قصة قصيرة : من سَلَبَ يُسْلَبْ مِنْهُ. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصة قصيرة : من سَلَبَ يُسْلَبْ مِنْهُ.

الجزاء من جنس العمل.

  نشر في 22 أبريل 2016 .

كعادتها تخرج كل يوم بعد دوام العمل لتُفَرج قليلا عن نفسها وتتنشق بعض الهواء المنعش؛ تارة مع زميلاتها في العمل، وتارة أخرى مع صديقات قريبات، وأحيانا تخرج وحدها، لكن ملامح الهم دائما تبدو على وجهها، وإن حاولت إخفاءها بنظارتها الكبيرة، فالهموم تُحَسُّ أكثر مما تُرى، ولو حاولنا إخفاءها عن الغير ساعة فشلنا في أخرى ... لم يكن هذا اليوم كباقي الأيام، إذ حدث فيه شيء لم يخطر على بالها، ولا كانت تتوقعه، فهي ترى نفسها تقية نقية، ولا تؤذي مشاعر الآخرين، ولا تتسبب في إذاية االغير، وقلبها مملوء بالرحمة، تحب القطط كثيرا، كل هذه الصفات تجعل الإنسان يعتقد أنه في منأى عن مثل هذا الحادث الذي وقع معها، وإن كان الإيمان وحده ليس كافيا لتجنب بعض المشاكل والنوازل ... بل ينبغي أن يصاحب الإيمان حذر وذكاء وتدبير جيد للأمور؛ وهو الأمر الذي كان شبه غائب عنها.

في لحظة من اللحظات أخرجت هاتفها البسيط لتطمئن به على أمها التي تحبها حبا جما، لدرجة أن تقدم إليها أحد لخطبتها يوما وكان ذا مال و جمال، ولكن شرطه القاسي جعلها تفقد الثقة في الرجال؛ لأنه اشترط عليها أن لا تعيش معها أمها، لكنها لحبها الكبير لها فضلت أن تبقى بجوارها على أن تعيش بعيدة عنها، رغم محاولات الأم لإقناعها...

ذالك الهاتف البسيط الذي كان وصلة بينها وبين أمها... كان قدر الله أن يكون آخر يوم له في يدها، فبمجرد ما تفقدت هاتفها وحاولت أن تضعه على أذنها، مر شخص بسرعة البرق بجنبها؛ سالبا منها أعز شيء تملكه، وهو هاتفها، أعز ما تملكه، لأنها كانت تتمنى يوما أن يرن هذا الهاتف بصوت شخص لعله فارس أحلامها، أعز ما تملكه؛ لأنه من خلاله تطمئن على أمها، لم تستوعب المسكينة ما حدث معها، حتى قالت متى ينتهي هذا الكابوس المزعج، لكن صوت ارتطام الهاتف بالأرض ساقطا من يد النشال، جعل من الكابوس حقيقة، فها هو هاتفها أمامها، ولكنه ليس على المنضدة كما العادة، إنه على الأرض يئن من وطأة الألم، كما تئن صاحبته من وطأة الحرقة وكثرة الهم، وقساوة الدنيا، لا تفترضوا أنها ارتمت على الهاتف لتحمله، فقد كان النشال مصمما على أخذ "رزقه" فجمعه بكل برودة دم وهرول نحو الشارع مسرعا، وهي ترقبه بين الحسرة والوجل، وبين دمعة على خدها لم تحس بها تنزل إلا لما دخلت فمها وتذوقت ملوحتها، وكأنها تواسيها ...

إن أول شيء فكرتْ به هو حال أمها، وما ذا لو اتصلت بها وسمعت صوت النشال يحدثها، لكن شتت تفكيرها صوت جهير "مالك اختي ياك لا باس؟"، "هل سرق لك شيء ما؟" إنه شخص في الثلاثينات أسمر، وجهه لا يرتاح له، ولكن في ساعة الحسرة ولحظة العسرة ترتمي النفس إلى كل من نتوهم أنه سيساعدنا ... كأي فتاة في موقفها ستقول: إنه هناك أخذ هاتفي وهرب، ولأن النشال لم يكن قد ابتعد كثيرا، فقد لحقه ذلك الثلاثيني، وقال لها تعالي خلفي حتى تكوني شاهدة عليه إذا أمسكته، لحقه الشاب الثاني ودخل في شارع مهجور يتعقبه، ولكنها بمجرد أن وطأت بقدمها الأولى ذلك الشارع تجلت لها أمها أمام عينيها، وكأنها تطمئن على حالها، رفعت بصرها في آخر الزقاق فاختفى النشال واختفى معه من تبعه، لعله يكون لحقه؟ ولعله قد يكون أضاعه؟

عادت و تمشت قليلا نحو مكان الحافلة، ولكن لشدة تفكيرها قررت أن تسير لعل أن يكون في المسير تخفيف عنها، وفي طريقها شاهدت من بعيد حادثة مؤلمة، يقدر درجة بشاعتها، بكثرة المجتمعين عليها، فرجع إيمانها ثانية وتحرك قلبها المؤمن، وقالت الحمد لله على كل حال، فإن كنت أنا قد حرمت من هاتفي، فهناك من يكون حرم من الحياة في هذه الحادثة، أو حرم من بعض أطرافه ...

سارت حتى بلغت مكان الحادث ولأن حالتها لم تسمح لها بمشاهدة هذا الحادث الأليم، قررت المضي قدما، فيكفيها ما عاشته، وإذ بها قررت المضي، إذا هي تسمع صوتا رقيقا يناديها... إنه صوت ... التفتت إليها فإذا بها أعز صديقاتها، ما بك مطأطئة الرأس يا صديقتي ولا تسمعين؟ لا شك أن الحادث أثر بك أيضا؟ آه الحادث؟ أي حادث؟ آه نعم الحادث؟ مسكينة لقد تألمت لها ... أجابتها صديقتها من هي؟ هل هي ... ؟ لا ... أقصد تلك التي قضت في هذا الحادث. فأجابتها ولكن الحادث لشابين في أشدهما، سقطا عن دراجتهما وصدمتهما شاحنة كبيرة، ... قالت لا حول ولا قوة إلا بالله. قدر الله وما شاء فعل. وإذا بصوت آخر يناديهما ... فقالت صديقتها: إنها فلانة تركتها وحيدة هيا لنذهب إليها، وما إن وصلا إليها، بمكان الحادث؛ حتى شاهدت ذلك الشاب الثلاثيني ممددا على الأرض روحه على كفه تكاد تزهق، وجثة النشال مدرجة بالدماء، ولا يدعون أحدا يقترب إليهما حتى يأتي المسعفون، اقتربت قليلا منه وكان بصره مثبتا في السماء، وكأنه يرى مقعده في النار أو الجنة، وهي بين الصدمة والحيرة، تتأمل في عقاب الله حتى إنها تمنت لو لم تدع على ذاك النشال.

عادت إلى المنزل وهي حيرى بين أن تروي لأمها ما وقع لها أم لا، ولكنها كادت تسقط أرضا لما وجدت أن عمها أرسل لها هاتفا من الجيل الرابع، لم تكن تحلم أن تشتريه يوما.


  • 4

   نشر في 22 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا