التنظير النقدي غاية مجتمعية... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التنظير النقدي غاية مجتمعية...

النقد الاجتماعي

  نشر في 19 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 26 مارس 2019 .

كما هو معروف لنا أن النقد يعني بمعناه الشائع الكشف عن مكامن الأخطاء، كما يعني الفحص الدقيق غير المتحيز لمعنى الشيء ولمضمونه وقيمته، أي أن النقد فاعلية نظرية وأداة إجرائية رئيسية في النظر والتفكير تستهدف مسألة الطرق التي تتكون بها القناعات بإظهار زيفها ونقصها وعيوبها.

ويحاول البعض أيضاً استخدام النقد كبنية أساسية لبناء صرح فكري أساسه التخلص من الأفكار الزائفة والضعيفة والمتحيزة.... إلخ.

في هذا السياق لا بد لنا من الاستشهاد بالمقولات النظرية النقدية لماكس هوكهايمر باعتباره من أهم رواد مدرسة فرانكفورت النقدية هذا من جانب، ومن جانب آخر باعتباره مؤسس النظرية النقدية.

تسعى النظرية النقدية عند هوركهايمر إلى تحقيق ثلاث مهام: أولها الكشف في كل نظرية عن المصلحة الاجتماعية التي ولدتها وحددتها، وهنا يتوجه هوركهايمر، كما فعل ماركس، إلى تحقيق الانفصال عن المثالية الألمانية ومناقشتها على ضوء المصالح الاجتماعية التي أنتجتها .

والمهمة الثانية للنظرية النقدية عنده هي أن تظل هذه النظرية على وعي بكونها لا تمثل مذهباً خارجاً عن التطور الاجتماعي التاريخي. فهي لا تطرح نفسها باعتبارها مبدأ أخلاقياً، أو أنها تعكس أي مبدأ أخلاقي خارج صيرورة الواقع. والمقياس الوحيد الذي تلتزم به هو كونها تعكس مصلحة الأغلبية الاجتماعية في تنظيم علاقات الإنتاج بما يحقق تطابق العقل مع الواقع، وتطابق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة.

أما المهمة الثالثة، فهي التصدي لمختلف الأشكال اللا معقولة التي حاولت المصالح الطبقية السائدة أن تلبسها للعقل وأن تؤسس اليقين بها على اعتبار أنها سوى أدوات لاستخدام العقل في تدعيم النظم الاجتماعية القائمة، وهو ما دعاه هوركهايمر بالعقل الأداتي.

وفي السياق ذاته يرى عالم الاجتماع الفرنسي ديدييه إريبون أن التفكير النقدي عبر المجتمع لا بد أن يتجاوز وجهة نظر الفاعلين الاجتماعيين والمعنى الذي يقدمونه ويضفونه على أفعالهم الاجتماعية التي لا تمثل سوى نوعاً من الإيديولوجيا التبريرية للوضع القائم وتحقيق المصالح الخاصة الشخصية.

وبرأيه، لتفعيل دور النقد الاجتماعي علينا أن ننجز قطيعة إبستمولوجية مع الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا ونعيد بناء مجموع النظام عبر فكرنا، ومعه الميكانيزمات ( الآليات ) التي تسمح بإعادة إنتاجه، وعبر ذلك إجراء القطيعة مع الطريقة التي تجعل المُسيطَر عليهم يدعمون القوى المسيطرة، مثلاً عبر اختيارهم للإقصاء الاجتماعي بمحض إرادتهم.

يوضح إريبون أن أهمية الرؤية النقدية وقوتها لا تكمنان في قدرتها على تسجيل ما يقوله الفاعلون عن أفعالهم، بل في تمكينها الأفراد والجماعات من التفكير في وضعهم بشكل مختلف، وعبر ذلك بتجاوز الجمود الاجتماعي وبتغيير نظام الأشياء.

في هذا التوضيح يحاول إريبون تحييد الأفكار ووجهات النظر الفردية النخبوية التي تسعى إلى السيطرة على الواقع الاجتماعي وإضفاء نوعاً من القداسة الاجتماعية والدينية أيضاً عليها، وهي في حقيقة الأمر مجرد أفكار فردية ذات أهداف ومصالح وغايات تبريرية تعود بالنفع على فئة معينة هدفها الأول والأخير إحكام السيطرة على الواقع الاجتماعي والسياسي وتطويعهما لصالحها.

وهكذا يسعى إريبون للوصول إلى رؤية نقدية حقيقية تتجاوز رؤية الفاعلين الاجتماعيين الضيقة لتشمل تلك الرؤية كل مكونات المجتمع. ويترتب على ذلك أن يكون النقد بنائياً وليس تأويلياً، على اعتبار أن الأخير لا يقيم وزناً للأبنية الاجتماعية ولا بطرق تشكُّلها، بل يهتم فقط بالتفاعل القائم بين الوحدات الاجتماعية الصغرى، كما أنه لا يستطيع تقديم رؤية في التغيير الاجتماعي بعيدة المدى، ومعنى ذلك أنه لا يستطيع بالمقابل تقديم نقد حقيقي للواقع الاجتماعي لأنه يعتمد بشكل أساسي على رؤية الفاعلين الاجتماعيين والمعنى الذي يضفونه على أفعالهم من خلال عملية التفاعل الاجتماعي الذي يعتمد بشكل أساسي على اللغة والمعنى الذاتي مما يصبح عرضةً للتضليل والتزييف من قبل النفوس الانتهازية الوصولية.

وهذا ما يحدث في المجتمعات النامية بشكل عام والمجتمعات العربية بشكل خاص التي لا يتجاوز فيها النقد حدود الفاعلين الاجتماعيين أي القائمين على العملية السياسية والنخب الثقافية الموالية لها، مما يؤدي إلى تحيّز الفاعلية أو القصدية وتحيّز التأكيد والوقوع في الذاتية والابتعاد عن الموضوعية لترسيخ دعائم النظام القائم وإبقاء المجتمع بعيداً عن التيارات النقدية الحقيقة التي تفضي إلى التغيير والتطوير..... لذا يجب أن يكون النقد غاية مجتمعية وليس فردية لصالح فئة معينة. أي النقد من أجل الصالح العام.

                                        الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،،،،

                                              نحو علم اجتماع تنويري – حسام الدين محمود فياض 


  • 2

  • د. حسام الدين فياض
    الدكتور حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية السوسيولوجية المعاصرة ( النظرية النقدية المعاصرة ) دكتوراه دولة من جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية، باحث في العلوم الثقافية واللغويات واللسانيات الاجتماعية ( عل ...
   نشر في 19 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 26 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا