مصر التي أعرفها - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مصر التي أعرفها

عن مأساة الجُزر المصرية

  نشر في 16 يونيو 2017 .

كنت طفلاً لا أتعدي العشر سنوات، أُدرس أن مصر عظيمة صامدة أبد الدهر في وجه المعتدين، من الهكسوس إلي الإنجليز ”مقدروش علينا“ كما كان يقال لي، و لكني كنت أتسأل لما؟ لما دوماً ما تقع مصر فريسة؟ كانت الإجابة المعتادة أن مصر ميّزها الله دون البلاد بموقع مميز، بمناخ ليس له مثيل، برخاء يدوم، بنيل يفيض.

و يظل الشك يواتيني، أُمة بتلك الإمكانات، بتلك الحضارة التي يتحاكي بها العالم كله، بالريادة في كل شيء منذ قديم الأزل، بالأولية في الحياة علي وجه الأرض، يكون تاريخها و مجدها كله تحريراً للأرض فقط؟ مجرد تخليص من محتلين يتوالون علي البلاد ينهبونها سنيناً فحسب، ذلك هو تاريخ أمتي، بطولة في الشدة فقط، فلم تنعم مصر قبلاً.

لم أفكر حينها أن البديل لذلك لابد أن يكون تاريخاً استعمارياً، او حتي محاولات امبريالة باءت بالفشل، كل ما فكرت فيه ان تاريخ بلادي كان يستحق علي الأقل أعوام هادئة، ليست بالهنيّة، علي الأقل بالمقبولة، علي عكس ما وجدت تماماً، حتي حينما درست تاريخ مصر في ظل الفتح الإسلامي و ما تلاه، لا أجد سوي حروباً حولها، و هي يتواكب عليها الحكام و الصراع و الخلفاء، تقع في مجاعات، تغطي مياه النيل الجثث بالفيضان، تردم تلك الحكايات للأبد.

لم أسعد بفترة في تاريخ مصر، شعرت أن هناك من قدر انها قد تكون نواة خير، الا حينما درست مصر في ظل حكم محمد علي، الذي سرعان ما ابهرني بالإنجازات التي حُكي عنها، و لكن مع تدفق التفاصيل، المصريون مصريون، الطغاة طغاة، الحزن خيمة يبيتون جميعاً فيها منذ قديم الأزل لا إختلاف.

كنت قد أقبلت علي إجتياز المرحلة الإبتدائية، و إقتربت إمتحانات العام الدراسي الثاني الذي به أتم السنة، حتي تفجرت في الشوارع ”مظاهرات“ و كم كان ذلك جديداً عليّ، فلم اعتد في حياتي علي نداءات صاخبة ضد الحكومة التي قد صدقت تماماً أنها جندت الحوائط و أن ”الحيطان لها ودان“.

لم ينبث أحد في بيتي بنصف كلمة معادية للنظام يوماً، ربما ان صادف و حدث فلن تتعدي مرة أو اثنتان في حياتي.

تفجرت الثورة! ثار طوب الأرض! شعرت لأول مرة بالخوف، يقال أن الناس تموت، الشرطة التي صورت لي أسوء اشكال الرعب تتفرق و تتشتت، المجرمون خارج السجون يرهبون الناس، الشعب يتوحد، الإخوان المسلمون - الذين كنت أذكر محاولة ضمي إليهم في احد المساجد القريبة من منزل جدتي- شاركوا الثوار في الهتاف، سمعت إسم ذلك الرجل، الذي كان يتلو في المهابة حين يذكر الرسل و الصحابة و الاولياء و ربما تجاوز الكثير منهم، ذلك الذي تحاكي كتاب التاريخ الذي إمتحنت فيه مؤخراً بإنجازاته في كل شيء، تمني له الحياة ابد الدهر، وجدت صورته تدهس تحت الأقدام.

حين وعيت اكثر، و عرفت التاريخ اكثر، وعيت مدي التشابه بين اليوم و البارحة، كنت كلما تذكرت ثورة يناير ورد معها الثورة التي رأيت فيها وطني، رأيت فيها مصر تنادي مرتان وحيدتان بإسمها، المرتان اللتان وجدت فيهم صون لمصر من بنيها، ثورة ١٩١٩.

بالتفصيل كنت أجد اوجه التشابه، عدا ان في حالة يناير كان المحتل من بني مصر، علي عكس تاريخها الماضي كله.

و الأن بعد ان قضيت من العمر لاشيء في معدلات التاريخ، اجد نفسي قضيت آلاف السنين، بتاريخ كنت و لازلت الوذ اليه شوقاً و حنيناً، أجد الان نفسي في موقف المُقارن.

بعد ان عرفت الخطوط العريضة عن تاريخ مصر، عن كل ما حدث فيها و كل ما مر عليها من مآسي كما علمت أنها كلها بفعل إحتلال، لم اجد بين صفحات الكتب، في المسودات و حتي في الصفحات الإلكترونية سطراً يقول : ”و قد باع المصريون من مصر أرضاً لغريب.“

حتي عشت لأعاصر ”الأيام المهببة“ تلك التي سمعت عنها، تلك الايام التي اصيبت مصر فيها بخيبة كبيرة، نكسة متكررة علي مر التاريخ، تلك الكوارث التي تتحول من مواضيع يتحاكي بها المصريون في الطرقات و المقاهي و الجلسات الي مواضيع تؤلمهم ألماً لا يسكتون عليه، يهتفون ضده و يعترضون عليه و يكتبوا عنه قدر ما استطاعوا.

جاءت أنباء بيع الجزر المصرية في البحر الأحمر أو التنازل عنها عليّ بالصعق و المفاجأة، صرت لا ادري مثوي افكاري، هل حزين انا ام منبهر، غير مصدق، كيف لمصر ان تنحدر لهذا الحد، لما اشهده قبلاً فيما عرفت عن ذلك الوطن قديماً.

حتي وجدت خبر إقرار التنازل عن جزيرتيّ تيران و صنافير للسعودية، فأصبحت يأس أو ربما مكتئب او باكٍ بلا دموع.

لعلي أعيش الأن حدثاً لم تشهده مصر بعد، لعلي انا الأن في موضع العبرة لا المعتبر.

صرت الأن كالدراويش بين ثنايات الكتب، بين صفحات تاريخ الوطن، أتلوي في حزن أُغني :

”يا عزيز عيني
و أنا بِدي أروح بلدي
بلدي يا بلدي
و السلطة باعت بلدي.. “


  • 5

  • أحمد رضا
    كاتب و مدون مصري شاب مهتم بالقضايا الإنسانية التاريخي و الفلسفي منها بدأ التدوين الإلكتروني منذ عام ٢٠١٣.
   نشر في 16 يونيو 2017 .

التعليقات

بسمة العثماني منذ 1 أسبوع
احزنتني مقالك ،
شعرت بنبرة الأسى والوجع بين ثنايا كلماتك .
0
عمرو يسري منذ 1 أسبوع
قلبت علينا المواجع يا احمد .
للاسف اكتشفنا لما كبرنا اننا كنا مخدوعين في احداث و شخصيات و مبادئ كتير .
بداية موفقة .
1
أحمد رضا
علي مصر السلام و الله، شكراً.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا