الحافلة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحافلة

قصة قصيرة

  نشر في 15 أكتوبر 2017 .

ميدان البلدة، كعادته، ساكنٌ، خالٍ من روادٍ يَنْدر  وقع خطاهم على أحجاره السوداء. لم تحط على نافورته القديمة غير حمامة رمادية واحدة عصر ذلك اليوم، راحت ترتشف قطرات ماء بتوجس وعجلة لتحلق عالياً صوب السحاب، وكأن بأسطح المنازل ونوافذها ما يريب.

لم يكن وقع أقدام الكهلين ليسمعه بشر، حين دلفا للميدان بخطىً متكاسلة متعبة تفتقد الى الرغبة ويفتقدها الحماس. ولم يكن لخطواتهما أن تُسمع، وقد سارا حافيين تغطي بدنيهما النحيفين ثيابُ نومٍ رقيقة. طال قدر الزمن ما بين ظهورهما  تحت قوس مدخل الساحة الحجري الأصفر وبين وصولهما لأريكة خضراء تواجه النافورة، كأنهما استغرقا في ذلك ساعات عدة. 

"لِمَ صمتك؟" .. تساءل الأول، فأجاب الثاني بابتسامة مصنوعة: "لقد قلنا كل شيء أكثر من مرة، ونسينا الكثير مما يمكن أن يقال"

وعاد السكون ليخيم على شبحيهما الثابتين بلا حراك إلا من صعود وهبوط مستميتين في صدريهما. 

انتفضا برعب حين سمعا ضجيج مُحركات حافلة تلج للساحة للتوقف في منتصفها بضجيج أعلى. تجمدت أعينهما عليها بضع ثوانٍ ليتبادلا من بعدها نظرات الريبة والتساؤل بصمتٍ وخشية.

"هل سمحوا للحافلات أن تدخل الساحة؟"، سأل الأول صاحبه بدهشة دون أن يحصل على جوابٍ إلا من وجه اكتظت عليه سماتٌ يصعب فهمها.

مُقهقهاً بيأسٍ وخيبة عاد الأول ليقول، محدثاً قوماً لا وجود لهم، وهو يتحامل للنهوض من أريكتهما: "لم تدخل حافلة لهذه الساحة منذ أن كنت في العاشرة من عمري، وكان يجرها آنذاك بغلٌ"، ثم أتجه برأسه للخلف يحث الصاحب على النهوض، مسترسلاً: "بغل، نعم، مركبة يجرها بغل فقط يمكنها أن تدخل ساحتنا، أما تلك فمن غير الممكن، من غير الممكن، ألا تعرف أنت أيضاً كيف هي الحارات والأزقة المحيطة بنا الآن؟"

ترجلا صوب الحافلة، يتوكأ أحدهما على ذراع الآخر ويشده إليه، ينتفخ بصرهما بفضولٍ يتزايد مع كل خطوة، ويلتهب مع كل اقتراب، تتسارع خطواتهما كما لم يعهدا من نفسيهما منذ دهرٍ وأمد، إلى أن توقفا بقرب مدخل الحافلة الأمامي ينظران إلى سائقها بتوتر طفلين ارتكبا حماقة.

"هيا! .. اصعدا، أو فليصعد منكما من يريد، سترحل الحافلة بعد ثوان"، هتف بهما السائق الشاب المهندم في ثوبه الأزرق وربطة عنقه الحريرية الحمراء، فما كان منهما إلا صعود درجتيِّ الحافلة بهمة وخفة ليحتلا أول مقاعدها الجلدية الرحبة، لا يلتفت الواحد منهما للآخر.

ما أن أُغلق باب الحافلة حتى تلونت نوافذها بآلاف الألوان البهيجة، تتغير فيها الصفوف والاقواس والنقاط وكأنها تتراقص على لحن أمسى مألوفاً في آذانهما يطرب سمعيهما وتهتز له رأس كل منهما بنشوة سكير غابت عنه الحكمة وهجره الوقار. وبينما كانا يتأرجحان مع سير الحافلة صعودا وهبوطا، وانحرافها يمنة وشمالا، ويترنحان طرباً، إذا بصوت من خلفهما يطلب بهيبة وتبجبيل: "إلى أين؟ هل تفضلتما بإبراز التذاكر؟"

مد كل منهما يده في جيبه، فأخرج اولهما علبة حلوى فارغة والثاني قصاصة جريدة مهلهلة وناولاها لصاحب الصوت، دون أن تفارق البسمة أياً منهما. 

"حسناً" .. قالها صاحب الصوت راداً لكل منهما ما أعطاه، ثم أضاف مبيِّناً: "تذاكركما لا تسمح لكما بالوصول الى نهاية الرحلة، فهلا أخبرتماني بمقصدكما فضلاً؟"

أجاب الأول دون تريث: "سأنزل في كانينو، حيث التقيت بزوجتي للمرة الأولى .. ربما كان ذلك منذ خمسين عاماً"، ثم ابتسم بخجل وراح يحدق بأرض الحافلة. وحين أتى دور الثاني، نظر إلى كتف صاحبه، ثم أراح عليه كفه وشده إليه قائلاً: "سأنزل أنا أيضا في كانينو .. حيث قابلت هذا الأحمق للمرة الأولى منذ خمسين عاماً يغني كلمات حب، كل ليلة لأختي الصغيرة".


 

  











  


  • 5

   نشر في 15 أكتوبر 2017 .

التعليقات

آيــة سمير منذ 1 شهر
ما هذه القصة الجميلة ؟! أي إبداعٍ هذا. سررت كثيراً بقراءتها فهي لم تخلو من القصة المبدعة و الجميلة الفياضة بالمشاعر كما لم تخلو من الأسلوب الكتابي الجميل الهادئ الثري بكلمات اللغة العربية الحلوة. سلمت يداكم.
0
كريم السعيدي
شكرا جزيلا لكرمك
Nour Alidissi منذ 1 شهر
قصة رائعة عشنا لحظاتها مع أبطالها بشكل رهيب والاجمل النهاية الغير متوقعة ...إبداع قلم مميز .
1
كريم السعيدي
شكرا جزيلاً

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا