خذوا الحكمة من ركوب "الدائري" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

خذوا الحكمة من ركوب "الدائري"

  نشر في 22 أكتوبر 2016 .

إنها الرابعة والثلث .. هكذا رحتُ أجمعُ أشلاء نفسي التي بعثرها عمل اليوم الطويل وبدأتُ أَعِدُّ الدقائق العشرة المتبقية على الانصراف في صبرٍ استعدادًا لرحلة العودة القاسية الكئيبة إلى منزلي الذي يبعد أكثر من أربعين كيلومترًا عن مكان عملي .. لا أدري لماذا دائمًا ما يبتعد مكان عملي عن محل إقامتي وكأنهما قطبان متنافران لا يلتقيان أبدًا .. "لا بد أنَّ في ذلك حكمةً لا يعلمها إلا الله" .. هكذا رحت أُصَبِّرُ نفسي وأُقنعها بأنَّ هذا نوعٌ من الابتلاء الذي يصيب الله به عبده المؤمن ليرى إنْ كان سيشكر أم يكفر.

رَكِبْتُ سيارتي وأَدَرْتُ محركها، وأَخَذْتُ نَفَسًا عميقًا قبل أنْ أنطلق بها داعيًا الله أنْ يكون طريق العودة غير مزدحم وأنْ أتمكن مِن دخول منزلي في خلال ساعتين فقط لا أكثر .. نعم ساعتان، ففي قاهرتي الحبيبة تُعتبر العودة مِن العمل إلى المنزل في ساعتين حلمًا بعيد المنال!

جَرَّبْتُ ذات مرةٍ أنْ أَحْسِبَ عدد الساعات التي تضيع في المواصلات من وإلى العمل، فأصابني الرعب عندما رأيتُ النتيجة التي حَوَّلتُها من ساعاتٍ إلى أيامٍ ثم إلى سنواتٍ، لأكتشفَ أنني قد قضيتُ ما يقرب من سنةٍ ونصفٍ محبوسًا داخل سيارةٍ ذاهبةٍ بي إلى العمل أو آيبةٍ مِنْهُ! .. جَرِّبْ أنْ تُضِيفَ إلى ساعات عملك عَدَدَ ساعات نومك، والساعات التي تقضيها في تناول طعامك، والساعات التي تضيعها في مطالعة حسابك على فيس بوك، والساعات التي تتشاجر فيها مع زوجتك، والساعات التي تقضيها في عيادات الأطباء أو في المستشفيات، والساعات التي تجلس فيها عند الحلاق، والساعات التي تنتظر فيها أنْ يَرُدَّ على مكالمتك الهاتفية موظف البنك أو موظف شركة الاتصالات .. جَرِّبْ أنْ تَجْمَعَ كل هذه الساعات ثم اطرحها مِن مجموع سنوات عمرك، وستذهل عندما تكتشف أنه لا يوجد لديك رصيدٌ كافٍ مِن الوقت لفعل أي شيءٍ آخرَ!

انطلقتُ بسيارتي خائفًا أترقبُ في شوارع تلك المدينة الجديدة التي أعمل بها .. خائفًا مِن السيارات المسرعة التي تسير في عكس الاتجاه في الشوارع شبه الخالية من المارة والسيارات وإشارات المرور، وخائفًا مِن الحُفَرِ والمطبات التي تملأ تلك الشوارع التي لم تُمَهَّدُ بعد، وأترقبُ وصولي لطريق المتاعب والمهالك والمعاناة الشهير بالطريق الدائري.

في أواخر القرن الماضي قامتْ الدولة بإنشاء طريقٍ دائري يلف حول القاهرة الكبرى، وذلك مِن أجل تخفيف الزحام في شوارع مدينتنا العجوز التي ناءت بحِمْلِ سكانها وسياراتهم .. نَجَحَ الطريق الدائري في سنواته الأولى في تحقيق الهدف مِنْهُ بعد أنْ بدأ في اجتذاب السيارات إليه بعيدًا عن قلب المدينة رغم طول مساره الذي ربما يصل إلى ضِعف المسافة التي يُمْكِنُ أنْ تَقْطَعَها في وسط المدينة للوصول إلى غايتك، إلا أنَّه كان يختصر الوقت إلى النصف بالإضافة إلى مُزيته في عدم وجود إشاراتٍ أو تقاطعاتٍ مروريةٍ تُضِيعُ الوقتَ وتُذْهِبُ العقلَ .. لكن بمرور السنوات ازدادتْ أعداد السيارات وازداد إصرار سكان الأقاليم على تَرْكِ مدنهم والقدوم للعمل والسكن في القاهرة، وبدأ الطريق الدائري يضيق بمستخدميه وتحوَّل إلى طريقٍ آخرَ مزدحمٍ لا يقل في شدة ازدحامه عن شوارع العاصمة، وأصبح الطريق الدائري بحاجةٍ إلى طريقٍ دائريٍّ آخرَ بنصف قطرٍ أكبر أو بحاجةٍ إلى إضافة دورٍ يعلو الطريق الحالي!

مَرَّتْ خمسُ سنواتٍ وأنا أستخدمُ الطريق الدائري كل يومٍ عدا أيام الجمع والعطلات الرسمية .. خمسُ سنواتٍ وأنا أَمُرُّ على نفس البيوت الحزينة المتلاصقة بجوار بعضها وفوق بعضها والتي تَطِلُّ على جانبي الطريق .. خمسُ سنواتٍ شاهدتُ خلالهم آلاف الإعلانات التي تظهرُ على جانبي الطريق من خلال لوحاتِ الدعاية الضخمة .. خمسُ سنواتٍ رأيتُ فيهم مئات الحوادث الشنيعة وعشرات الجثث المغطاة بأوراق الجرائد التي ملأتْها الدماء .. خمسُ سنواتٍ مِن المعاناة والعذاب النفسي والاكتئاب والتململ والاختناق وسط سحابة العوادم الناتجة من آلاف السيارات الزاحفة في بطءٍ مَهيبٍ مُكوِّنةً أطول حلقةٍ دائريةٍ مُتصلةٍ من السيارات المتكدسة عَرِفَها التاريخ، لو رآها أحد سكان الكواكب الأخرى من خلال أجهزة استطلاعه لَحَسِبَها موكبًا جنائزيًّا ضخمًا أو مسيرةً احتجاجيةً صامتةً خَرَجَتْ بالسيارات!

هكذا وبعد أنْ خَرَجْتُ مِن المدينة الجديدة إلى بداية الطريق الدائري، اتخذتُ موضعي بين سيارات الموكب الجنائزي الضخم الذي يسير بإيقاعٍ بطئ يَعرفه كل مَن تَعَوَّدَ أنْ يقودَ سيارته على الطريق الدائري في أحد أوقات الذروة، ووجدتني أتوجهُ إجباريًا إلى أقصى حارةٍ في اليسار خلف سيارةٍ مِن ذوات الدفع الرباعي يقودها صاحبها بتباطؤٍ مُستفِزٍ بسبب حرصه على محادثة أحدهم – أو إحداهنَّ - بالكتابة على هاتفه المحمول أثناء قيادته، مما اضطرني إلى أنْ "أُكَلْكِسَ" له كل عدة ثوانٍ كي أنبهه إلى خلو الطريق أمامه بما يكفي لأن تأتي سيارةٌ من جهة اليمين لتحتل تلك المسافة التي سمح بها في غفلةٍ منه وما يَتْبَعُ ذلك مِن تعطلٍ للحارة التي أسير فيها أنا ومَن هم خلفي، خاصةً وقد كانت تَتْبَعْني "تِرِلّةٌ" ضخمةٌ لا يتوقف صاحبها عن إزعاجي بنعيق بوقها الذي يَصُمُّ الآذان .. وبعد أنْ تكرر تلكؤ صاحب السيارة ذات الدفع الرباعي عدة مراتٍ، قررتُ أنْ أستغلَ أول فرصةٍ سانحةٍ كي "أخلعَ" مِن وراء سيارته وأدخلُ في الحارة التي على يميني .. نَظَرْتُ إليه في قَرَفٍ واضحٍ وأنا أَمُرُّ مِن جواره لأتخطاه، ومَنَحْتُهُ سُبَّةً عابرةً عن طريق "الكَلَكْس" فَرَدَّهَا إليَّ مشكورًا بأحسن منها.

يقول ذوو الخبرة ممن يقودون سياراتهم يوميًا على الطريق الدائري بأنَّ "اليمين دايمًا سالك"، لذلك يستحيل علميًا أنْ ترى ميكروباصًا أو توكتوك أو سيارة سوزوكي أو موتوسيكلاً يسير في الحارات اليسرى على الطريق الدائري، جميعهم يسير دائمًا في أقصى اليمين .. وتطبيقًا لتلك النظرية العلمية فقد قررتُ - بعد أنْ تخطيتُ السيارة ذات الدفع الرباعي - أنْ أبدأ في الانعطاف جهة اليمين رويدًا رويدًا كلما سنحتْ الفرصة حتى تمكنتُ أخيرًا مِن الوصول إلى أقصى حارةٍ في اليمين .. لا أنكرُ أنني قد شعرتُ بشماتةٍ كبيرةٍ تجاه صاحب السيارة ذات الدفع الرباعي وأنا أتقدمُ بإيقاعٍ أسرع منه نسبيًا بينما هو قد تأخر كثيرًا في الخلف حيث لا يزال يسير في أقصى اليسار غير مُكْتَرثٍ بسُخْطِ وغضب مَن هم خلفه .. لكن سعادتي بتقدمي البطئ لم تدم أكثر مِن دقائقَ معدودةٍ، حيث توقف سرب السيارات التي تسير أمامي في نفس حارتي فجأةً دون سببٍ واضحٍ، في الوقت الذي راحت السيارات التي تسير على يساري تتخطاني مِن جديد .. حاولتُ أنْ "أخلعَ" مِن اليمين إلى اليسار دون فائدةٍ .. قُمْتُ بتشغيل إشارة الاتجاه إلى اليسار كي يسمح لي القادم مِن يساري أنْ أتحرك مِن مكاني، لكن كل السيارات الآتية كانت تُطْلِق كشافاتها العالية في مرآتي اليسري غير سامحةٍ لي بالدخول معها في رَكْبِها .. لمحتُ بطرف عيني تلك السيارة اللعينة ذات الدفع الرباعي في أقصى اليسار وقد سبقتني مرةً أخرى فاشْتَعَلْتُ غيظًا.. كانت "الترلة" الضخمة لا تزال تتبعها مُطْلِقةً بوقها المزعج بلا توقفٍ، وكان واضحًا أنَّ سائق "الترلة" قد أُصيبَ بنوبةٍ مِن الهياج بسبب تباطؤ سير السيارة التي أمامه مما جعله يُطلق السباب واللعنات و"الكلكسات" على سائقها الذي لا يزال غير عابئٍ بما يحدث من حوله لانشغاله بمن يكاتبه – أو تكاتبه - على هاتفه المحمول.

بعد جَهْدٍ دؤوبٍ استطعتُ أنْ أغادر الحارة اليمنى وانطلقتُ متخطيًا إياها، وأدركتُ بعد لحظاتٍ سبب تعطل حركة السيارات فيها بعدما رأيتُ سيارةً 128 عتيقةً وقد تَعَطَّلَت ووقف صاحبها فاتحًا "كبُّوتها" الذي تصاعد من أسفله دخانٌ كثيفٌ وهو يحاول أنْ يُصْلِحَ شيئًا ما دون فائدةٍ.

شعرتُ للحظاتٍ بالندم على تركي منذ البداية لمكاني في الحارة اليسرى وتفضيلي للذهاب جهة اليمين، ورحت ألوم نفسي على هذا القرار الخاطئ الذي عطَّلني عدة دقائقٍ كنتُ في حاجةٍ إليها لاختصار الوقت والإسراع في إخراجي من هذا الجحيم، ومما زاد من حنقي وندمي هو أنَّ صاحب السيارة ذات الدفع الرباعي قد سبقني بخمس سنواتٍ ضوئيةٍ على الأقل خلال تلك الدقائق القليلة التي تعطَّلتُ فيها.

قررتُ أنْ أسير في وسط الطريق – لا إلى اليمين ولا إلى اليسار – لحين انتهاء تلك الكيلومترات القليلة المتبقية على مغادرتي لموكب الأحزان هذا .. بعد دقائقَ قليلةٍ لاحظتُ أنَّ الجهة اليسرى من الطريق قد توقفتْ عن الحركة، وعندما اقتربتُ أكثر رأيتُ "الترلة" وقد اصطدمت بسيارة صاحبنا ذات الدفع الرباعي مِن الخلف محدثةً تلفياتٍ جسيمةٍ بظهر السيارة الذي انضغط وتشوَّه مِن أثر الاصطدام .. كان من الواضح أنَّ سائق "الترلة" قد فَقَدَ أعصابه بسبب صاحبنا الذي لا يترك الهاتف من يده أثناء القيادة مما تسبب في توتره وعدم قدرته على التحكم في قيادته مما أدى إلى الاصطدام، ورأيتُ صاحبنا وقد ترك سيارته ليمسك بتلابيب سائق "الترلة" بينما يحاول بعض الأشخاص - الذين تركوا سياراتهم – فض الاشتباك بينهما حتى لا يقتل أحدهما الآخر.

لم أشأ أنْ أتسبب في مزيدٍ من التعطُّل لحركة الطريق فآثَرْتُ أنْ أُكْمِلَ مسيري تاركًا ذلك الحادث وراء ظهري، ووجدتني وقد تَحَوَّلَتْ مشاعر الشماتة والسُخْطِ السابقة تجاه صاحب السيارة المصدومة إلى شفقةٍ ورثاءٍ على ما حدث من خسائرَ لسيارته الفارهة، ووجدتني وقد تَحَوَّلَتْ مشاعر الندم والحزن - حينما ظننت أن قراري كان خاطئًا عندما تركتُ مكاني خلف سيارته وذهبتُ جهة اليمين ثم تعطُّلي لدقائقَ خلف السيارة 128 – تَحَوَّلَتْ تلك المشاعر من الندم والحزن إلى الرضا والشكر لأنني كان مِن الممكن أنْ تكون سيارتي هي التي أُصِيبتْ في ذلك الحادث لو أنني لم أغادر مكاني مِن أمام "الترلة"!

وجدتني- وأنا أبتعدُ - وقد سرحتُ بفكري بعيدًا لأقارن بين ذلك الموقف وبين مواقفَ أخرى كثيرةٍ حدثتْ في حياتي ظننتُ في حينها أنَّ فيها شرٌ لي .. تغيير مجال تخصصي ودراستي .. تركي لعملٍ والتحاقي بآخر .. فسخ خطبتي السابقة وظني بأن ذلك كان نهاية العالم .. حادث سيارةٍ .. رجوعي من السفر .. تغيير اتجاه سيري بلا مقدماتٍ .. مرضٌ مفاجئٌ .. خسارتي لصديقٍ كنتُ أظنه صديقًا .. موت شخصٍ عزيزٍ .. خسارةٌ ماليةٌ كبيرةٌ .. وغيرها مِن المواقف التي ظننتٌ أنَّ فيها نهايتي وهلاكي، لتكشفَ لي الأيام بعدها كم كنتُ قصير النظر لا أرى أبعد مِن موضع قدماي، ويُثْبِتُ لي الله بعد كل موقفٍ منها أنه قد منعَ عني شرًا عظيمًا واختار لي خيرًا كثيرًا .. في كل موقفٍ مِن هذه المواقف كنتُ أهتدي بعد انتهاء توابعه إلى تلك الحقيقة القرآنية العظيمة: (فعسى أنْ تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا).

رحتُ أرددُ هذه الآية الكريمة بينما لا أزال أقود سيارتي وسط زحام الطريق الدائري، وبرغم كل ما حدث منذ أنْ خرجتُ مِن عملي وحتى هذه اللحظة، إلا أنني شعرتُ براحةٍ عظيمةٍ وهدوءٍ غمر نفسي وروحي وجسدي المنهك أزال كل أثرٍ لغضبٍ أو حنقٍ أو سخطٍ، ليحل محلهم شعورٌ بالرضا والحمد لرب العالمين على كل حالٍ.


  • 9

   نشر في 22 أكتوبر 2016 .

التعليقات

كان الله في عونك.. سيرة العواصم هكذا، للأسف أيضا صرنا عبيدا للأعمال التي نشتغل بها.. توصيف رائع، شكرا لك
1
الدائري ... محطم الأمال و هادم الأحلام و قاتل السعادة ,
لعنة الله على الزحام :))
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا