما بقية اليوم يشاهد "التليفزيون" أو يجلس مع أصدقائه وأقاربه من رجال الهناجرة.

النساء عند الهناجرة:

تُعد النساء فى حياة الهناجرة قوامات على الرجال وليس كما هو متعارف عليه فى حياتنا، فالمرأة وحدها هى التى تدير شؤون المنزل وترعى مصالح زوجها وأولادها، وهي وحدها صاحبة الكلمة العليا فى الحياة الزوجية، وهى أيضاً سيدة قرارها وهى التى تحدد متى وأين وكيف تعمل، وهى التى تسرق وعلى الرجل أن ينتظر حصيلة السرقة، وليس للرجل حُكم على الزوجة إلا إذا ثبت أن زوجته قامت بسرقة جزء من حصيلة سرقتها التى تحصلت عليها طوال اليوم، وفى هذه الحالة على الزوج أن يذهب إلى الزعيم الذى يدير شؤون جماعة الهناجرة ويسلمه الدليل على خداع الزوجة معه، وهنا يكون عقابها عدم السماح لها بالسرقة لمدة شهر كامل.

الزواج عند الهناجرة:

عادات وتقاليد زواج الهناجرة، حيث أنه لا بُدّ للفتاة الهنجرية أن تتزوج من هنجري مثلها، ويكون مهر العروس 100 ألف جنيه ويصل فى بعض القبائل إلى 500 ألف جنيه، ويقدمه العريس من الذهب المسروق الذى يقوم بتجميعه من أهل قبيلته، وفى كل الحالات هذا الذهب يعود إلى الرجل بعد الزواج.

يعتمد ارتفاع "المهر" للعروس على حجم حصيلة السرقة لها كل يوم، تقول "هند" فتاة هنجرانية: "كل ما كانت العروسة شاطرة وتأتى بالذهب الكثير يكون مهرها غالى"، وحول أشهر طقوس أفراحهم، قالت "هند" إن شقيقة العروس عليها أن ترقص لها ببدلة رقص من أجل إحياء الليلة، ومن أجل أن يشاهدها أحد رجال الهناجرة ويشاهد مفاتنها وهى بذلك لا تنكشف على رجال أغراب ولكنها تكشف محاسنها لرجال منها، ويحدث ذلك حتى لا يكون هناك عنوسة داخل الهناجرة.

احترافهم السرقة:

وعن سر امتهانهم للسرقة، أوضحت "هند" أن السرقة تجرى فى دمها ولا يمكن أن يمر يوم إلا وتقوم بـ"تقشيط" رقبتين أو ثلاثة بحسب قولها، وتقصد سرقة الذهب من الرقبة، أما عندما يكون الجو هادىء فى الشوارع فلا يمكنها القيام بالسرقة على الإطلاق، مضيفة أنها تقوم "بقص" الذهب من الرقبة عن طريق المغافلة ويكون هناك فتاة أخرى معها تقوم بإيقاف الضحية بدون قصد، وأضافت أن أشهر المواسم للسرقة هو شهر رمضان وموسم العمرة والأعياد، وفي مواسم الحج والعمرة تكون هناك محترفات يتمتعون بمواصفات خاصة من أهمها السن الصغير والوزن الخفيف من أجل سرعة التنقل فى الزحام.

أما إذا شعرت النساء أن هناك محاولة للإمساك بهم فيقوموا بشق ملابسهم فى الشارع ثم يصرخون بصوتٍ عالٍ "حرامى، حرامى" لعدة مرات ليتحولوا من جانيين إلى ضحايا فى غمضة عين ويتعاطف معهم المارة بعد أن يروا لهم أنه تمت سرقتهم.

طريقة توزيع الحصيلة "الغَلة":

بعد أن تأتي النساء ليلاً بالمسروقات"الإيراد" التي حصلوا عليها، يُوضع كل شيء في بنك القبيلة "خزينة الزعيم"، والزعيم هو الشخص الذي يقودهم ويحركهم ويعطيهم "رواتب" شهرية، وقد تصل بعض الرواتب إلي 100 ألف جنيه حسب كفاءة الشخص وحجم السرقة.

حيث أنه لا يوجد بالقبيلة فقير بمعنى فقير، فالفقير يُعتبر قليل الحظ في السرقات، ولكنه يملك مع ذلك المال، والغني هو من يملك المال ويملك أيضا الحظ الذي يجلب له مالاً أكثر.

عقوبة من يعمل من الرجال:

إذا قرر الرجل أن "ينزل" إلى العمل ويقوم بمساعدة زوجته، فيكون عقابه الكي بالنار فى جميع أنحاء جسده وإجباره على تطليق الزوجات ورد مهرهن مثل الذى دفعه، وذلك لأنه خالف العادات والأعراف والتقاليد داخل مجتمع الهناجرة، إذا حاول الانفصال عن مجتمع الهناجرة لن يستطع ذلك، لأنه ببساطة لا يستطيع العمل والحصول على نقود مثلما كان يحصل من زوجته ولذلك من الأفضل له أن يظل مع الجماعة، وكان عقابهم أن يظل لمدة 5 أعوام بدون زواج ليخدم الأسر الهنجرانية، وبعد مرور هذه المدة يتم تزويجه مرة أخرى من فتاة يحددها زعيم القبيلة.

التوبة في مجتمع الهناجرة:

بشأن التوبة عن السرقة، قد تكون هذه الفكرة غير موجودة على الإطلاق، إذ يظل هذا الحال داخل الهناجرة حتى يموت الرجل أو المرأة، فهو مجتمع يرفع شعار "السرقة حتى الممات"، كما أن من أعراف الهناجرة أنهم يخافون جداً على بعضهم البعض ولا يمكن لأحد أن يوقع بينهم أو يمسهم بسوء، غير أنهم ملتزمين بعدم سرقة الجيران القاطنين فى الشوارع المحيطة بهم أو فى منطقتهم بشكل عام.

بين "هناجرة" مصر و"غجر" أوروبا:

يقول الباحث رامي الزياتي، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، أنه من الصعب الربط بين "الهناجرة" و"الغجر" المعروفين في أوروبا، ولكن أولى المصادر التاريخية التي تتحدث عن الغجر المصريين تؤكد أنهم ظهروا في عصر محمد علي باشا -منتصف القرن التاسع عشر- عندما جاءت قبيلة "دبلي" وانتشرت في المدن المصرية، وكانت تعيش على سرقة مواشي الفلاحين، مشيراً إلى أن أهم الأماكن التي يتواجدون فيها هي الإسكندرية - ويسمون هناك بالهناجرة- والدقهلية والشرقية والغربية والفيوم والبحيرة.

ويشير إلى أن المال له قيمة كبيرة في حياة الغجر، ويعتبرونه أهم عامل يحدد قيمة الانسان، ولهم قوانين صارمة ومن أهمها أنه عندما يختلف غجريان يلجآن إلى "المحارقة"، وهو طقس يقوم فيه كل واحد بإحراق كمية من النقود وهو يَسُب الآخر، ومن تنتهي نقوده أولاً يخسر الرهان وينبذه الجميع ولا يتعامل معه أحد.

ويؤكد الزياتي، أن الغجر لهم طقوس وشعائر خاصة بالزواج، وأشهر طقوس الزواج لديهم هي شعيرة "تمازج الدم"، ويتم فيها وخز يد العريس والعروس واختلاط دمهما بالتلامس، أو يقوم كل واحد منهما بلحس دم الآخر، مما يؤكد صلاحية زواجهما.

طقوس الموت:

وفيما يخص الموت، يعتقد الغجر أن الموت في الفراش فعل لا يليق بالغجري وعليه أن يموت خارج المنزل أو الخيمة حتى تُنقل روحه إلى العالم الآخر، وفي بعض التقاليد، تُحرق الخيمة حزنًا على الميت ويتم التخلص من متعلقاته وأغراضه الشخصية مثل الملابس والعربة والحيوانات، ولا يجوز توارثها بأي شكل من الأشكال.

في مصر لا يدفن الغجر موتاهم إلا بعد مرور الكفن على "عِجل" جاموس يُذبح خصيصًا للوفاة، ويأكل منه باقي القبيلة والقبائل الأخرى.

بالنهاية، جدير بالذكر أن بعض أفراد هذه الجماعة خرجوا من دوائرها واستطاعوا الاندماج بالمجتمعات الأخرى، سواء من خلال دخول المدارس أو العمل بوظيفة معينة وتغيير المظهر الخارجي، ولكنهم ظلوا على علاقة وثيقة مع قيمهم الداخلية والطباع التي تربوا عليها، ولا داعي للذكر أن الأمر ليس هينًا تمامًا مع وجود الكثير من التصورات السلبية عنهم واتساع الفجوة بينهم وبين المجتمعات غير الغجرية.

المصادر:

كتاب "الغجر.. ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب" للكاتب العراقي جمال حيدر



   نشر في 11 يونيو 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا